هناك قصص لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل تبدأ من جديد كلما عثر أحدهم على الطريقة المناسبة لروايتها. ومن بين هذه القصص حكاية المصورة الصحفية غيرتا تارو، التي عاشت حياة قصيرة لكنها شديدة الكثافة، جمعت خلالها بين الفن والسياسة والحب والمنفى والحرب، واختارت أن تحمل كاميرتها إلى الأماكن التي كان العالم يخشى النظر إليها.
وتعود قصة تارو إلى الواجهة من خلال فيلم «الفتاة مع لايكا» (The Girl With the Leica / La Ragazza con la Leica) للمخرجة الإيطالية ألينا مارازي، الذي اختاره مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 فيلمًا لافتتاح مسابقة آفاق، في واحدة من أبرز المحطات التي تمنح العمل اهتمامًا مبكرًا قبل عرضه أمام جمهور المهرجان. ويأتي الفيلم ضمن قائمة مسابقة آفاق التي تضم 19 عملًا، بينما يضع اختيار الفيلم في الافتتاح قصة تارو في مقدمة الأعمال التي تقدمها المسابقة هذا العام.
من هي غيرتا تارو بطلة «الفتاة مع لايكا»؟
وُلدت غيرتا تارو في ألمانيا، وأصبحت واحدة من الشخصيات الرائدة في تاريخ التصوير الصحفي الحربي، لكنها ظلت لسنوات طويلة في ظل شهرة شريكها العاطفي والمهني، المصور المجري أندريه فريدمان، الذي عُرف لاحقًا باسم روبرت كابا.
ولا يتعامل الفيلم مع تارو باعتبارها مجرد شخصية مرتبطة بكابا، بل يعيد وضعها في مركز الحكاية، متوقفًا عند عملها ومعتقداتها الفكرية واستقلاليتها وشغفها بالتصوير، وكذلك عند الدائرة الواسعة من الفنانين والمثقفين والمقربين الذين انجذبوا إلى شخصيتها وذكائها وجمالها.
وتزداد أهمية هذه الحكاية بسبب الدور الذي لعبته تارو في صناعة واحدة من أكثر القصص شهرة في عالم التصوير الفوتوغرافي خلال القرن العشرين.
يمكنك المتابعة.. كل ما تريدون معرفته عن النسخة الـ 83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي
غيرتا تارو وروبرت كابا.. كيف وُلد الاسم الشهير؟
جمعت غيرتا تارو علاقة عاطفية ومهنية بالمصور المجري أندريه فريدمان، وفي مرحلة من حياتهما ابتكرا معًا شخصية مصور وهمية باسم «روبرت كابا».
كان الاسم المستعار الذي تبناه فريدمان وسيلة للتعامل مع تصاعد التعصب في أوروبا، وكذلك محاولة للوصول إلى السوق الأمريكية، لكن هذه الحيلة ساهمت لاحقًا في تعقيد الصورة المتعلقة بملكية عدد من الأعمال الفوتوغرافية التي ارتبطت باسم كابا.
فقد أُسندت إلى كابا لسنوات طويلة صور كان بعضها من التقاط تارو نفسها، الأمر الذي يجعل استعادة قصتها اليوم أكثر من مجرد إعادة اكتشاف لسيرة فنانة منسية؛ إنها أيضًا محاولة لإعادة النظر في واحدة من الحكايات المعقدة التي شكلت تاريخ التصوير الصحفي.
ويمنح فيلم «الفتاة مع لايكا» تارو المساحة التي تستحقها، مركزًا على موهبتها ومواقفها السياسية وشخصيتها المستقلة، بدل اختزالها في كونها شريكة روبرت كابا.
«الفتاة مع لايكا».. يوم واحد يستعيد حياة كاملة
تبدأ أحداث الفيلم في باريس يوم 14 يوليو 1937، حيث تعيش غيرتا تارو يومها الأخير قبل عودتها إلى الجبهة الإسبانية، برفقة روبرت كابا وأصدقائها المقربين الذين فروا معها من ألمانيا النازية.
وفي ذلك اليوم، يبدو الماضي والحاضر وكأنهما يتداخلان باستمرار، فتعود إلى الواجهة المحطات الأساسية التي صنعت شخصيتها وحياتها، من نشاطها السياسي في مدينة لايبزيغ إلى جانب حبها الأول، ثم سنوات المنفى في باريس، وعلاقتها العاطفية المتقلبة مع كابا، وصولًا إلى اكتشافها التصوير الفوتوغرافي وتطور علاقتها بكاميرا «لايكا».
ومن خلال هذا البناء السردي، لا يكتفي الفيلم بتقديم سيرة تقليدية، وإنما يجعل اليوم الأخير من حياة تارو مساحة لاستعادة حياتها بأكملها، في وقت كان يبدو فيه أن المستقبل لا يزال مفتوحًا أمامها.
للمزيد من الأخبار: قبل عرضه في فينسيا 2026.. ماغي جيلينهال تكشف كواليس فيلمها عن مارلين مونرو
كاميرا لايكا.. عندما تحولت الصورة إلى مقاومة
في قلب قصة تارو علاقة خاصة بالكاميرا، إذ لم تنظر إلى التصوير باعتباره مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، وإنما أدركت مبكرًا قدرته على أن يصبح أداة إنسانية.
ومع تصاعد الأحداث في أوروبا والحرب الأهلية الإسبانية، ازدادت قناعتها باستخدام كاميرتها في مواجهة الفاشية، وتحولت الصور التي التقطتها إلى شهادة على زمن كانت فيه الحرب والحياة اليومية تتشابك بصورة مأساوية.
ولهذا، فإن عنوان الفيلم نفسه لا يشير فقط إلى أداة التصوير التي رافقت تارو، بل إلى العلاقة بين المرأة والكاميرا، وبين الصورة والموقف، وبين الفن والرغبة في مقاومة الواقع.
غيرتا تارو.. أول مصورة صحفية تموت في ميدان المعركة
خلال عملها في تغطية الحرب الأهلية الإسبانية، أصبحت غيرتا تارو أول مصورة صحفية تُقتل في ميدان المعركة.
وكانت وفاتها تتويجًا مأساويًا لمسيرة قصيرة لكنها استثنائية، إذ لم تكتفِ بالوجود خلف الكاميرا، وإنما اقتربت من قلب الأحداث التي كانت توثقها، حتى دفعت حياتها ثمنًا لعملها.
ومن هنا يكتسب الفيلم بعدًا يتجاوز السيرة الشخصية؛ فهو يستعيد قصة امرأة كانت تعمل في واحدة من أخطر المهن في زمن مضطرب، ووجدت في التصوير وسيلة لتوثيق الحرب والتعبير عن مواقفها والدفاع عن الحرية.
إيميليا شوله تجسد غيرتا تارو
تؤدي إيميليا شوله دور غيرتا تارو، ويشاركها البطولة آرون ألتاراس، لونا فيدلر، لوكاس إنغلاندر، توماس شوبرت، سيباستيان شنايدر، إيدان فايس، ليا فون بلارير، هانز كريستيان هيوغيفالد، جيريمي موكريدج، وجويل باسمان.
وتملك شوله خبرة في تجسيد الشخصيات التاريخية، إذ عُرفت على نطاق واسع بأدائها للدور الرئيسي في مسلسل «ماري أنطوانيت»، كما ظهرت في أعمال تلفزيونية أخرى، من بينها «دير بارفومور» وسلسلة «كودام» الشهيرة.
وعلى صعيد السينما، شاركت في فيلم «محاكمة هاين» الذي حقق حضورًا لافتًا في مهرجان برلين، إلى جانب الأفلام الألمانية الناجحة جماهيريًا «فوندرشون» و**«فوندرشونر»**.
ويمنحها دور تارو مساحة مختلفة، إذ يتطلب منها تقديم شخصية تجمع بين الحساسية الفنية والقوة السياسية والاستقلال العاطفي والشجاعة في مواجهة الحرب.
ألينا مارازي تقدم قصة امرأة بين الذاكرة والتاريخ
تقف وراء الفيلم المخرجة الإيطالية ألينا مارازي، التي تمتد تجربتها بين السينما الوثائقية والسينما الروائية والمسرح، وتحتل حياة النساء وصور الذاكرة موقعًا أساسيًا في أعمالها.
وقدمت مارازي عددًا من الأفلام التي حظيت بتقدير نقدي ومهرجاني، من بينها «ساعة أخرى معك»، الذي حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو السينمائي عام 2002، و**«نريد الورود أيضًا»**، الذي شارك في لوكارنو وفاز بجائزة فوكال عام 2008.
كما أخرجت فيلم «كل شيء يتحدث عنك»، الذي فاز بجائزة تاو دو – كاميرا دور في مهرجان روما السينمائي عام 2012.
وتشغل مارازي كذلك منصب المديرة الفنية المشاركة لمهرجان يون أرشيف لفوتيج فيلم.
ويبدو اختيارها لقصة غيرتا تارو منطقيًا في ضوء اهتمامها المستمر بالمرأة والذاكرة والمواد الأرشيفية، خصوصًا أن الفيلم يمزج بين الخيال والصور التاريخية الحقيقية.
الفيلم يمزج الدراما بصور غيرتا تارو الحقيقية
صور الفيلم مدير التصوير التشيلي الدنماركي مانويل ألبرتو كلارو، المعروف بتعاونه مع المخرج لارس فون ترير في أفلام من بينها «ميلانخوليا» و**«نيمفومانياك»**.
ويستخدم العمل الصور التي التقطتها تارو نفسها، إلى جانب مواد أرشيفية نادرة، لخلق مساحة بصرية يتجاور فيها الماضي الحقيقي مع الدراما السينمائية.
وهذا المزج بين الوثيقة والخيال يمثل أحد العناصر الأساسية في الفيلم، لأنه يسمح للجمهور بمشاهدة العالم الذي عاشت فيه تارو من خلال الصور التي تركتها وراءها، وفي الوقت نفسه متابعة حياتها الشخصية والسياسية من خلال السرد الدرامي.
رواية حائزة على جائزة ستريغا ألهمت الفيلم
يستند «الفتاة مع لايكا» بصورة حرة إلى رواية الكاتبة هيلينا يانيتشيك الصادرة عام 2017، والتي حازت في إيطاليا جائزة ستريغا، إحدى أهم الجوائز الأدبية في البلاد.
كما حصلت الرواية على جائزة باغوتا، وهي واحدة من أقدم وأعرق الجوائز الأدبية الإيطالية، قبل أن تنتقل إلى قراء من دول مختلفة بعد ترجمتها إلى لغات متعددة، من بينها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية.
ونُشرت الرواية في 15 دولة، لتتحول قصة غيرتا تارو من حكاية تاريخية إلى مادة أدبية وسينمائية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.
وقد كتبت ألينا مارازي السيناريو بالتعاون مع فاليا سانتيلا، بالاعتماد الحر على رواية يانيتشيك.
لماذا يحمل اختيار «الفتاة مع لايكا» لافتتاح آفاق أهمية خاصة؟
لا يأتي اختيار الفيلم لافتتاح مسابقة آفاق في مهرجان فينيسيا 2026 منفصلًا عن طبيعة القصة التي يقدمها.
فالفيلم يجمع بين شخصية نسائية تاريخية استثنائية، والتصوير الفوتوغرافي، والحرب، والمنفى، والحب، والسياسة، والذاكرة، وهي عناصر تمنحه مساحة واسعة للقراءة بعيدًا عن التصنيف التقليدي لفيلم سيرة ذاتية.
كما أن وضع قصة غيرتا تارو في افتتاح مسابقة آفاق يمنح الجمهور فرصة للدخول إلى المسابقة من بوابة شخصية فنية وإنسانية ارتبط اسمها بتاريخ الصورة الصحفية، بينما يعيد الفيلم طرح سؤال أساسي حول من يكتب التاريخ ومن يحتفظ بحقوق الصورة ومن يظل اسمه حاضرًا بعد رحيله.
ويأتي الفيلم ضمن مسابقة آفاق التي تركز على اتجاهات جديدة في السينما المعاصرة، وقد اختير لافتتاح قائمة تضم 19 فيلمًا في دورة مهرجان فينيسيا لعام 2026.
تفاصيل فيلم «الفتاة مع لايكا»
- المخرج: ألينا مارازي.
- السيناريو: ألينا مارازي وفاليا سانتيلا.
- مدة الفيلم: 118 دقيقة.
- بلد الإنتاج: إيطاليا وألمانيا.
- البطولة: إيميليا شوله، آرون ألتاراس، لونا فيدلر، لوكاس إنغلاندر، توماس شوبرت، سيباستيان شنايدر، إيدان فايس، ليا فون بلارير، هانز كريستيان هيوغيفالد، جيريمي موكريدج، وجويل باسمان.
- المصدر الأدبي: رواية «الفتاة مع لايكا» لهيلينا يانيتشيك.
- التصوير: مانويل ألبرتو كلارو.
- المسابقة: آفاق في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026.
- موقع الفيلم في المسابقة: فيلم افتتاح مسابقة آفاق.
إنتاج إيطالي ألماني ومبيعات دولية
«الفتاة مع لايكا» إنتاج إيطالي ألماني مشترك، تولت إنتاجه مارتا دونزيلي وغريغوريو باونيسا لصالح شركة فيفو فيلم الإيطالية بالتعاون مع راي سينما، إلى جانب يوناس دورنباخ وجانين جاكوفسكي ومارين آدي لصالح شركة كومبليتسن فيلم الألمانية.
ويشارك في الإنتاج كل من زد دي إف/آرتيه، وإيولو فيلم برودكشنز، وفيلم إي فاست، وزينتروبا السويدية، مع دعم يوريماغز – مجلس أوروبا، ووزارة الثقافة الإيطالية، وصناديق دعم سينمائية في بيدمونت ولاتسيو وألمانيا، إلى جانب برنامج أوروبا الإبداعية ميديا.
وتتولى فاندانغو سيلز المبيعات الدولية للفيلم، بينما تتولى بي إم آي توزيبيوزيوني توزيعه في إيطاليا، مع الإعلان عن موعد طرحه لاحقًا، في حين تتولى شركة بورت أو برنس توزيعه في ألمانيا.
فيلم عن امرأة استخدمت الكاميرا لتوثيق زمن لا يرحم
في النهاية، لا تكمن قوة «الفتاة مع لايكا» في كونه يستعيد اسمًا من تاريخ التصوير الصحفي فحسب، وإنما في الطريقة التي يعيد بها النظر إلى غيرتا تارو كفنانة وصحفية وامرأة مستقلة صاحبة موقف سياسي، بدل أن تبقى مجرد هامش في قصة روبرت كابا.
إنها حكاية امرأة وجدت في الكاميرا وسيلة لفهم العالم ومواجهته، وعاشت بين المنفى والحب والسياسة والحرب، قبل أن تصبح ضحية للميدان الذي اختارت أن توثقه.
ولهذا يبدو اختيار الفيلم لافتتاح مسابقة آفاق في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 امتدادًا طبيعيًا لقصة تارو نفسها؛ فبعد عقود من بقاء اسمها في الظل، تعود كاميرتها إلى الضوء، وهذه المرة من خلال شاشة السينما التي تمنحها فرصة جديدة لأن تُرى وتُسمع وتُتذكر باسمها.
للمزيد من الأخبار: مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 يكشف قائمة أفلام المسابقة الرسمية.. منافسة عالمية على الأسد الذهبي
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»

Google News