mena-gmtdmp

التاريخ الكامل لمشاركات السعودية في المونديال.. من الحلم الأول إلى طموحات 2026

احتفال المنتخب السعودي بعد انتصاره التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر 2002 (مصدر الصور: الموقع الرسمي للفيفا)
احتفال المنتخب السعودي بعد انتصاره التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر 2002 (مصدر الصور: الموقع الرسمي للفيفا)

تُمثل رحلة المنتخب السعودي الأول لكرة القدم في نهائيات كأس العالم سردية رياضية تتجاوز مجرد الحضور الشرفي، لتنسج قصة شغف أمة بأكملها بكرة القدم، وتعكس التطور المذهل للرياضة في المملكة العربية السعودية. منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدام "الصقور الخضر" ملاعب الولايات المتحدة الأمريكية في صيف عام 1994، أدرك العالم أجمع أن هناك قوة كروية جديدة تنبثق من قلب الشرق الأوسط لتفرض احترامها وندية أدائها على الساحة الدولية العريضة.

لم تكن تلك الرحلة مفروشة بالورود دائماً؛ بل تخللتها انتصارات مدوية نُقشت بحروف من ذهب في ذاكرة التاريخ الرياضي، وانكسارات شكلت دروساً حيوية في مسيرة النضج الكروي، وصولاً إلى الاستعدادات المكثفة لخوض غمار النسخة السابعة تاريخياً في مونديال 2026.

ومع اقتراب كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك كأول نسخة تشهد مشاركة 48 منتخباً، يقف "الأخضر" على أعتاب حقبة جديدة محملة بطموحات المستقبل الواعد.

المنتخب السعودي لكرة القدم المشارك في مونديال 2026 (مصدر الصور: الموقع الرسمي للإتحاد السعودي لكرة القدم)

البدايات والتأسيس: تشكيل الهوية قبل معانقة العالمية

لفهم حجم الإنجاز المونديالي، يجب العودة إلى الجذور التأسيسية للمنتخب السعودي لكرة القدم، والذي يخضع لإشراف الاتحاد السعودي منذ تأسيسه الرسمي في 9 يونيو من عام 1956م. في العام ذاته، انضمت المملكة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، لتبدأ رحلة بناء هوية كروية متخذة من اللونين الأخضر والأبيض المتمثلين في العلم الوطني شعاراً يُعرف به "الصقور الخضر".

ورغم السيطرة الإقليمية والقارية التي فرضها المنتخب خلال حقبة الثمانينيات بتتويجه بكأس أمم آسيا عامي 1984 و1988، إلا أن الحلم المونديالي ظل عصياً في التصفيات، لتتأجل فرحة بلوغ المحفل العالمي الأكبر إلى صيف 1994، حيث تحولت الدموع إلى أفراح عارمة.

مونديال أمريكا 1994: الجيل الذهبي

كانت المشاركة الأولى للمنتخب السعودي في كأس العالم 1994 إنجازاً كروياً لفت أنظار العالم بأسره، بعد تصفيات ماراثونية انتهت بفوز كبير حسم التأهل التاريخي الأول، دخل الأخضر مونديال الولايات المتحدة متسلحاً بجيل ذهبي أسطوري، ووقعت السعودية في مجموعة ضمت هولندا، بلجيكا، والمغرب.

مباريات صنعت التاريخ

في المباراة الافتتاحية أمام هولندا العريقة، ارتقى القائد فؤاد أنور ليسجل برأسه الهدف الأول في تاريخ المشاركات السعودية في المونديال. ورغم الخسارة 1-2، إلا أن تلك المواجهة كسرت الحاجز النفسي. وجاءت المباراة الثانية لتشهد أول انتصار سعودي بالفوز على المغرب 2-1 بتوقيع سامي الجابر وفؤاد أنور.

هدف مارادونا العرب سعيد العويران

أما المواجهة الثالثة أمام بلجيكا، فقد خُلدت في أرشيف الفيفا. في الدقيقة الخامسة، انطلق النجم سعيد العويران من منتصف الملعب متقمصاً شخصية الأسطورة دييغو مارادونا، ليراوغ المدافعين ويسكن الكرة في الشباك، في هدف صُنف كأحد أجمل الأهداف في تاريخ كؤوس العالم. منح هذا الهدف السعودية الفوز 1-0، وحسم تأهلها المباشر إلى دور الـ16 في إنجاز مذهل لمنتخب عربي وآسيوي.

ورغم الخسارة لاحقاً في دور الـ16 أمام السويد 1-3 بهدف فهد الغشيان، إلا أن المغامرة المونديالية الأولى خلقت إرثاً جماهيرياً أصبح معياراً صارماً تقاس عليه كل المشاركات اللاحقة.

من فرنسا 1998 إلى ألمانيا 2006: دروس قاسية وتجارب النضج

خلق إنجاز 1994 سقفاً هائلاً من التوقعات التي ألقت بظلالها على الأجيال اللاحقة. في مونديال فرنسا 1998، وقع الأخضر في مجموعة صعبة، وخرج من دور المجموعات بعد خسارتين أمام الدنمارك وفرنسا، وتعادل مثير 2-2 مع جنوب أفريقيا شهد تألق يوسف الثنيان وسامي الجابر.

بعثة المنتخب السعودي المشاركة في مونديال فرنسا 1998 (مصدر الصورة: Photo by KHALED AL-SAYYED / AFP)

أما نسخة كوريا واليابان 2002، فتعد الأصعب رقمياً وتكتيكياً. تلقى الأخضر صدمة قاسية بخسارته الافتتاحية أمام ألمانيا 0-8، تلتها هزائم أمام الكاميرون وأيرلندا، ليخرج من البطولة من دون إحراز أي هدف. شكلت هذه البطولة جرس إنذار حقيقي لمراجعة أساليب البناء البدني والاحتراف.

تعافت الكرة السعودية تدريجياً لتصل إلى مونديال ألمانيا 2006. افتتح الأخضر مشواره بمواجهة عربية ممتعة أمام تونس انتهت بالتعادل 2-2 بهدفي ياسر القحطاني وسامي الجابر. دخول سامي الجابر وتسجيله جعله يدخل تاريخ الفيفا كأول لاعب سعودي وعربي يسجل في ثلاث نسخ مختلفة من كأس العالم. ورغم الأداء الجيد، غادر المنتخب من دور المجموعات بعد خسارتين أمام أوكرانيا وإسبانيا، لتدخل الكرة السعودية بعدها في مرحلة غياب استمرت 12 عاماً.

العودة المونديالية: من روسيا 2018 إلى زلزال لوسيل 2022

عاد الأخضر للواجهة في مونديال روسيا 2018. ورغم البداية الصادمة بالخسارة أمام روسيا 0-5، أظهر الفريق تماسكاً ذهنياً وقدم أداءً بطولياً أمام الأوروغواي (خسر 0-1)، قبل أن ينتفض ويحقق فوزه المونديالي الأول منذ 1994 بتغلبه على مصر 2-1 بهدفي سلمان الفرج وسالم الدوسري.

مونديال قطر 2022

فقد عاشت الجماهير السعودية ذروة الجرأة الكروية تحت قيادة المدرب الفرنسي هيرفي رينارد. أوقعت القرعة السعودية في مواجهة الأرجنتين المدججة بالنجوم بقيادة ليونيل ميسي.

في 22 نوفمبر 2022، وبعد تقدم الأرجنتين بهدف في الشوط الأول، قدم رينارد في غرف الملابس واحدة من أكثر الخطب التحفيزية أسطورية في تاريخ كؤوس العالم. صرخ في وجه لاعبيه قائلاً: "هل جئتم إلى هنا لتلتقطوا الصور التذكارية مع ميسي؟ 35 مليون مواطن سعودي يدعون لكم، هل تتخيلون أن نحني رؤوسنا؟".

نزلت التشكيلة السعودية إلى الشوط الثاني بعزيمة قوية؛ وفي غضون خمس دقائق مجنونة، سجل صالح الشهري هدف التعادل، قبل أن يطلق سالم الدوسري قذيفة صاروخية سكنت الشباك معلنة فوز السعودية 2-1 في مباراة حبست أنفاس العالم.

ورغم خروج الأخضر لاحقاً بعد الخسارة من بولندا والمكسيك، إلا أن هذا الانتصار كسر عُقدة الخوف من كبار العالم.

الطريق إلى مونديال أمريكا 2026: حقبة "دونيس" والاحتراف الخارجي

شهدت التصفيات المؤهلة لمونديال 2026 تقلبات دراماتيكية؛ حيث نجح المدرب هيرفي رينارد في قيادة المنتخب للتأهل الرسمي كمتصدر لمجموعته في الملحق الآسيوي بعد تعادل سلبي حاسم مع العراق. إلا أن تراجع النتائج في المباريات الودية أدى إلى إقالة رينارد في 17 أبريل 2026.

نجح المدرب هيرفي رينارد في قيادة المنتخب للتأهل الرسمي لمونديال 2026 (مصدر الصورة: Photo by ABDEL GHANI BASHIR / AFP)

في قرار استراتيجي سريع، أعلن الاتحاد السعودي تعيين المدرب اليوناني القدير جورجيوس دونيس لقيادة المنتخب بعقد يمتد حتى يوليو 2027. يمتلك دونيس خبرة عميقة بالكرة السعودية، مما جعله الخيار الأمثل.

تعتمد تشكيلة المنتخب اليوم على مزيج من الخبرة والشباب، مستفيدة بشكل كبير من مشروع الاستقطاب في الدوري السعودي الذي رفع من رتم اللاعبين، إلى جانب الانفتاح على الاحتراف الخارجي كما هو الحال مع الظهير الطائر سعود عبدالحميد الذي يقدم مستويات استثنائية في الملاعب الأوروبية.

التحدي الكبير في المجموعة الثامنة

البعثة الرسمية للمنتخب الوطني المشاركة في كأس العالم FIFA 2026™( مصدر الصورة حساب المنتخب السعودي على منصة إكس)

أسفرت قرعة مونديال 2026، الذي يقام بـ 48 منتخباً للمرة الأولى، عن وقوع المنتخب السعودي في المجموعة الثامنة (Group H) المعقدة تكتيكياً.

يستهل الأخضر مشواره باختبار لاتيني بالغ القسوة أمام منتخب الأوروغواي يوم 15 يونيو 2026 في ملعب ميامي بولاية فلوريدا. بعدها، ينتقل لمواجهة بطل العالم 2010، المنتخب الإسباني، يوم 21 يونيو 2026 في ملعب أتلانتا بولاية جورجيا. أما المباراة الختامية لدور المجموعات، فستجمع الأخضر بـ منتخب الرأس الأخضر (كاب فيردي) يوم 27 يونيو 2026 في ملعب هيوستن بولاية تكساس.

طموح "التورنيدو" نحو زعامة الهدافين

لعب المنتخب السعودي عبر تاريخه 19 مباراة مونديالية، محققاً 4 انتصارات وتعادلين، ومسجلاً 14 هدفاً. ولكن الأنظار في مونديال 2026 ستتجه نحو الأرقام الفردية التاريخية.

يتقاسم الساحر سالم الدوسري والأسطورة سامي الجابر لقب الهداف التاريخي للمنتخب السعودي في كؤوس العالم برصيد 3 أهداف لكل منهما. المثير للاهتمام أن الدوسري يتقاسم أيضاً صدارة الهدافين التاريخيين للمنتخبات العربية في المونديال مع النجم التونسي وهبي الخزري بنفس الرصيد (3 أهداف). ومع دخوله مونديال 2026، يحتاج "التورنيدو" لهدف واحد فقط ليفك الشراكة وينفرد بلقب الهداف التاريخي المطلق للكرة العربية والسعودية في أعرق بطولة رياضية على وجه الأرض.

ختاماً طموح يعانق السماء

تعد علاقة المنتخب السعودي بكأس العالم قصة كفاح لوطن يرى في المستطيل الأخضر انعكاساً لإرادته وتطوره السريع.

اليوم، وبينما تستعد الملاعب الأمريكية لاستقبال "الصقور الخضراء"، لم يعد الطموح مقتصراً على تقديم أداء مشرف، بل تحول إلى رغبة جادة بفرض الهوية الكروية السعودية الحديثة لكسر حاجز دور المجموعات، وصناعة معجزات كروية جديدة تُروى للأجيال القادمة.

تابعوا المزيد من مواد سيدتي الرياضية: جورجينا رودريغيز تدعم كريستيانو رونالدو في ديربي الرياض.. أناقة بـ"كوفية النصر" وتعادل يؤجل الحسم