اختارَ الفنَّانُ التشكيلي السعودي فيصل الخريجي «بيكاسو العرب»، كما يُطلَق عليه، المدرستَين التكعيبيَّةَ والسرياليَّة في أعماله، إذ يمزجُ بينهما ببراعةٍ بالجمعِ بين الأشكالِ الهندسيَّةِ والحقيقيَّةِ والخيال لإثارةِ الحسِّ الإنساني بلغةٍ بصريَّةٍ متمكِّنةٍ، تُبحِر بالمتلقِّي في رحلةٍ واقعيَّةٍ ومعرفيَّةٍ وجماليَّةٍ، كما ينفردُ بتجاربَ عالميَّةٍ فريدةٍ، سمتُها الأساسيَّةُ التناغمُ الفنِّي بين العناصرِ المحليَّةِ والمدارسِ الفنيَّةِ من مختلفِ دولِ العالم، وهو بذلك يُعبِّر عن نبضِ الهويَّةِ السعوديَّة، والتراثِ السعودي، وروحِ الإنسانِ بإحساسٍ عالٍ.. الخريجي حلَّ ضيفاً على «سيدتي»، فأفردَ أوراقَ إبداعه.
فيصل الخريجي

تتميَّزُ أعمالك بعناصرَ من التراثِ السعودي، والثقافةِ المحليَّة، ما الذي جذبك إليهما، وكيف تحوَّلا بالنسبةِ لك إلى مصدرٍ إلهامٍ؟
التراثُ السعودي غني جداً بصرياً سواء في الأزياءِ، أو النقوشِ، أو الألوانِ، أو التفاصيلِ الصغيرة، لكنْ الأهم تميُّزه بالعمقِ الإنساني. بالنسبةِ لي التراثُ ليس ما نقومُ بعرضه، بل ما نُعيد تفسيره، لذا أحاولُ أن أقدِّمَ التراثَ بشكلٍ معاصرٍ، ودون أن أُفقِدَه روحَه.
كيف تصفُ المشهدَ الفنِّي والثقافي في السعوديَّة؟
حالياً يمرُّ المشهدُ الثقافي السعودي بلحظةِ تحوُّلٍ حقيقيَّةٍ، خاصَّةً مع توفُّرِ الدعم، والمنصَّاتِ لممارسةِ الفنون. أيضًا نلمسُ جرأةً من الفنَّانين في تجربةِ أشياءَ جديدةٍ، وهذا بالطبع مع وجودِ جمهورٍ متعطِّشٍ للفن.
من الجميلِ اليوم أن المشهدَ الثقافي أصبح أكثر تنوُّعاً، ولا يقتصرُ فقط على صوتٍ واحدٍ، وهذا ما يمنحه الروحَ والحياة.
البيئةُ من حولك، وأقصدُ المدرسةَ والأسرة، ما دورُها في اكتشافِ الفنَّانِ في داخلك؟
من المؤكَّدِ أن البيئةَ لا تصنعُ الفنَّان، لكنَّها تفتحُ له الباب. بالنسبةِ لي، كانت لدي مساحةٌ للتجربةِ في البيتِ والمدرسة، وهذا ما جعلني أُعبِّر عن نفسي دون خوفٍ من النتائج، أو رهبةٍ من ردودِ الفعل. ربما لم يكن هناك توجيهٌ فنِّي مباشرٌ، لكنني لمستُ التقبُّلَ والدعم، وفي رأيي، هذا هو الأهم.
يمكنك أيضًا التعرف على الفنانة التشكيلية البصرية والباحثة في الخط العربي لولوة الحمود

رسوماتُ الطفولةِ، هل كانت تُنبِّئ بفيصل «رسَّامِ المستقبل»؟
لا أعتقدُ أنها كانت واضحةً بهذا الشكل، لكنَّها كانت تحملُ شيئاً مهماً، وهو الشغفُ بالرسمِ والاستكشاف. كنت أرسمُ دون قيودٍ، دون محاولةٍ لإرضاءِ أحدٍ، واليوم أستمرُّ في النهجِ نفسه، لكنْ بوعي أكبر.
هل تأثَّرت بفنَّانٍ ما في مسيرتك ونهجك الفنِّي؟
بالتأكيد. تأثَّرتُ بعديدٍ من الفنَّانين، من أبرزهم بابلو بيكاسو Pablo Picasso. هو ألهمني بأسلوبه الجميل، وبشجاعته أيضاً في كسرِ القواعد. لقد انبهرتُ بكيفيَّةِ تمكُّنه من إعادةِ تعريفِ الشكلِ، والوجه، والهويَّة، وهذا الأمرُ كان له أثرٌ كبيرٌ في مسيرتي.
من المُلاحظِ تأثُّرك بالمدرسةِ التكعيبيَّةِ، فالوجوه والأجسامُ تبدو هندسيَّةً وغريبةً، كيف يمكن للمتلقِّي استنباطُ المعنى، وتفكيك العلاقاتِ المتداخلةِ، والألوانِ في أعمالك؟
أنا لا أبحثُ عن فهمٍ مباشرٍ للعملِ من قِبل المتلقِّي، وإنما أسعى إلى جعله يقفُ قليلاً أمامه يتأمَّلُ، ويُكوِّن علاقتَه الخاصَّةَ به. أريدُ أن يكون التفكيكُ وإعادةُ التركيبِ جزءاً من التجربة، ثم إن كلَّ شخصٍ يرى العملَ بشكلٍ مختلفٍ، وهذا بحدِّ ذاته يُسهم في تشكيلِ فكرٍ فنِّي.

يتعدَّدُ تعريفُ السرياليَّة، من ذلك أنها «ما فوقَ الواقعي»، و«أفكارٌ من الخيالِ وخارج الصندوق»، ما فلسفتُك لهذا الفن؟
السرياليَّةُ بالنسبةِ لي مساحةٌ حرَّةٌ، ومكانٌ تلتقي فيه الحقيقةُ مع الخيال. هي طريقةٌ للوصولِ لأشياءَ لا نستطيعُ الحديثَ عنها بشكلٍ مباشرٍ. أستخدمها بوصفها طبقةً إضافيَّةً، تُعمِّق الفنَّ وتُميِّزه عن غيره.
يُقال إن السرياليَّةَ رحلةٌ عميقةٌ إلى النفسِ البشريَّة، ما معالمُ عالمك الداخلي الذي ترغبُ في جعلِ جمهورك يراه عبر فنِّك؟
عالمي الداخلي مليء بالفنِّ بأساليبَ وألوانٍ مختلفةٍ، تجذبُ المتلقِّي، وتمنحه متعةً ومساحةً للتأمُّل.
كلُّ تجربةٍ نعيشها تترك أثراً في أرواحنا، هل عشت تجاربَ خاصَّةً كان لها تأثيرٌ في رسوماتك؟
عادةً ما يُركِّز فنِّي على تصويرِ مشهدٍ معيَّنٍ، لكنْ نادراً ما يكون له علاقةٌ بتجاربي الشخصيَّة. الهدفُ من فنِّي إبرازُ أعمالٍ جماليَّةٍ أكثر من رسمِ تجربةٍ، أو سردِ قِصَّةٍ.
ومن عالم الفن التشكيلي ما رأيك بالتعرف على الفنان التشكيلي والاختصاصي التوعوي عيد الشمري

هل أنتَ مع نظريَّةِ الالتزامِ في الفنِّ، أم يجبُ على الفنَّانِ ألَّا يتقيَّد بأي شيءٍ خارجَ دائرةِ «الهوسِ الإبداعي»؟
أُفضِّل أن يعملَ الفنَّانُ دون قيودٍ، فهو بذلك يستطيعُ تقديمَ أعمالٍ إبداعيَّةٍ، تُثري مسيرته الفنيَّة.
ماذا عن «الفنِّ الرقمي»، هل أنتَ من مؤيِّديه، ثم كيف تتصوَّرُ آفاقَ المشهدِ الفنِّي في المستقبلِ في ظلِّ هيمنةِ التكنولوجيا؟
أنا مع أي وسيلةٍ تخدمُ الفكرة. من المؤكَّدِ أن الفنَّ الرقمي أداةٌ قويَّةٌ، لكنْ من المستحيلِ أن يحلَّ محل الإحساسِ الموجودِ في العملِ اليدوي. أعتقدُ أن المستقبلَ سيكون مزيجاً بين التقنيَّاتِ المتقدِّمة، والروحِ الإنسانيَّة، وهنا يكمنُ التحدِّي الحقيقي في كيفيَّةِ الحفاظِ على التميُّزِ، والفنِّ، والإلهامِ وسطَ كلِّ هذا التطوُّر.
الفنُّ رحلةُ تعلُّمٍ مستمرِّةٌ، عليه، هل تتقبَّلُ النقد؟
أتقبَّلُ النقدَ بمبدأ أن الناسَ أذواقٌ، ولكلِّ نوعٍ من الفنِّ جمهورٌ مختلفٌ.

ما أهمُّ المعارضِ المحليَّةِ والدوليَّةِ التي شاركت فيها؟
معرضي الشخصي بالمشاركةِ مع ريتشارد ميل، وشراكتي مع الصندوقِ الثقافي في تصميمِ أوراقِ لعبٍ خاصَّةٍ، وأخيراً مشاركتي مع القدية في مركزِ القدية للفنون الأدائيَّةِ بأوَّلِ لوحةٍ تُعرَض في المعرضِ خلال افتتاحه.
الأحلامُ الجميلةُ، هي التي تستحقُّ شرفَ محاولاتنا لتحقيقها، ماذا تحملُ أجندتكم من أحلامٍ ومشروعاتٍ؟
أحلمُ ببناءِ عالمٍ فنِّي متكاملٍ، وليس فقط إبداعَ لوحاتٍ. أريدُ خوضَ تجاربَ فريدةٍ، وتقديمَ أفكارٍ لها أبعادٌ مختلفةٌ.
أخيراً، كلمةٌ لمحبِّي الفنِّ التشكيلي بمناسبةِ «اليوم الدولي للفن»؟
رسالتي لكلِّ محبٍّ للفنِّ: عليك بممارسةِ الفنِّ، واستكشافِ جميع أنواعه وأساليبه، ودون قيودٍ، أو تفكيرٍ بالدارجِ بين الناس، فالهدفُ من الفنِّ، هو إرضاءُ نفسك أولاً قبل الآخرين.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


Google News