mena-gmtdmp

ما قصة المَثل الشهير .. وافق شنٌّ طَبَقَة ؟

وافق شن طبقة - صورة تعبيرية
هناك الكثير من الحكايات عن ثنائيات شهيرة حيث يلتقي دهاء وموهبة الرجل بذكاء المرأة (صورة تعبيرية -المصدر: magnific)

في حياتنا اليومية، نمر بكثير من العلاقات الثنائية التي نرى فيها انسجاماً غريباً ومثالياً، سواء في الصداقة، أو العمل، أو الزواج، حتى نقول عفوياً إنهما كشخص واحد، وكما قيل قديماً "إن الطيور على أشكالها تقع" فإن العقول العظيمة تتلاقى دائماً لتصنع فارقاً، ولكن كيف يمكن لذكاء شخصين وتوافقهما الخارق أن يصنع مَثلاً عابراً للقارات والأزمان؟ إن هذا التوافق المذهل في التفكير والدهاء ليس وليد اليوم، بل خلده العرب قديماً في وجدان الثقافة والأدب عبر قصة تاريخية مدهشة، حيث تبدأ الحكاية برحلة بحث طويلة ومضنية عن "النصف الفكري الآخر" الذي يشارك المرء عمق نظرته للحياة، وهي الرحلة التي جمعت بين رجل وامرأة من أذكى رجالات ونساء العرب؛ فضربا معاً أعلى أمثلة الانسجام الفكري والروحي، لتنتهي هذه المغامرة بزيجة تاريخية مباركة اختزل الناس تفاصيلها المبهرة في ثلاث كلمات فقط، وُلدت من رحم حكايتهما لتصبح العبارة السائرة "وافق شنٌّ طَبَقَة"؛ فدعونا نبحر معاً في تفاصيل هذه القصة المشوقة ونكتشف أسرارها.

وافق شنٌّ طَبَقَة مَثل شعبي يعود للعصر الجاهلي!

يوضح لـ"سيدتي" سامي أيوب عبد العزيز -باحث في علم اللغة والدراسات السامية والشرقية- أن جذور مَثل "وافق شنٌّ طَبَقَة" تعود تاريخياً وجغرافياً إلى العصر الجاهلي "ما قبل الإسلام"، وتحديداً في قلب شبه الجزيرة العربية حيث كانت تقطن قبائل العرب القديمة..
يقول سامي: بدأت القصة عندما قرر رجل من دهاة العرب وعقلائهم يُدعى "شَن" أن يطوف القبائل بحثاً عن امرأة تماثله في الذكاء ليتزوجها، فرافقه في سفره رجل غريب وطرح عليه "شن" ثلاثة أسئلة رمزية غامضة لم يفهمها الرجل واعتبرها جهلاً؛ حيث سأله في الطريق "أتحملني أم أحملك؟" وهما راكبان، وسأله عن زرع حصد "أأُكل أم لا؟"، وعن جنازة تَمُر "أحي صاحبها أم ميت؟".
عندما وصل الرجلان إلى ديار الرجل الغريب، قصَّ الأب على ابنته "طَبَقَة" أسئلة ضيفهما الساذجة لتبتسم الفتاة وتكشف عبقريتها بفك شفرات الأسئلة، مفسرةً الأولى بتبادل الحديث لقطع مشقة الطريق، والثانية ببيع الزرع وقبض ثمنه، والثالثة بترك الميت عقباً يحيي ذكره.
لما نقل الأب التفسيرات لـ"شن" أدرك الرجل الذكي بفطنته أن وراء هذا الكلام عقلاً استثنائياً، وعرف أنها ابنة الرجل "طبقة" فخطبها وتزوجها ليعود بها إلى أهله الذين دُهشوا من شدة انسجامهما وتطابق تفكيرهما وهتفوا قائلين "وافق شنٌّ طبقة"، فخلد التاريخ العربي هذه الزيجة وصارت مثلاً يُضرب لكل متماثلين التقيا في صفة أو فكر.

معنى شَن وقصة أخرى طريفة لمثل وافق شنٌّ طَبَقَة

يقول سامي: تتعدد معاني كلمة "شَن" في اللغة العربية وتتنوع دلالاتها حسب السياق المعجمي، ولها تفسيران رئيسيان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالمثل العربي الشهير؛ ففي سياق القصة التاريخية المتداولة.

  • يُقصد بـ "شَن" اسم عَلَم مُذكر لرجلٍ عُرِف بالفطنة والدهاء بين أفراد مجتمعه في العصر الجاهلي، وهو اسم مشتق في أصله من أسماء القبائل العربية القديمة حيث كان يُطلق أيضاً على حيٍّ من أحياء قبيلة شهيرة.
  • من الناحية اللغوية الصرفة في المعاجم العربية، فإن كلمة "الشَن" كإسم تدل على القِربة البالية أو السِّقاء الجلدي القديم الذي يَبِسَ وتَخرَّقَ من كثرة الاستعمال، وعلى الرغم من قِدمه؛ فقد كان العرب يفضلونه لتبريد الماء نظراً لمسامه التي تُسرب الحرارة وتُبرد السوائل أسرع من الأوعية الجديدة. يقول سامي ضاحكاً: يبرز لنا وفق السياق السابق رابط لغوي طريف أورده اللغوي الأصمعي مغايراً لقصة الزواج، حيث رأى أن "الشن" هو ذلك الإناء الجلدي الخَلِق الذي صُنِع له غطاء بالٍ يناسبه تماماً ويُسمى "طَبَقَة" فلما انطبق عليه وافقه بالتمام والكمال فصاح الناس "وافق شنٌّ طبقة".
  • إلى جانب هذه الأسماء يأتي "شَنَّ" كفعل في سياقات أخرى ليعني صب الشيء ونثره متفرقاً كقولهم شَنَّ الماء، أو صب الهجوم متفرقاً من كل ناحية كقولهم شَنَّ الحرب والغارة.

والرابط التالي يعرفك إلى:القصة الحقيقية لأشهر الأمثال الشعبية

ثنائيات شهيرة جسدت المعنى الحقيقي لمَثل وافق شنٌّ طَبَقَة

بحسب موقع bnf-fr، فالثقافة الغربية والتاريخ الأوروبي يزخران بحكايات واقعية وثنائيات شهيرة حيث يلتقي دهاء وموهبة رجل بذكاء وعبقرية امرأة؛ ليصنعا معاً ثنائيات غيرت مجرى التاريخ والعلم والأدب، وهو ما يجسده مثل "وافق شن طبقة".

ماري وبيير كوري عبقرية.. العلم والانسجام الخارق

تُعَد هذه القصة الأقرب واقعياً للمثل؛ فقد كان بيير كوري عالماً فيزيائياً فرنسياً بارزاً يبحث عن شريكة تفهمه وتشاركه شغفه العلمي المطلق، حتى التقى الشابة البولندية الذكية ماري سكلودوفسكا في باريس.
وجه التوافق: وجد بيير في ماري "نصفه الفكري الآخر"، حيث كانت تمتلك ذكاءً حاداً وعزيمة تضاهي ذكاءه. لم يكن زواجهما مجرد ارتباط عاطفي، بل كان اندماجاً عقلياً كاملاً، حيث عملا معاً في مختبر وتوصلا لاكتشاف الراديوم والبولونيوم، وتقاسما جائزة نوبل. لقد كان توافقاً علمياً وفكرياً نادراً خلده التاريخ الغربي.

سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر.. الارتباط الفلسفي المطلق

في القرن العشرين، قدم هذا الثنائي الفرنسي أشهر قصة توافق فكري وفلسفي في الغرب، حيث ألغيا القوالب التقليدية للزواج واكتفيا بـ"عقد فكري" يربط بين عقليهما.
وجه التوافق: كان سارتر فيلسوفاً وجودياً لامعاً، وكانت سيمون روائية وفيلسوفة بارزة لا تقل عنه ذكاءً وقدرة على التحليل الفلسفي. عاشا معاً شريكين فكريين، يقرأ كل منهما مسودات الآخر، ويتناقشان في أدق المعضلات الفلسفية، وظلا معاً طوال حياتهما بفضل هذا الانسجام العقلي الخارق الذي جعلهما رمزاً للتلاؤم الفكري في أوروبا.

قصة ملك بريطانيا جورج الثالث والملكة شارلوت.. الانسجام الثقافي والفني

على الرغم من أن الكثير من الزيجات الملكية في أوروبا كانت سياسية وجافة؛ فإن زواج الملك جورج الثالث من الملكة شارلوت كان استثناءً يجسد التوافق والانسجام.
وجه التوافق: التقى الاثنان وكانا يتشاركان حباً جارفاً للموسيقى والعلوم والنباتات. كانت شارلوت واسعة الاطلاع، ذكية، وحامية للفنون، ووجدت في الملك شخصاً يشاركها ذات العقلية والاهتمامات الثقافية العميقة، وتحول زواجهما إلى شراكة فكرية وثقافية حقيقية قادت النهضة الفنية في بريطانيا في ذلك العصر.
ويمكنك كذلك التعرف من الرابط التالي إلى: 10 أمثال شعبية في البنات