تتميز السعودية بتراثها الغني وثقافتها المتعددة وفي يوم التراث العالمي تبرز الدرعية بمعالمها التي تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، ويفوح منها عبق الماضي وسحر التاريخ.
وتُعدُّ الدرعيَّة، الواقعةُ شمالَ غربي الرياض، العاصمةَ الثقافيَّةَ والعلميَّةَ والتاريخيَّةَ الأولى للحكمِ في السعوديَّة، كما أنها رمزٌ لتاريخِ البلادِ الغني، ومرجعٌ لتراثها الوطني، ومتحفٌ مفتوحٌ لإرثها التاريخي سواء بمنازلها الطينيَّة، أو دروبها التي تنطقُ بالأصالة، أو القصصِ والملاحمِ التي شهدتها، وجعلت منها أيقونةً من أيقوناتِ البطولة.
هناك في الدرعيَّة تشاهدُ نمطَ الحياةِ والعاداتِ التي كانت سائدةً قبل 300 عامٍ، وهذا ما حوَّلها إلى واحدةٍ من أكبر الوجهاتِ التاريخيَّةِ والثقافيَّةِ والسياحيَّةِ على مستوى العالم، خاصَّةً بعد أن نجحت مشروعاتها العصريَّةُ العملاقةُ في الحفاظِ على القيمةِ التاريخيَّةِ للمكان، وإعادةِ تشكيلِ المنطقة بما يُسهم في الارتقاءِ بجودةِ الحياة، وتحقيقِ مستهدفاتِ «رؤية 2030».
الدرعية قصة مجد

شكَّلت الدرعيَّةُ على مدى تاريخها صرحاً، يروي قِصَّةَ مجدٍ عريقٍ منذ عامِ 1727، وهو ما منحها أهميَّةً تاريخيَّةً بارزةً، وجعلها مركزاً لانطلاقِ الدولةِ السعوديَّة، والعاصمةَ السياسيَّةَ والثقافيَّةَ والاجتماعيَّة، ومهدَ حضارةٍ إنسانيَّةٍ عظيمةٍ، قادها الأئمَّةُ الأوائلُ من الأسرةِ السعوديَّةِ المالكة.
ويعودُ تاريخُ تأسيسِ الدرعيَّةِ إلى منتصفِ القرنِ الـ 15 الميلادي، وتحديداً على ضفافِ وادي حنيفة، لتُشكِّل تالياً حاضرةً مأهولةً بالسكَّانِ في قلبِ نجد. وقد بقيت المدينةُ عاصمةً للدولةِ السعوديَّةِ إلى أن اختار الإمام تركي بن عبدالله، رحمه الله، الرياض مقراً للحكمِ عامَ 1824.
وتحوَّلت الدرعيَّةُ إلى أيقونةٍ وطنيَّةٍ برمزيَّتها وتأثيرها في مسارِ الأحداث، والمحطَّاتِ المفصليَّةِ في تاريخِ الدولةِ السعوديَّة، وصولاً إلى توحيدِ المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة على يدِ المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود.
ومع احتفاظِ الدرعية بهويَّتها الوطنيَّةِ، وموروثها الثقافي، وإبرازه بما يليقُ بمكانتها التاريخيَّةِ والحضاريَّة، اختارتها المنظَّمةُ العربيَّةُ للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) Arab League Educational, Cultural and Scientific Organization عامَ 2021 عاصمةً للثقافةِ العربيَّةِ في 2030، لتُصبح ثاني مدينةٍ سعوديَّةٍ يتمُّ اختيارها بعد الرياض عامَ 2000.
معالم الدرعية التاريخية
يكتسبُ مشروعُ الدرعيَّةِ ثقله العالمي من احتضانه عديداً من المعالمِ الثقافيَّةِ والتراثيَّةِ المهمَّةِ في السعوديَّة، في مقدِّمتها حي الطريف التاريخي.
حي الطريف

ويُعدُّ حي الطريف أكبر أحياءِ الدرعيَّة، ومن بين الوجهاتِ التراثيَّةِ الأهمِّ في السعوديَّة، بل وعلى مستوى العالمِ أيضاً، إذ أُدرِج عامَ 2010 على لائحةِ «يونسكو» لمواقعِ التراثِ العالمي بوصفه واحداً من أكبر الأحياءِ المبنيَّةِ من الطوبِ الطيني في العالم.
ويضمُّ حي الطريف 13 قصراً، وخمسةَ مساجد، إضافةً إلى مطلِّ البجيري، ووادي صفار، ومناطقِ المشاة والحدائق، والمتنزَّهات، ومناطقِ التسوُّق والترفيه.
ويستقبلُ الطريف الزوَّارَ على مدارِ العام مع عروضٍ وفعاليَّاتٍ يوميَّةٍ، تضمنُ لهم الاستمتاعَ، والتعرُّفَ على الإرثِ الثقافي والتاريخي لهذا الصرح.
وكما يضمُّ الحي أكثر من 20 مطعماً من نخبةِ المطاعمِ الحاصلة على تقييمِ «ميشلان»، وهي تُقدِّم أطباقاً سعوديَّةً تراثيَّةً بطريقةٍ عصريَّةٍ، ما يجعلُ من «البجيري» الوجهةَ الأولى والأرقى لأفضلِ النكهاتِ العالميَّة وسطَ أجواءٍ مميَّزةٍ ومحاطةٍ بالعمارةِ التقليديَّة.
ومع وجودِ أكثر من 400 متجرٍ لنخبةٍ من أرقى العلاماتِ التجاريَّةِ العالميَّةِ والمحليَّة، تُوفِّر الدرعيَّةُ كذلك تجربةَ تسوُّقٍ استثنائيَّةً للحِرفِ اليدويَّةِ التقليديَّة، والتصاميمِ السعوديَّة، والمنتجاتِ الفاخرةِ المستوحاةِ من التراث.
قصر سلوى
قصر سلوى ، هو أكبر قصورِ الدرعيَّة، وقد كان مقراً للأسرةِ المالكة، ويُعدُّ مَعْلَماً تاريخياً وثقافياً بارزاً، يُوثِّق حقبةً زمنيةً مهمَّةً في تاريخِ السعوديَّة.
وتُوجد في القصرِ دواوينُ الحكم، ومقرَّاتُ الحراسة، ومستودعاتُ التموين، ومقرَّاتُ الاجتماعات، ومساحاتُ استقبالِ الضيوف. واليوم تشهدُ عمارته الخلَّابة، وأسواره الشاهقة على الثقلِ السياسي وعمقِ تاريخ السعوديَّة.
متاحف الدرعية
تتميَّزُ الدرعيَّةُ بتعدُّدِ متاحفها الموجودةِ داخل قصورٍ تاريخيَّةٍ في الحي، تُوثِّق تاريخَ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى، منها:
-
متحف الدرعية
يُوجد داخلَ قصرِ سلوى، الواقعِ في حي الطريف، ويُقدِّم لمحةً تاريخيَّةً شاملةً عن الدولةِ السعوديَّةِ بمراحلها الثلاث، ويستخدمُ مزيجاً من العروضِ التفاعليَّة لتعريفِ الزوَّار بأهمِّ الأحداثِ التي جرت داخل القصر، مع لوحاتٍ، ومجسَّماتٍ، وقطعٍ أثريَّةٍ.
-
المتحف العسكري
يحتوي على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأسلحةِ التي استُخدمت في حروبِ الدولةِ السعوديَّة، منها الدروعُ، والذخائرُ، والمتفجِّرات.
-
متحف التجارة والمال
تُعرَض فيه العملاتُ التي كانت متداولةً في عهدِ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى، كما يُسلِّط الضوءَ على الازدهارِ الاقتصادي للبلاد مع عرضِ عيِّناتٍ من البضائعِ التي كانت تُباع وتُشترى في ذلك الوقت، وخرائطِ طرقِ القوافلِ التجاريَّة.
-
متحف الحياة الاجتماعية
تندرجُ تحت هذا المتحفِ المنازلُ المبنيَّةُ من الطينِ ومرافقها، وأمثلةٌ من الملابسِ التقليديَّةِ التي كان يرتديها أهالي الدرعيَّةِ قديماً لتوثيقِ ثقافةِ الأسر النجديَّة، والتقاليدِ القديمةِ التي عرفها السكَّانُ المحليون في حياتهم اليوميَّة، إلى جانبِ مجموعةٍ كبيرةٍ من المقتنياتِ التي تعكسُ عراقةَ المنطقة، وفترةَ تأسيسِ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى.
-
المتحف السعودي للفن المعاصر
يحتضن حي "جاكس " المتحف السعودي للفن المعاصر وهو أول متحف فن معاصر في السعودية كما تقام مجموعة من البرامج والفعاليات الرائدة لعل أبرزها الحدث الفني العالمي "بينالي الدرعية".
متنزّه الدرعية
لمحبِّي الطبيعة، يمكن القيامُ بجولةٍ في متنزَّه الدرعيَّةِ ذي الطابعِ التراثي، والاستمتاعُ بالمشي بين أشجارِ النخيل الباسقة، وبرؤيةِ المناظرِ الطبيعيَّةِ الخلَّابة، هذا إلى جانبِ التعرُّف على معالمِ ومرافقِ المكان مثل البحيراتِ، والشلَّالاتِ، والممرَّاتِ والساحات التي يقصدها هواةُ ركوبِ الدرَّاجاتِ الهوائيَّة.
الدرعية أيقونة المستقبل

مشروعُ الدرعيَّة، هو خامسُ المشروعاتِ الكبرى المملوكة لصندوقِ الاستثمارات العامة، ويُعدُّ من المشروعاتِ الفريدةِ من نوعها على مستوى العالم لما يزخرُ به من مقوِّماتٍ، ومعالمَ ثقافيَّةٍ، وتراثيَّةٍ، وسياحيَّةٍ، إذ تمتلك الدرعيَّةُ تاريخاً عريقاً، أهَّلها لتتحوَّل إلى العاصمةِ الثقافيَّةِ للمملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة.
وسيستحدثُ المشروعُ فرصاً للشراكةِ مع القطاعِ الخاص، ومبادراتٍ من شأنها رفعُ مستوى جودةِ الحياةِ في المنطقة، وجعلها وجهةً عالميَّةً مميَّزةً، فهو يضمُّ أفضل العلاماتِ التجاريَّةِ العالميَّةِ الفاخرة، وأرقى المرافقِ الفارهة حيث سيُوفِّر عند اكتماله 42 فندقاً لتقديمِ أعلى معاييرِ الضيافةِ العالميَّةِ بطابعٍ محلي أصيلٍ، وتسعةَ متاحف، ووحداتٍ سكنيَّةً، وأكثر من 178 ألف فرصةِ عملٍ، وسيضمُّ نحو 100 ألف نسمةٍ، كما يطمحُ لاستضافةِ 50 مليون زائرٍ سنوياً، والإسهام بـ 18.6 مليار دولارٍ في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وستُسهم الدرعيَّةُ بمفردها، بشكلٍ كبيرٍ، في دعمِ الاستراتيجيَّةِ الوطنيَّةِ للسياحة التي تهدفُ إلى استضافةِ 100 مليون سائحٍ من أنحاءِ العالم في السعوديَّةِ مع حلولِ عام 2030.
-
ميدان الدرعية العملاق
يقع ميدانُ الدرعيَّةِ في قلب المخطَّطِ الرئيسِ للمدينةِ النابضِ بالحياة على مساحة 186 ألف م². وتتواصلُ الأعمالُ في المشروعِ ليكون وجهةً متكاملةً للتسوُّقِ والضيافة حيث من المتوقَّع أن يضمَّ 450 علامةً تجاريَّةً فاخرةً، إلى جانبِ عديدٍ من المطاعمِ والمقاهي.
-
حي القرين
يستهدفُ مشروعُ تطويرِ حي القرين في الدرعيَّةِ إنشاءَ مدرسةٍ للموسيقى العربية، ودارٍ للسينما، ومجموعةٍ من المتاحفِ والأكاديميَّاتِ المتخصِّصةِ في تعليمِ فنون الكتابة، والعمارةِ النجديَّة، والبناءِ الطيني، وأساليبِ الطهي، والفنونِ الأدائيَّة.
كذلك سيضمُّ الحي فندقَين عالميين، و19 مبنى متعدِّدَ الاستخدامات، تشتملُ على خياراتٍ متنوِّعةٍ من المساكنِ، والمكاتبِ الراقية، إلى جانبِ مجموعةٍ واسعةٍ من محلَّاتِ البيعِ بالتجزئة، والمطاعم.
-
شمال الدرعية

مشروع تطوير شمال الدرعية إلى وجهة عصرية
تهدفُ أعمالُ التطويرِ شمالَ الدرعيَّة إلى تحويلها لمركزٍ عالمي للتعلُّم، يستقبلُ العلماءَ، والطلَّابَ، وأصحابَ الرؤى. كذلك سيضمُّ الموقعُ مؤسَّسةَ الملك سلمان، ومتحفاً، وجامعةً، ومكتبةً، وساحةً عامَّةً نابضةً بالحياة، وفنادقَ بتصاميمَ عمرانيَّةٍ، تجمعُ ما بين العمارةِ النجديَّةِ الأصيلة واللمساتِ العصريَّةِ الفاخرة.
اقرأ المزيد : قرية المشكاة التراثية.. 12 قصراً طينياً تروي تاريخ وحكايات 300 عام في نجران

Google News