mena-gmtdmp

عزت أبو عوف.. استثناء فني لا يتكرر رغم مرور 7 سنوات على رحيله

عزت أبو عوف- صورة أرشيفية
عزت أبو عوف- صورة أرشيفية
تمر اليوم الذكرى السنوية لرحيل الفنان عزت أبو عوف، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2019، ليفتح باب التأمل مجدداً في إرث فني لا يزال محتاجاً إلى قراءة مختلفة، بعيداً عن هذه القراءة التي حصرته في أدوار "الشخصية الأرستقراطية" أو في كونه "الطبيب الذي هجر الطب".
إعداد- آية الزيني

عزت أبو عوف مهندساً لثقافة بصرية وموسيقية متكاملة

الفنان عزت أبو عوف، الذي ارتبط اسمه بالأناقة وحضور الشخصية الأرستقراطية، كان في حقيقة الأمر أحد أكثر العقول كسراً للسكون الفني في مصر، وصانعاً لتغييرات جذرية ما زالت أصداؤها تخترق المشهد الثقافي حتى اليوم.
لم يكن عزت أبو عوف مجرد ممثل بارع يؤدي أدواره بإتقان، بل كان مهندساً لثقافة بصرية وموسيقية متكاملة، جمع بين حساسية الموسيقار، وعين المكتشف للمواهب، وجسارة المدير القادر على قيادة سفينة ثقافية عملاقة في أخطر الظروف.
ففي الوقت الذي كان الكثيرون يكتفون فيه بتأدية الأدوار، كان عزت أبو عوف يكتب فصلاً جديداً في تاريخ الأغنية المصرية، ويكتشف أصواتاً ستحدد ملامح الغناء لعقود، ويُسهم في ترسيخ أهمية مهرجان القاهرة السينمائي.

فرقة الـ"4M" وإعادة تشكيل الذوق الغنائي

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً في لحظة كانت فيها الأغنية المصرية تبحث عن متنفس جديد من قوالبها التقليدية، أقدم عزت أبو عوف على خطوة جريئة لم تكن أقل من تمرد كامل على الشكل الكلاسيكي للغناء، وتمرد موازي على مهنته الأصلية كطبيب. فبدلاً من الاقتصار على غناء القصائد والمواويل بالطريقة المعهودة، أسس فرقة الـ"4M" بمشاركة شقيقاته، ليقدم تجربة فريدة مزجت بين التراث الغنائي الأصيل، مع توزيعات موسيقية غربية حداثية اعتمدت على آلات لم تألفها آذان المستمع العربي في ذلك الوقت.

كانت هذه التجربة بمثابة إحياء لموروث موسيقي عريق، مع كسر لجمود التخت الشرقي الذي هيمن لعقود، وفتح الباب أمام المسرح الغنائي الاستعراضي الحركي الذي خاطب الشباب بلغتهم الموسيقية الجديدة. هذا التحول الموسيقي لم يمر مرور الكرام، إذ وضعت فرقة الـ"4M" بصمة خاصة في المشهد الغنائي، وأسست لمرحلة من التجديد لم تشهدها الساحة الفنية من قبل.

مساهمة عزت أبو عوف في المسار الفني لمحمد فؤاد وتامر حسني

إلى جانب دوره كمؤسس فرقة غنائية، امتلك عزت أبو عوف موهبة فريدة في استكشاف المواهب الصاعدة التي غيرت مستقبلها بالكامل. من أبرز هذه المحطات اكتشافه للفنان محمد فؤاد، والذي جاء بطريقة عفوية أشبه بمشاهد السينما، ففي عام 1982، وخلال وجود فؤاد بنادي "الصيد" الرياضي لمشاهدة فرقة الـ"4M" بقيادة الفنان الراحل عزت أبو عوف، وبعد انتهاء الحفل، كان محمد فؤاد وأحد أصدقائه يهمّان بمغادرة النادي، وإذا بعزت أبو عوف يتوقف بسيارته ليسألهما عن بوابة الخروج من النادي، فما كان من أحد أصدقاء محمد فؤاد إلا أن قال لعزت أبو عوف: "أنا صحبي صوته حلو أوي يا دكتور، ياريت تسمعه".
وأعطاه الفنان عزت أبو عوف رقمه، وبالفعل انضم محمد فؤاد لفرقة الـ"4M"، وقدّموا معاً أغاني مثل "سلطان زماني" و"متغربين"، قبل أن ينفصل عنهم عام 1983 ويقدم أول ألبوماته المنفردة "في السكة"، الذي نجح لحداثة لونه الغنائي على آذان المصريين.
وذلك ما أكده الفنانان محمد فؤاد والراحل عزت أبو عوف في أكثر من لقاء تلفزيوني، وهو ما قدمه الثنائي أيضاً في فيلم "إسماعيلية رايح جاي" الذي عُرض عام 1997، ويُعد علامة فارقة في حياة محمد فؤاد، وفي تاريخ السينما المصرية بأكملها.

لم تقتصر نظرة عزت أبو عوف الثاقبة على الغناء فقط، بل امتدت إلى السينما، حيث كان من أوائل المؤمنين بقدرات الفنان تامر حسني التمثيلية، فشارك بقوة في دعمه في مجال التمثيل وشارك معه في سلسلة أفلام "عمر وسلمى"، معتبراً أن تامر حسني يمثل امتداداً لجيل جديد قادر على حمل راية السينما التجارية بذكاء وحضور جماهيري، وتأكدت رؤيته مع النجاح الكبير الذي حققه تامر في هذه الأعمال.
يمكنك قراءة.. في ذكرى ميلاده.. محطات في حياة عزت أبو عوف ترك الطب وشجع شقيقاته على دخول مجال الفن

الموسيقى التصويرية وفلسفة عزت أبو عوف الخاصة

بينما يتذكر الجمهور عزت أبو عوف من خلال أعماله التمثيلية، مثل مسلسل "هوانم جاردن سيتي" وفيلم "طيور الظلام"، فإن جزءاً كبيراً من إبداعه بقي مخفياً خلف الكواليس، متمثلاً في دوره كمؤلف ومبتكر للموسيقى التصويرية. فقد كان موسيقاراً حقيقياً درس الموسيقى الغربية وتذوق الشرقية، وترك بصمته الصوتية على العديد من الأعمال التي لا تخلو منها ذاكرة المشاهد.
فعلى سبيل المثال، الأجواء العاطفية في فيلم "في الصيف الحب جنون"، والإيقاعات الكوميدية الفريدة في مسلسل "حكاية ميزو"، كلها من صنع يديه، لكنها تمر كعبقري صامت لا يحظى بالذكر الذي يستحقه، رغم أنها جزء لا يتجزأ من نجاح هذه الأعمال.

محطات في مسيرة عزت أبو عوف بين الدراما والكوميديا

لم يكن عزت أبو عوف فنانًا تقليديًا، بل كان نموذجًا نادرًا للنجومية التي عملت بصمت وعنفوان لتشكيل وجدان جمهوره؛ فمنذ أن بدأ مشواره التمثيلي غير المتوقع عام 1992 في فيلم "آيس كريم في جليم" محققًا نجاحًا لافتًا بشخصية رجل الأعمال الثري "أدهم السلحدار" أمام الهضبة عمرو دياب، انطلقت مسيرته لتقدم ما يقرب من 200 عمل فني تنوعت بعبقرية بين الدراما المعقدة مثل "طيور الظلام" ومسلسل "عباس الأبيض في اليوم الأسود"، وبين الكوميديا الراقية في أفلام مثل "مطب صناعي" وسلسلة "عمر وسلمى".

قيادة مهرجان القاهرة السينمائي

بعيداً عن الموسيقى والتمثيل، حمل عزت أبو عوف على عاتقه مسؤولية ثقافية كبرى، حين تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. لم تكن هذه المهمة شرفية بقدر ما كانت اختباراً حقيقياً لقدراته الإدارية والتفاوضية، إذ قاد المهرجان في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً حيث حافظ على تصنيفه الدولي كأحد أهم المهرجانات من الفئة الأولى، مؤمناً بأن هذا المهرجان ليس مجرد حدث سينمائي.

الرحيل وأرث فني متعدد الأوجه


وفي الأول من يوليو عام 2019، غيب الموت النجم القدير عزت أبو عوف عن عمر يناهز السبعين عامًا، بعد صراع مرير مع المرض الذي تسلل إلى جسده مستنزفًا روحه عقب حزنه الشديد على رحيل زوجته ورفيقة دربه "فاطيما". ليرحل بجسده تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًا وفنيًا متعدد الأوجه ما زال ينبض بالحياة، ويقدم درسًا خالدًا لكل صناع الفن؛ مفاده أن قيمة الفنان الحقيقية لا تُقاس أبدًا بمساحة الدور أمام الكاميرا، بل بحجم الأثر والتأثير الذي يتركه في القلوب والعقول بعد أن تنطفئ الأضواء وتصمت الشاشات.
قد يعجبك.. فنانون بدرجة طبيب: نجوم تركوا العيادة من أجل الكاميرا
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوجراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»