الموضةُ ليست أقمشةً وألواناً، تُنسَّق بعنايةٍ فحسب، إنها خطابٌ نفسي متكاملٌ، يسبقُ الكلمات، ويُشكِّل الانطباعَ الأول لدى الآخرين. وفي قلبِ هذا الخطاب، يقفُ الكعبُ العالي بوصفه واحداً من أكثر الرموزِ حضوراً في عالمِ الأناقة. إنه يتعدَّى كونه تفصيلاً جمالياً عابراً إلى عنصرٍ، يحملُ أبعاداً نفسيَّةً واجتماعيَّةً وثقافيَّةً عميقةً، تعكسُ صورةَ المرأةِ عن نفسها، كما تُؤثِّر في نظرةِ المجتمعِ لها، حسبما تُؤكِّد لـ«سيدتي» كريستينا نخلة، المعالجةُ النفسيَّة.
لغة الجسد.. حين يصنع الحذاء شعوراً داخلياً
في علمِ النفس، يبرزُ مفهومُ «الإدراك المتجسِّد» Embodied Cognition، وهو يُفيد بأن وضعيَّةَ الجسدِ لا تعكسُ الحالةَ النفسيَّةَ فقط، بل وتُسهم أيضاً في تشكيلها. هذا نجده عند ارتداءِ الكعبِ العالي، إذ يتغيَّرُ شكلُ الوقوفِ والمشي: يستقيمُ الظهر، وترتفعُ الكتفان، وتتوازنُ الخطوات، ويُصبح الإيقاعُ أكثر ثباتاً. ويُرسِل هذا التغييرُ الفيزيائي إشاراتٍ مباشرةً إلى الدماغ، تُعزِّز الشعورَ بالثقةِ والقوَّة، وهنا لا تبدو المرأةُ أكثر ثقةً فقط، بل وتشعرُ أيضاً بذلك فعلياً، وكأنَّ الجسدَ يتولَّى مهمَّةَ إقناعِ العقل بامتلاك حضورٍ أقوى، كما تُؤكِّد نخلة في بدايةِ حديثها.
وتتابعُ المعالجةُ النفسيَّةُ الفكرة: «تُظهِرُ دراساتٌ عدة في علمِ النفسِ الاجتماعي، أن الطولَ يرتبطُ في اللاوعي الجمعي بمفاهيمِ القوَّةِ، والقيادةِ، والهيبة. الأشخاصُ الأطولُ قامةً غالباً ما يُنظَر إليهم بأنهم أكثر سلطةً وتأثيراً سواء في بيئةِ العمل، أو في التفاعلاتِ الاجتماعيَّة، لذا يلعبُ الكعبُ العالي دوراً رمزياً واضحاً هنا، فهو يمنحُ زيادةً في الطول، ما ينعكسُ إيجاباً على الإدراك الاجتماعي، فالمرأةُ التي ترتديه قد يُنظَر إليها بأنها أكثر حزماً، وحضوراً، وقدرةً على اتِّخاذِ القرار». وتضيفُ: «هذه الصورةُ لا تتعلَّقُ بالمظهرِ فقط، بل وتتقاطعُ كذلك مع آليَّاتٍ إدراكيَّةٍ متجذِّرةٍ في الثقافة، ومن هنا يمكن القولُ إن الطولَ والسُّلطة معادلةٌ نفسيَّةٌ قديمةٌ».
صورة الذات.. حين يلتقي الداخل بالخارج
من أهمِّ المفاهيمِ النفسيَّةِ المرتبطةِ بالموضة «مفهوم الذات» Self-Concept، أي الصورةُ الذهنيَّةُ التي يحملها الفردُ عن نفسه، وعندما يتطابقُ المظهرُ الخارجي مع هذه الصورةِ الداخليَّة، يتحقَّقُ نوعٌ من التوازنِ النفسي. تستطردُ نخلة: «الكعبُ العالي بالنسبةِ إلى كثيرٍ من النساء، ليس مجرَّد حذاءٍ، إنه انعكاسٌ لصورةِ أنوثةٍ، يرغبن في التعبيرِ عنها. عندما تشعرُ المرأةُ بأن مظهرها يعكسُ هويَّتها الحقيقيَّة، يتعزَّزُ شعورها بالانسجامِ الداخلي، وهذا التطابقُ بين صورةِ الذات، والصورةِ المعروضة، يرفعُ مستوى الثقة، ويُقلِّل التوتُّرَ الاجتماعي».
إدارة الانطباع.. الرسالة الصامتة
في الحياةِ اليوميَّة، يمارسُ الأفرادُ ما يُعرف بـ «إدارةِ الانطباع» Impression Management، أي اختيار الطريقةِ التي يُقدِّمون بها أنفسهم للآخرين. الملابسُ عموماً، والكعبُ العالي بشكلٍ خاصٍّ، تُشكِّل جزءاً أساسياً من هذه العملية. وتُوضح المعالجةُ النفسيَّة: «الكعبُ الكلاسيكي الأسود قد يعكسُ الرصانةَ والاستقرار، أمَّا الألوانُ الجريئة مثل الأحمر فتوحي بالجرأةِ، والرغبةِ في لفتِ الانتباه، بينما يُعبِّر الكعبُ الرفيعُ جداً Stiletto عن حضورٍ قوي ولافتٍ، في حين يوازنُ الكعبُ المتوسِّط بين العمليَّةِ والأناقة».
وتتابعُ: «كلُّ تفصيلٍ من الارتفاعِ إلى اللونِ والتصميم رسالةٌ غير منطوقةٍ عن المزاجِ، والدورِ الاجتماعي، وحتى عن الطموح».
تابعي أيضًا كيف تحمي نفسك من التوتر وتأثيره على صحتك؟
الأنوثة بين الرمز والثقافة

لطالما ارتبطَ الكعبُ العالي بصورةِ الأنوثةِ التقليديَّةِ في الثقافتَين الغربيَّةِ والشرقيَّةِ على حدٍّ سواء، وقد أشارت بعضُ الدراساتِ الاجتماعيَّة إلى أن المرأةَ التي ترتدي كعباً عالياً قد تحظى بتفاعلٍ اجتماعي أكبر، كما تُدرَك بأنها أكثر جاذبيَّةً، أو أنوثةً في سياقاتٍ معيَّنةٍ. وتُعلِّق على ذلك نخلة: «هذه القراءةُ لا تعني بالضرورةِ الخضوعَ لقوالبَ نمطيَّةٍ، بل تكشفُ كيف تحوَّلَ الكعبُ العالي إلى رمزٍ ثقافي متراكمِ الدلالات. هو قد يكون تعبيراً عن التزامٍ بصورةٍ أنثويَّةٍ كلاسيكيَّةٍ، أو على العكس، قد يُصبح وسيلةً لإعادةِ تعريفِ الأنوثةِ وفق رؤيةٍ معاصرةٍ».
المزاج والهوية.. اختيار يتجاوز الموضة
اختيارُ الكعبِ العالي قد يرتبطُ بالحالةِ المزاجيَّةِ اليوميَّة فهناك مَن تختاره في أيَّامٍ، تشعرُ فيها بالحاجةِ إلى دفعةٍ إضافيَّةٍ من الثقة، بينما تعدُّه أخرياتٌ جزءاً ثابتاً من هويَّتهن المهنيَّة، أو الاجتماعيَّة، كما يمكن أن يعكسَ الانتماءَ إلى بيئةٍ معيَّنةٍ. تزيدُ المعالجةُ النفسيَّة: «في بعض المجالات، يُعدُّ الكعبُ العالي جزءاً من الزي غير الرسمي المرتبطِ بالمكانةِ والمظهرِ الاحترافي، وفي أحيانٍ أخرى قد يكون ارتداؤه شكلاً من أشكالِ التمرُّد، أو إعادةِ تعريفِ الصورة التقليديَّةِ للمرأة».
بين الحرية والضغط الاجتماعي
على الرغمِ من الأبعادِ الإيجابيَّةِ للكعبِ العالي، يبقى السؤالُ مطروحاً: هل هو دائماً خيارٌ حرٌّ؟ وهنا تجيبُ نخلة: «علمُ النفسِ يشيرُ إلى أن الشعورَ الحقيقي بالقوَّةِ لا ينبعُ من الامتثالِ للضغوط، بل من الاختيارِ الواعي. عندما ترتدي المرأةُ الكعبَ العالي لأنه يعكسُ شخصيَّتها، ويمنحها شعوراً أصيلاً بالراحةِ والثقة، يتحوَّلُ وقتها إلى أداةِ تمكينٍ، أمَّا إذا كان نتيجةَ توقُّعاتٍ اجتماعيَّةٍ مفروضةٍ فقد يفقدُ معناه النفسي الإيجابي. إذاً الفارقُ يكمن في مصدرِ القرار: هل هو نابعٌ من الداخل، أم أنه استجابةٌ لإملاءاتٍ خارجيَّةٍ؟».
ذاكرة وتجربة شخصية
لا يمكن لنا، كما تُؤكِّد نخلة، إغفالُ البُعدِ العاطفي للكعب العالي، والسببُ أن كثيراً من النساءِ يربطن أوَّلَ حذاءٍ من الكعبِ العالي بذكرى معيَّنةٍ: مناسبةٌ خاصَّةٌ، أو مقابلةُ عملٍ، أو مرحلةٌ انتقاليَّةٌ في حياتهن. هذه الارتباطاتُ تمنحُ الحذاءَ قيمةً رمزيَّةً تتجاوزُ شكله. هكذا يتحوَّلُ إلى عنصرٍ من الذاكرةِ الشخصيَّة، يحملُ قصصاً، وتجاربَ، ومشاعرَ مختزنةٌ، ويُصبح جزءاً من السرديَّةِ الذاتيَّةِ لكلِّ امرأةٍ.
خلاصة: الحذاء كامتداد للذات
في نهايةِ المطاف، يكشفُ علمُ النفس أن الكعبَ العالي ليس مجرَّد تفصيلٍ جمالي عابرٍ في خزانةِ الملابس، بل هو امتدادٌ لصورةِ الذات، ورسالةٌ اجتماعيَّةٌ متكاملةٌ. إنه أداةٌ تُعبِّر عن الهويَّة، وتعكسُ المزاج، وتُؤثِّر في طريقةِ إدراك المرأةِ نفسَها، وفي نظرةِ الآخرين إليها.
الكعبُ العالي ليس قطعةَ إكسسوارٍ فقط فحين تختاره المرأةُ بحريَّةٍ، وبعيداً عن الضغوط، يُصبح أداةَ تعبيرٍ عن ثقتها، وقوَّتها، واستقلالِ قرارها. ومثل سندريلا.. ليس المهمُّ أن تجدي الحذاءَ الأجمل، بل أن تجدي الحذاءَ الذي يجعلكِ تشعرين بأنكِ في أفضلِ نسخةٍ من نفسكِ نفسياً وجسدياً في آنٍ واحدٍ. أن تختاري الحذاءَ الذي يمنحكِ شعوراً حقيقياً بالقوَّةِ والانسجام فحين يلتقي الشكلُ بالمعنى، تتحوَّلُ الخطوةُ الواحدةُ إلى إعلانٍ صامتٍ عن الثقةِ والهويَّة.
الموضةُ، بهذا المعنى، ليست سطحيَّةً كما قد يُظَن، وإنما مساحةٌ للتعبيرِ النفسي والاجتماعي. والكعبُ العالي تحديداً، يُجسِّد هذا التداخلَ بين الجسدِ والعقل، بين الفردِ والمجتمع، وبين الصورةِ الداخليَّةِ والرسالةِ الخارجيَّة.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News