يظل التراث الرابط الحي الذي يجمع بين ماضي الأمم وحاضرها، والركيزة الأساسية لبناء مستقبلها، فالتراث ليس مجرد آثار مادية، بل هو روح الشعوب وذاكرة الأمم الحية وهوية الجماعات وماهية المجتمعات الضاربة بجذورها في عمق التاريخ والمعبرة عنه، و في ظل العمل على رفع مستوى الوعي بتنوع التراث الثقافي والجهود المطلوبة لحماية وصون المواقع التي تعاني من الاندثار أو الإهمال يحتفل العالم اليوم 18 إبريل باليوم العالمي للتراث.
رسالة تذكير وناقوس يدق للتذكير بأهمية حفظ وصون تراث الإنسانية
بحسب الموقع الرسمي لليونسكو unesco.org، فاليوم العالمي للتراث ليس مجرد تاريخ عابر، بل هو رسالة تذكير بأن الهوية الإنسانية مغروسة في تفاصيل المعالم التاريخية والكنوز الأثرية التي تقاوم النسيان. بدأ الاحتفال بهذا اليوم بمبادرة من المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) عام 1982، قبل أن تعتمده اليونسكو رسمياً في العام التالي؛ ليكون تذكيراً دائماً بأن التراث ثروة مشتركة للبشرية، يتجاوز هذا الاحتفال حدود الاحتفاء الشكلي ليصل إلى ضرورة تكثيف المبادرات المجتمعية والمؤسسية لترميم وصون المواقع التي تعاني من الاندثار أو الإهمال. فالحفاظ على هذا الإرث هو استثمار في الذاكرة الجمعية للشعوب، وضمان لبقاء الحكايات التي ترويها الجدران والنقوش للأجيال القادمة، ومن ثمّ يبرز هذا اليوم كمنصة لدعوة الشعوب لتقدير موروثها المحلي، ليصبح الوعي بالتراث جزءاً لا يتجزأ من التنمية المستدامة، حيث تلتقي الأصالة بالمعاصرة في مشهد حضاري متكامل.
اليوم العالمي للتراث 2026: والاستجابة الطارئة للتراث الحي في النزاعات والكوارث
وفقًا للموقع الرسمي للمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) icomos.org، يتم الاحتفال باليوم العالمي للتراث 2026 تحت شعار "الاستجابة الطارئة للتراث الحي في سياقات النزاعات والكوارث"؛ وهو شعار يؤكد على حتمية حماية إرثنا الثقافي والطبيعي أثناء الأزمات باعتبارها "سباقاً مع الزمن" يتطلب تحركاً فورياً ومنظماً. ترتكز هذه الرؤية على استراتيجية مزدوجة؛ تبدأ بالجانب التقني عبر الاستشراف المبكر للمخاطر وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر القائمة على منهجيات علمية دقيقة، وتكتمل بالمشاركة المجتمعية التي تضع الإنسان كحارس أول لهويته. إن إعداد خطط استجابة استباقية تستند إلى سيناريوهات محتملة ليس مجرد إجراء وقائي، بل هو ضرورة قصوى لبناء مجتمعات صامدة قادرة على حماية ذاكرتها من الاندثار وسط لهيب النزاعات أو قسوة الكوارث الطبيعية.
كذلك يمكنك التعرف على : يوم التراث العالمي 2023 وأهمية الاحتفال بتراثنا الثقافي في هذا اليوم
القط العسيري: فنٌّ يخلّد الإرث الثقافي

في ظل الاحتفال بيوم التراث العالمي "سيدتي" تعرفك على فن "القط العسيري" الذي تم إدراجه في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي في العام 2017 (ويمكنك متابعة الرابط التالي للتعرف على المزيد: فن "القط العسيري" ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي)، وكيف كان نموذجاً ملهماً للتراث الحي، حيث تعكس نقوشه الهندسية وألوانه الزاهية صمود الهوية الثقافية وقدرتها على البقاء عبر الأجيال. وحمايته في سياق الأزمات تضمن استمرار ذاكرة المجتمع وجمالياته كجزء لا يتجزأ من الاستجابة الطارئة لصون الإرث الإنساني.
كيف نقلت نساء عسير إرثهن الفني عبر الأجيال؟
بحسب واس، فـ"القط العسيري" فن تراثي قديم يجسّد الهوية الثقافية الفريدة لسكان منطقة عسير بالسعودية، ويُعد أحد أعرق الفنون السعودية القديمة التي كان يتم من خلالها تزيين جدران المنازل من الداخل، خاصة غرف استقبال الضيوف، وكانت النساء هن من يقمن بهذا الفن وكن يتوارثنه من الجدات ويمارسنه بأسلوب فطريّ وعفويّ مذهل، حيث تُخطّ السيدة على طبقة من الجبس الأبيض الناصع أيقونات ورموز مستوحاة من البيئة المحيطة وتتكوّن النقوش من أيقونات وأشكال هندسية ورموز محملةً بدلالات اجتماعية. ولممارسة هذا الفن تحرص النساء في عسير على دعوة قريباتهنّ من مختلف الأجيال للمشاركة في هذا العمل، مما يحوّل تزيين المنزل إلى ورشة فنية تضمن انتقال الخبرات من الجدة والأم إلى الحفيدة، ولضمان استمرارية هذا الإرث، حوّل الكثير من السكان منازلهم إلى معارض ومتاحف حية، تستقبل الزوار وتعرّفهم بأصول هذا الفن، وقد شهد العصر الحديث تحولاً كبيراً في فن القط العسيري، فبعد أن كان هذا الفن قديماً محصوراً كفن نسوي داخل البيوت الطينية التقليدية بيد النساء فقط، انخرط كثير من الفنانين والمصممين والمهندسين فيه وصار هوسًا إبداعيًا يزيّن أسطحاً مبتكرة تتجاوز الجدران، ليدخل في الديكورات العصرية.
أهمية فن القط العسيري
- يحفظ هذا الفن الفطري المهارة اليدوية ويُعزّز بقوة الروابط الاجتماعية والتضامن بين مختلف الأجيال.
- يخلق حالة من التناغم الإنساني والتعاون المستمر بين أفراد المجتمع المحلي في عسير.
- يُعرف عن ممارسة هذا الفنّ أثرها العلاجيّ والنفسيّ الإيجابيّ العميق على النساء، إذ تفرغ المصممة طاقاتها الإبداعية في تناسق الألوان وتوازن الأشكال الهندسية البديعة.
اليوم فقد استطاع فن القط العسيري هذا الفن التراثي الجميل الذي أدرجته منظمة "اليونسكو" في قوائمها للتراث الثقافي غير المادي أن يحفظ بقاؤه مؤكداً مرونته وقدرته على الاستمرار والتطور بما يتناسب مع متطلبات الهندسة المعمارية حيث تلعب كثير من المنظمات غير الحكومية والمجتمع المحلي دوراً محورياً في حماية هذا الفن وصونه، من خلال برامج التدريب والملاحظة والممارسة المستمرة لضمان بقائه للأجيال القادمة.
وبالنهاية قد ترغبين في متابعة الرابط التالي: العالم يحتفي بيوم التراث العالمي بـ1073 موقعاً 6 منها سعودية ومصرية مدرجة باليونسكو

Google News