mena-gmtdmp

"سيدتي" في زيارة خاصّة لفيللا تارديو

 قرأت وسمعت الكثير عن فيللا تارديو: اسمها وتاريخ بنائها وموقعها، كلّها عوامل جعلتني أتحمّس لزيارتها والتعرّف على أصحابها. لذا، سافرت من باريس خصيصاً إلى جنوب فرنسا حيث تقع هذه الفيللا، على بعد اثنتي عشرة دقيقة عن إمارة "موناكو". وإذ تتربّع على قمّة جبلية تعكس بامتياز طبيعة جنوب فرنسا التي تتزاوج فيها البيئة الجبلية والمحيط البحري، تعانقها الأشجار من كل جهة، تجسّد هذه التحفة المعمارية فن الـ "آرت ديكو" بامتياز، علماً أنّها تقع وسط هكتارات عشرة من الأراضي التي زرعت فيها أجمل وأندر الأشجار والأزهار!


 

 

 

 

بعد تحديد موعد لزيارتها، وبعد أن قطعت السيارة التي نقلتني من "موناكو" طريقاً جبليةً ملتوية تفضي نحو بوابتها الرئيسة، استقبلتني السيدة إرينا ألكسيفاIrina ALEKSEEVA  صاحبة هذه الفيللا ودعتني إلى زيارتها واكتشاف قصّتها ومميّزاتها المعمارية... 

يعود تاريخ بناء هذه الفيللا إلى سنة 1930 بطلب من رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك  أندريه تارديو، علماً أنّه أشرف على تصميمها الداخلي والخارجي وقتذاك المهندس المعماري الشهير جان باتو، وهذا الأخير صمّم ديكور باخرة "النورماندي" الشهيرة.


وقد روت مالكتها الحالية السيدة ألكسيفا لـ "سيدتي" أنّه "حين شرع باتو في التحضير لبنائها، سأل الاختصاصيين عن المنطقة التي تتمتّع بالطقس الأكثر اعتدالاً في كامل فرنسا، فنصحوه بالبحث عن الأراضي التي كان رجال الدين يقيمون معابدهم قديماً فيها حيث كانت لهم خبرة كبيرة في اختيار المناطق ذات الطقس المعتدل. وفي النهاية، استقرّ رأيه على قطعة أرض مجاورة لأحد المعابد في أعالي الجبال المحيطة بـ "موناكو"، وهكذا تمّ بناء الفيللا في موقعها الحالي".  

وإذ تتربع فيللا تارديو على مساحة عشرة آلاف هكتار في قمّة جبلية تطلّ على البحر الأبيض المتوسط، يمكن للزائر أن يتمتّع من شرفاتها بمنظر بانورامي رائع لإمارة "موناكو"، كما يمكنه من الجهة المقابلة مشاهدة السهول الإيطالية المحاذية للحدود.

وقد أقام فيها على مرّ الحقب عدد بارز من الشخصيات السياسية، ومن بينها رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو ورئيس الجمهورية الفرنسي الأسبق رونيه كوتيه، فضلاً عن مشاهير آخرين ينتمون إلى عالم الفن كالنجمة السينمائية ماري ماركت، أو إلى الأوساط الأرستقراطية المنتمية إلى أعرق  العائلات الملكية الأوروبية.


وقد انتقلت ملكيّة هذه الفيللا بين عائلات خمس شهيرة: من عائلة اندريه تارديو إلى العائلة الأميرية الحاكمة في "موناكو"، فعائلة غريمالدي حيث كانت الأميرة غرايس كيلي تقصدها في أوقات الراحة عندما ترغب في العزلة والاستجمام وسط الطبيعة. وقبيل وفاة الأميرة غرايس، قام أمير يتحدّرمن العائلة الملكية السابقة في إيطاليا بشرائها، ولكنّه ما لبث أن باعها بعد فترة قصيرة إلى عائلة فرنسية مرموقة، أبناؤها هم ورثة العالم الشهير لويس. ثم، سكنتها عائلة خامسة هي عائلة لاييك التي ما تزال تعيش فيها إلى اليوم.


يعكس ديكورها الخارجي كل عناصر الـ "آرت ديكو"، حيث تمتاز هندستها بالخطوط المستقيمة والنوافذ الكبيرة والعالية، مع ملاحظة بعض اللمسات الدائرية عند مدخلها الرئيس. وتشتمل في المجموع على طبقات أربع، من بينها طبقة سفلية مخصّصة لعمّال البيت حيث يتمتّعون باستقلالية تامة مع شرفة خاصة تمكّنهم من أخذ فسحات من الراحة،  أمّا الطبقة الثانية فمخصّصة لقاعات الرياضة والملابس وغرف الضيوف، فيما الطبقتان الثالثة والرابعة شملتهما زيارة "سيدتي".

 


منحوتة من البرونز

 

 

وبعد ولوج الباب الرئيسي إلى بهو المدخل، لاحظنا أن السلّم الرئيس لا يقابل المدخل بل يدير ظهره لزائرها! وقد زيّن الطرف المقابل للمدخل بتحفة منحوتة من البرونز تحمل اسم  "التوأمان". وتوجد في البهو الخارجي نسخة أخرى لهذه التحفة. وتبدو للناظر من المدخل كل جماليات السلّم المصنوع من الرخام والحديد المطروق والخشب المنحوت الذي صمّم خطوطه باتو بنفسه.

وفي الجهة المقابلة للسلّم، يقع الصالون الرئيس الفسيح ذو السقف المرتفع، كما النوافذ الضخمة والمرتفعة والتي تطلّ كلّ واحدة منها على جانب مختلف من حديقة هذه الفيللا. وهذه الأخيرة تعدّ من أبدع الحدائق التي تشتهر بها منطقة "الكوت دازور"، تزيّنها أشجار عريقة يتجاوز عمر بعضها المائة عام، ومن بينها أشجار الزيتون المصطفّة على جانبي ممرّها الرئيس.

 

 

 

تصطفّ إلى جانب الصالون الرئيس أي في الطبقة الأرضية عدد من غرف النوم التي احتفظت العائلة المالكة للفيللا حالياً بديكورها الأصلي، وبعض قطع الأثاث التاريخية المتمثّلة في أسرّة النوم، وأضافت إليها لمسات تحديثية لناحية دمج قطع ديكور جديدة معها أبرزها ثريات "المورانو"، علماً أنّ كل نوافذ الغرف تطلّ على الحديقة، كما على مناظر البحر والجبل.

 

 

وتشتمل كل غرفة على حمّام يحافظ بدوره على كل عناصر ديكوره منذ الفترة التي بنيت فيها الفيللا في عهد أندريه تارديو، وخصوصاً الرخام المزخرف الذي غطّيت به جدرانه وأرضيته وأحواض الاستحمام العميقة وكبيرة الحجم.  

 

 

وتقع في الطبقة الأرضية أيضاً قاعة الطعام التي تحتوي على طاولة وخزانة أواني مصنوعة من الخشب المنحوت، تعود إلى حقبة العشرينيات، وبجوارها المطبخ الرئيس للفيللا الذي يطلّ بدوره على الحديقة.


سقف من كريستال "اللاليك"

 


 

وبعد صعود الدرج الرئيس الذي يتّسم بسعته وتصميمه، لعل أول ما يجذب الأنظار هو سقف الطبقة العلوية المشغولة بالكامل من كريستال "اللاليك" Lalique الذي ينفتح بطريقة أوتوماتيكية ليضبط دخول الهواء وأشعة الشمس إلى أرجاء هذه الفيللا!

 

 

ويقودنا السلّم مباشرةً إلى المكتبة التي تقف على جانبي بابها تماثيل أحضرت من مدينة "البندقية"، بالإضافة إلى عدد من النباتات الخضراء كبيرة الحجم التي تعتبر عنصراً هاماً في طراز الـ "آرت ديكو". وتغطي كلّ جدران قاعة المكتبة رفوف مصنوعة من الخشب الراقي تحتضن أقدم الكتب المتوارثة عن أندريه تارديو والتي أهديت له غالبيّتها من قبل أشهر الشخصيات السياسية التي عاصرها، والتي تتنوّع بين موضوعات الأدب والسياسة والتاريخ. ويقدّم التصميم الداخلي لهذه المكتبة الأعمدة الخشبية الضخمة والسقف العالي والأثاث الأثري الذي صّممه خصيصاً المصمم جان جاك رولمان الذي يعتبر مرجعاً أساسياً في مجال فن الـ "آرت ديكو"، حيث أثّرت أعماله في أجيال عدّة من المصمّمين. ويعبّر عن أسلوبه من خلال الخطوط المستقيمة والواضحة المطعّمة ببعض اللمسات الدائرية، التي تبرز بشكل أخص في الأرائك الدائرية المصنوعة من الخشب وقماش القطيفة الخالي من الرسومات والطاولات الخشبية المستديرة التي تتوسّط المكتبة، والزرابي الفارسية. كما تحتوي المكتبة على عدد من الصور للشخصيات التاريخية التي مكثت في الفيللا وقضت أوقاتاً في هذه المكتبة، ومن أشهرها الأمير رينييه الذي ما يزال صاحب البيت الحالي يحتفظ بعدد كبير من صوره على جدران المكتبة والمدخل الذي يفضي إليها.

عند الخروج من هذه المكتبة، يقابل الزائر المكتب الشخصي للرئيس أندريه تارديو حيث ما تزال هذه الغرفة على حالها كما تركها تارديو، يتوسّطها مكتب مصنوع من الخشب المصقول وأريكتان من الجلد ذات أرجل خشبية ومكتبة جدارية تحتوي على عدد من الكتب والمخطوطات.

 

 

أمّا الغرفة الثالثة في الطبقة العلوية فهي عبارة عن قاعة طعام واسعة تطلّ نوافذها على منظر الطبيعة الخارجية، جدرانها مغلّفة برسومات فاتحة الألوان، تتوسّطها طاولة خشبية من تصميم ايميل جاك رولمان الذي أنجزها خصيصاً لأندريه تارديو. وهذه الأخيرة  قطعة تعكس طراز الـ "آرت ديكو" الذي كان في قمة ازدهاره في تلك الحقبة أي ما بين 1920 و1940. ويبدو ذلك أيضاً من خلال شكل الأديمي وتصاميم مقافلها.


المساحة الخارجية

 

تتوزّع قطعة الأرض المترامية الأطراف المحيطة بالفيللا ومساحتها هكتارات عشرة ما بين الحدائق الخاصة للفيلا التي غرست فيها أشجار الزيتون والليمون التي تشتهر بها منطقة "الكوت دازور"، بالإضافة إلى تشكيلات من النباتات والزهور النادرة. وثمة موقع منخفض مخصص لنزول طائرات الهليكوبتر موصول بالمدخل الرئيس للفيللا عبر درج خارجي تحذوه الأشجار من كل جانب!