mena-gmtdmp

كيف يبني الشباب هويتهم النفسية في مقتبل العمر؟

تكوين هوية الشباب النفسية
يشعر الشباب بالتشتت في العصر الرقمي - المصدر freepik

يواجه الشباب شعوراً بالتخبط في بداية حياتهم، وهو أمر طبيعي يرتبط بمراحل النمو الإنساني من الناحية النفسية. وهذا تطور مهم جداً لأن من خلال هذه المراحل يمكن للإنسان أن يحدد قراراته، علاقاته، مساراته وحتى رؤيته للعالم.
علماء النفس كرسّوا عقوداً لفهم هذه المرحلة، وخرجوا بنظريات تفسر كيف ننتقل من تشتت المراهقة إلى استقرار النضج. وفي هذا الصدد هناك أبرز نظريتين، استمر في القراءة للاطلاع عليهما.

إعداد: إيمان محمد

إريك إريكسون: الهوية النفسية هي معركة الوجود

يعتبر العالم الألماني الأمريكي إريك إريكسون، صاحب واحدة من أهم نظريات تحديد الهوية النفسية، أن بناء الهوية النفسية يعد المهمة الأبرز خلال المرحلة العمرية بين سن 12 إلى 20 عاماً، وبحسب simply psychology فإن الشاب يمر بمرحلة تسمى "أزمة الهوية" وهي ليس كما تبدو من الاسم مرحلة سلبية، بينما هي يمكن اعتبارها فترة انتقالية لازمة ليكون الشخص هويته.

يمر الشباب بمرحلة يعيشون اليوم فقط - المصدر freepik


وتشمل هذه النظرية التالي:

ارتباك الدور

يرى إريكسون أن الشاب يحاول في هذه المرحلة أن يحقق أقصى توافق بين اهتماماته وقناعاته ورغباته وبين تصورات المجتمع عنه، إن لم ينجح في هذا التوافق يشعر بتخبط وأزمة هوية، وهي مرحلة يطلق عليها العالم الألماني “ارتباك الدور”، وفي هذه الحالة يزداد الشعور بالتخبط وعدم القدرة على تحديد مكانه في المجتمع، مما يجعله عرضة للانسحاب الاجتماعي أو الانخراط في سلوكيات لا تشبهه لمجرد التقليد.

مفهوم الإخلاص

الهدف الثاني في هذه المرحلة هو أن يتوافق الشاب مع مفهوم الإخلاص، وتقول النظرية إن الإخلاص هنا يعني القدرة على الالتزام بمنظومة قيم معينة يسير عليها المجتمع، سواء كانت دينية، اجتماعية، أو مهنية، رغم وجود تناقضات في العالم من حولنا. هذا الإخلاص هو ما يمنح الشاب شعوراً بالمعنى والهدف.

 كيف نشكل هويتنا النفسية؟

النظرية الثانية، والمنسوبة للعالم جيمس مارسيا، جاءت كاستكمال لأفكار إريكسون وتحويلها لنموذج واضح يمكن أن يستعين به الشباب لتحديد هويتهم النفسية.
مارسيا، بحسب ما ورد في Verywell Mind يرى أن بناء الهوية يعتمد على بُعدين: الاستكشاف والالتزام. وبناءً عليهما، حدّد أربع حالات يمر بها الشباب:

تشتت الهوية

قد يكون من الطبيعي أن يشعر الشباب في بداية حياتهم بالتشتت، وهي مرحلة لا يملك فيها الشاب اتجاهاً محدداً، بينما يستكشف ويختبر البدائل. من سمات هذه المرحلة أن الشباب قد لا يفكر في المستقبل، بينما يميلون إلى التفكير في "اليوم بيومه"من دون أهداف واضحة، مما قد يؤدي لاحقاً لشعور بالفراغ.
اقرئي أيضاً مهارات يحتاجها طلاب الجامعة أكثر من الدرجات

انغلاق الهوية

يمر الشاب في مرحلة لاحقة بمرحلة يتبنى فيها هوية معينة "جاهزة" من دون أن يكلف نفسه عناء استكشاف بدائل. غالباً ما تكون هذه الهوية مفروضة من الأهل، هؤلاء يبدون ناجحين ظاهرياً، لكن هويتهم هشة لأنها لم تمر بمراحل الاستكشاف والبناء على اختيار شخصي واعٍ، مما قد يؤدي لأزمة منتصف عمر مبكرة.

تأجيل الهوية

هذه هي المرحلة الذهبية للاستكشاف. الشاب هنا في قلب الأزمة، يجرّب، يقرأ، يغير تخصصه الجامعي، يبحث عن شغفه، لكنه لم يلتزم بقرار نهائي بعد. رغم أنها مرحلة قلق، إلا أنها ضرورية جداً للوصول لهوية حقيقية.

تحقيق الهوية

هي المرحلة التي يبحث عنها كل شاب، وهنا يصل الشاب لقرار واعٍ بعد فترة من البحث والتجربة. ويعرف الشاب قيمه المهنية والإنسانية ويلتزم بها عن قناعة، مما يجعله أكثر مرونة في مواجهة أزمات الحياة.

التشتت عند الشباب
الهوية النفسية للشباب تحتاج إلى الاستكشاف أولاً - المصدر freepik

تحديات تواجه الهوية النفسية للشباب

في العصر الحالي، أو بالأحرى وسط العالم الرقمي والتطور المتسارع وسيطرة التكنولوجيا وتغيير المجتمعات، يواجه الشباب تحديات تصعب تكوين هويتهم النفسية، مثل:

الاستعراض

شبكات التواصل الاجتماعي تضغط على الشباب لتبني هوية قائمة على الصورة لا الجوهر. السعي وراء "اللايكات" قد يدفع الشاب لتبني هوية استعراضية تحاكي المشاهير، بدلاً من استكشاف ذاته الحقيقية، مما يزيد من معدلات القلق والاكتئاب.

تعدد الاختيارات والتشتت

قديماً كانت الاختيارات أمام الشباب محدودة، و مساحة الاسكتشاف يمكن السيطرة عليها، أما الآن يواجه الشاب آلاف المسارات المهنية والفكرية بمجرد التمرير على الهاتف. هذه الوفرة قد تحول مرحلة تأجيل الهوية إلى حالة من التشتت المزمن، حيث يصعب الالتزام بمسار واحد خوفاً من فوات المسارات الأخرى وهي حالة تعرف بـ "الفومو".

خارطة طريق للشباب لبناء هوية نفسية متوازنة

إذا كنت في بداية حياتك وتشعر بالحيرة، إليك هذه الخطوات المبنية على أسس علم النفس:

  • تقبل الحيرة: اعلم أن مرحلة "تأجيل الهوية" هي علامة صحية على أنك تبحث بجدية، وليست دليلاً على الفشل.
  • نوّع في تجاربك: لا تحصر نفسك في تخصصك الدراسي فقط. جرّب العمل التطوعي، تعلّم مهارة يدوية، أو اقرأ في مجالات بعيدة عن مجالك.
  • قلّل من المقارنة الرقمية: تذكر أن ما تراه على الشاشات هو نسخة معدلة من حياة الآخرين، وليست هويتهم الحقيقية.
  • ابحث عن القيم لا المناصب: الهوية المستقرة تُبنى على قيم مثل: الصدق، مساعدة الآخرين، الإبداع، وليس فقط على المسميات الوظيفية التي قد تتغير.