في الكثير من الأحيان عقب تحقيق الشاب أو الفتاة نجاحاً كبيراً في حياته سواء على المستوى المهني أو الشخصي، يُصاب بشعور أنه لا يستحق تلك المكانة التي وصل إليها، وقد صاغ كل من عالمي النفس الإكلينيكي بولين كلانس Pauline Rose Clance، وسوزان إيمس Suzanne Imes تلك الحالة بمصطلح "ظاهرة المحتال - Impostor Phenomenon" في عام 1978.
ظاهرة المحتال.. ليست تشخيصاً نفسياً
ويعود اكتشاف ظاهرة «المحتال» إلى ملاحظة عالمتي النفس بولين كلانس وسوزان إيمس، خلال عملهما مع نحو 150 امرأة ناجحة، أن كثيرًا منهن، رغم تفوقهن الأكاديمي والمهني، كنّ يشككن في قدراتهن ويشعرن بأن نجاحهن لا يعكس كفاءتهن الحقيقية.
ووصفت عالمتا النفس الإكلينيكي تلك الظاهرة بأنها "حالة من القلق العام وفقدان الثقة بالنفس والاكتئاب والإحباط، والتي تنتج بسبب عجز الشخص عن تحقيق معايير النجاح التي يفرضها على ذاته."
وعلى الرغم من انتشار تلك الظاهرة فإنها ليست تشخيصاً نفسياً معترفاً به بشكل رسمي في الأدلة الطبية، بل نمط سلوكي مُسبب للضيق، بحسب ما أكدته دراسة حديثة.
وكانت أشارت العديد من التقديرات المتداولة في المنشورات العلمية إلى أن نحو 70% من الأشخاص يمرون بنوبة واحدة على الأقل من هذا الشعور خلال حياتهم، ومن خلال دراسة استقصائية شملت أكثر من ألف طالب وممارس في مجال التغذية أفاد 64% من المشاركين بأنهم يعيشون مشاعر "احتيال" متكررة أو شديدة.

ومن خلال مُراجعة منهجية شاملة نُشرت في مجلة Journal of General Internal Medicine تم رصد أن بعض التقديرات تصل بنسبة انتشار تلك الظاهرة بين الموظفين إلى نحو 82%، وفي عينة من طلاب الجامعات وجدت دراسة أخرى أن أقل من 9% فقط من المشاركين لا يعانون من أي مشاعر احتيال تقريباً.
أبرز الصفات التي يشعر بها الشباب والبنات عند شعورهم بـ"ظاهرة المحتال"
هناك العديد من الصفات والسمات التي تم رصدها، والتي يشعر بها الشباب والبنات عند شعورهم بأنهم لا يستحقون مكانتهم أو بـ"ظاهرة المحتال"، والتي يأتي من أبرزها:
ربط النجاح بالحظ وليس الكفاءة
من أبرز سمات هذه الظاهرة أن الشخص الناجح يميل إلى تفسير إنجازاته بعوامل خارجية ومن أبرزها الحظ أو التوقيت المناسب، أو مساعدة الآخرين بدلاً من ربطها بكفاءته الفعلية.
وهذا النمط يجعل النجاح بشكل متكرر غير كافٍ للقضاء على هذا الشك الداخلي الذي يُصاب به الشاب أو الفتاة، لأن حينها لا يُدخل الشخص إنجازه إلى صورته عن ذاته، ويظل قلقاً من أن يُكتشف أنه غير مؤهل فعلاً لما وصل إليه، على الرغم من غياب أي دليل موضوعي على رؤيته تلك.
نمط متكرر من القلق والراحة المؤقتة
يصف عدد من الباحثين أن ما يحدث لمنْ يعانون من ظاهرة المحتال، بأنها دورة متكررة من الإصابة بالقلق الشديد قبل البدء في أي مهمة جديدة، يليه إما إفراطاً في التحضير أو تسويفاً ثم إنجاز المهمة وعقب ذلك شعور بارتياح مؤقت، ثم عودة الشك من جديد عند مواجهة التحدي التالي.
وتلك الدورة تجعل الشخص عالقاً في حلقة لا تنتهي، على الرغم من تراكم النجاحات المتتالية.

مواقع التواصل الاجتماعي ومساهمتها في دعم الظاهرة
ربط العديد من الأبحاث الحديثة بين انتشار تلك الظاهرة بين الشباب واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد بحث بعنوان "هل يسبب لينكد إن متلازمة المحتال؟ أن استخدام منصات التواصل المهنية يغذي المقارنة المستمرة بالزملاء والمنافسين، مما يضعف الشعور بالإنجاز الشخصي حتى بعد تحقيق نجاح حقيقي.
كما وجدت دراسة على العاملين في مجال التغذية ارتباطاً مباشراً بين زيادة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وارتفاع درجات هذا الشعور لدى المشاركين؛ حيث إن التعرض اليومي لصور نجاح مصقولة ومنتقاة لمنْ يشبهونهم يخلق معياراً وهمياً للمقارنة الذاتية.
ضغط الأدوار الاجتماعية
ربطت الدراسة الأصلية لظاهرة المحتال للمعالجين النفسيين لكلانس وإيمس بين الظاهرة وضغوط الأدوار الاجتماعية التقليدية المفروضة على النساء الناجحات تحديداً.
كما أكد عدد من الدراسات اللاحقة أن الأشخاص المنتمين إلى فئات مهمشة أو أقليات في المجتمع قد يعانون من مستويات أعلى من هذا الشعور بسبب ما يتعرضون له من تحيزات واستبعاد ضمني في بيئات العمل والدراسة، مما يجعل شكوكهم في مكانتهم مرتبطة في بعض الأحيان بتجارب واقعية من التمييز وليس فقط بإدراك ذاتي مشوّه بداخلهم.
5 أنماط شخصية مُعرضة للإصابة بتلك الحالة
وقد حددت الباحثة الأمريكية فاليري يونغ، خمسة أنماط شخصية تعد هي الأكثر عرضة للإصابة بهذا الشعور وهم: الكمالي الذي يرى في أي خطأ بسيط دليل فشل، العبقري الفطري الذي يظن أن الكفاءة تعني إتقان الأمور من أول مرة دون جهد، الفرد الخارق الذي يقيس قيمته بالتفوق في كل أدواره دفعة واحدة، الفردي المستقل الذي يرى طلب المساعدة ضعفاً، الخبير الذي لا يشعر بالكفاءة إلا حين يعرف كل شيء عن مجاله.
وتوضح تلك الأنماط أن الظاهرة ليست شعوراً موحداً بل جذورها تختلف من شخص لآخر بحسب طريقة تفكيره في النجاح والكفاءة.

من الشعور بالقلق إلى الاحتراق الوظيفي
وقد ربط العديد من الدراسات بين ارتفاع مستوى هذا الشعور وزيادة أعراض القلق والاكتئاب والاحتراق الوظيفي، وبشكل خاص في المهن ذات الضغط المرتفع كالطب والتمريض.
فيما ربط بحث تم نشره في مجلة "Current Psychology" هذه الظاهرة بمشاعر "ذنب الناجي" وأيضاً سلوكيات تخريب الذات لدى بعض منْ يعانون منها، كما وجدت دراسة على طلاب تمريض وطب علاقة عكسية بين المرونة النفسية ومستوى الشعور بالاحتيال، مما فتح باباً للتعامل مع الظاهرة عبر تعزيز هذه المرونة بدلاً من محاولة إثبات الجدارة بشكل مستمر.
يُمكنكم قراءة: كيف تكتسب الثقة بالنفس في بيئات العمل الجديدة؟ 9 خطوات تساعدك على النجاح المهني

Google News