يحظى جيل ألفا (المولودون منذ عام 2010) باهتمام الخبراء، لأنهم يشكلون المستقبل، كما أن هذا الجيل يحمل مفاتيح التغيير، لذلك يجب الانتباه لسلوكه وتأثيراته على الحياة الاجتماعية.
ورغم أنه الجيل الأصغر، غير أنه يسعى للتوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية. ولفهم هذه المعادلة، التقت "سيدتي" مع المدربة علا الشعبي، استشارية نفسية ومعالجة سلوكية معتمدة من الجمعية النفسية الأسترالية، والتي قالت في مستهل حديثها إن "الإجابة على هذا السؤال تحتاج لسؤال آخر وهو: هل تعتقدون أن جيل ألفا يميل لاستعادة توازنه بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية فعلاً ؟ أم أنهم أصلاً لا يعرفون شكلاً آخر للحياة بدون التكنولوجيا الرقمية؟. لاسيما وأنهم الجيل الأول الذي ولد بالكامل داخل هذا العالم الرقمي ولم يعيشوا من دون هواتف ذكية أو إنترنت".
إعداد: إيمان محمد
مخاطر العالم الرقمي على جيل ألفا
وحددت الاستشارية النفسية عدداً من المخاطر التي تحيط بجيل ألفا بسبب التأرجح بين العالم الرقمي والواقعي، وهو ما يجعلهم بحاجة للتوازن.

الضياع النفسي
تقول الشعبي "دعونا نوضح أن هذا الجيل لا يعيش حياتين منفصلتين كما قد يعتقد أغلب الآباء والمربين، بل مايعيشه فعلاً هو تداخل مستمر بين هذين العالمين ( الرقمي والواقعي )، وبرأيي كأم وكمعالجة نفسية أنه هنا تحديداً يظهر الخطر، خطر التشتت، وخطر الضياع النفسي والسلوكي.
وهناك تقارير نشرت عبر UNICEF و OECD تشير إلى أن أبناء جيل ألفا يحصلون على فوائد حقيقية من البيئة الرقمية.
مثل:
- التعلم السريع.
- تطوير المهارات التقنية.
- الوصول للمعلومات.
لكن بالمقابل، هناك مخاطر تتزايد عالمياً مثل:
- ضعف التركيز.
- اضطرابات النوم.
- العزلة الاجتماعية.
- تراجع النشاط البدني.
- والإدمان الرقمي.
والأخيرة أخطرها لأنها قد تصل إلى تعطيل حياة المراهق كلياً.
الإدمان الرقمي
وأيضاً بحسب تقرير نشرته OECD لعام 2025، فإن 98% من المراهقين بعمر 15 سنة يملكون هواتف ذكية متصلة بالإنترنت، وأكثر من نصفهم يقضون 30 ساعة أسبوعياً أو أكثر على الأجهزة الرقمية، بينما يقضي قسم كبير منهم أكثر من ساعتين يومياً على الشاشات لأغراض الترفيه فقط، متجاوزين الحدود الصحية الموصى بها عالمياً. كما أن 95% من المراهقين يستخدمون الشبكات الاجتماعية بشكل أسبوعي.
وهنا ترى كوتش علا أن المشكلة ليست فقط بعدد الساعات الذي يقضيه الطفل أو المراهق أمام الشاشات، بل بنوع المحتوى الذي يتعرض له والنشاط الذي يطبقه على هذه الشاشات، وبطريقة تأثير البيئة الرقمية على أدمغتهم التي لاتزال في طور النمو، وتقول "حيث إن دماغ الطفل والمراهق لايزال في مرحلة التشكل وخاصة القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal cortex التي تكون غير مكتملة النمو في هذه المراحل المبكرة من العمر، وهي المنطقة المسؤولة عن التركيز، ضبط الانفعالات، التخطيط وتأخير الإشباع".
وتوضح "فعندما يتعرض الطفل أو المراهق يومياً لتحفيز سريع ومستمر مثل الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التنقل السريع بين التطبيقات وللمكافآت الفورية عندها يبدأ الدماغ بالتكيّف مع هذا النمط السريع من الإثارة والتفاعل اللحظي ما يؤدي إلى انخفاض القدرة على التركيز الطويل والانتباه العميق في الدراسة وغيرها من مهام الحياة الواقعية".
الازدواج الإدراكي
من ناحية أخرى توضح الاستشارية النفسية الجانب النفسي الذي يتعرض له جيل ألفا بسبب فرط استهلاك الأدوات الرقمية، وتقول: "يفسر المختصون هذه الظاهرة بما يُعرف بـ "الازدواج الإدراكي". وتشرح " ففي الحياة الواقعية تحتاج العلاقات الإنسانية إلى صبر، تعبير عاطفي حقيقي، واحتمال للرفض أو الإحراج، بينما يمنح العالم الرقمي الطفل قدرة على تعديل صورته، حذف أخطائه، واختيار الطريقة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين، كما أن مهام الحياة الواقعية تحتاج للجهد وللاستمرارية والصبر، لذلك قد يبدأ الواقع الحقيقي بالظهور على أنه أبطأ وأثقل وأقل إثارة من العالم الرقمي.
تشتت الهوية
تشير دراسات حديثة أجريت على هذا الجيل إلى أن هويتهم النفسية والاجتماعية أصبحت تتشكل جزئياً عبر العالم الرقمي، مع تأثير واضح على تقدير الذات والذكاء العاطفي والعلاقات الاجتماعية.
وهنا تظهر عدة مشكلات يلاحظها الأهالي والمعلمون في مدارس كثيرة حول العالم منها:
- ضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة كما ذكرنا.
- حساسية مرتفعة تجاه النقد أو الرفض.
- صعوبة تنظيم المشاعر من دون اللجوء للشاشات.
- تراجع التواصل الواقعي رغم كثرة التواصل الرقمي.
- اعتماد أكبر على التحفيز السريع والمتعة الفورية.
علم الأعصاب يربط ذلك أيضاً بالدوبامين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالمكافأة والتحفيز. فالمنصات الرقمية تعتمد على نظام المكافآت المتغيرة، أي أن الطفل لا يعرف متى سيحصل على فيديو ممتع أو إشعار أو إعجاب جديد، ما يدفع الدماغ للعودة المتكررة للهاتف بطريقة تشبه بعض أنماط الإدمان السلوكي.

الفارق بين جيل ألفا عالمياً وعربياً
E safety Commissioner في أستراليا أظهرت سابقاً بيانات (هيئة الأمان الرقمي الأسترالية) أن المراهقين الأستراليين يقضون معدل 14.4 ساعة أسبوعياً على الإنترنت، وأن معظمهم يستخدم عدة منصات يومياً، كما عبر المجتمع الأسترالي بشكل متزايد عن قلقه من اعتماد الأطفال العاطفي على السوشال ميديا، ما جعل الحكومة الأسترالية تقوم بتطبيق قانون لمنع من هم دون 16 عاماً من إنشاء الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أو الاحتفاظ بها، مع فرض غرامات تصل لـ 49.5 مليون دولار أسترالي للشركات غير الملتزمة وكان ذلك في العاشر من ديسمبر للعام الماضي 2025.
أما في الدول العربية، فالوضع مختلف جزئياً. فرغم أن البنية الرقمية تطورت بسرعة كبيرة، إلا أن كثيراً من الأسر والمدارس ما زالت تعيش صراعاً بين التربية التقليدية والحياة الرقمية الحديثة.
تقاريرUNICEF الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشير إلى أن الأطفال العرب أصبحوا أكثر اتصالاً بالعالم الرقمي من أي وقت مضى، لكن الدراسات حول التأثير النفسي والاجتماعي لا تزال أقل من المطلوب.
كثير من الأهالي العرب يعبّرون عن خوفهم من ضياع الهوية، ضعف الروابط العائلية، والتأثر السريع بالمحتوى العالمي، بينما يشكو المدرسون من تراجع الصبر الدراسي والاعتماد المتزايد على المحتوى السريع بدل القراءة العميقة والتحليل.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن التكنولوجيا دمرت جيل ألفا بالكامل. فالتقارير العالمية تؤكد أن التأثير ليس متساوياً عند جميع الأطفال وأن العامل الحاسم هو طريقة الاستخدام، ووجود رقابة وتوجيه من الأهل، والتوازن بين الحياة الواقعية والرقمية، كما أنّ الأطفال الذين يملكون دعماً عائلياً ونشاطاً اجتماعياً حقيقياً، وحدوداً واضحة للشاشات، يظهرون قدرة أفضل على الاستفادة من التكنولوجيا من دون الوقوع في التشتت أو العزلة.
لذلك ترى كوتش علا الشعبي أن التحدي الحقيقي ليس منع التكنولوجيا، بل تعليم جيل ألفا كيف يعيش داخل العالم الرقمي من دون أن يفقد قدرته على التواصل الواقعي، التركيز، وبناء هوية نفسية مستقرة.

Google News