مرّ أكثر من عام على وفاة سعيدة الجلالي، أول امرأة تونسية اشتغلت بحّارة، وبقيت ذكراها عالقة بأذهان جزيرة «قرقنة»، وأصبحت بذلك رمزاً للمرأة الكادحة المناضلة من أجل حياة كريمة لها ولأسرتها؛ فقد عملت وكافحت ونحتت طريقها في الحياة بكدها وعرق جبينها....إلى أن أصبحت امرأة مشهورة تدعى إلى المناسبات الرسمية وتظهر في التلفزيون، ونجحت في بناء علاقات مع السواح من مختلف أنحاء العالم، وظهرت صورها في مجلات عالمية مختصة في السفر والسياحة.
علاقتها بالبحر
تقول في حديث سابق لها مع «سيدتي»:
«ولدت وترعرعت في جزيرة (قرقنة)؛ لأن زوجي كان يعمل بحاراً مثل الكثير من أهل الجزيرة؛ فقد كنت أساعده في عمله إلى أن أقعده المرض؛ فقررت أن أعوضه لأعيل أطفالي، وكنت المرأة الوحيدة في جزيرة (قرقنة) التي امتهنت مهنة صيد السمك على متن قارب أملكه، وتمتنت العلاقة بيني وبين البحر لتصبح عشرة عمر بأكمله، وقد اعترف بي البحارة الرجال وقدروني وساعدوني في عملي».
رحلات رائعة
كانت سعيدة الجلالي التي ذاع صيتها، تخشى البحر وتحبه في نفس الوقت؛ فقد عاشت فترات عصيبة عند هبوب العواصف، وكاد مرة أن يغرق قاربها، ولأن هذه المرأة جمعت بين حب العمل والذكاء والتعويل على نفسها لكسب رزقها؛ فقد لاحظت أن السياح الأجانب من الأوروبيين يقبلون على جزيرة (قرقنة) بعدد كبير؛ طلباً للراحة والهدوء، ولذلك كانت تأخذ البعض منهم على متن قاربها في رحلات بحرية رائقة، وغنمت من هذا العمل شيئاً من المال، وكثيراً من العلاقات مع مختلف السياح، وكانت تتلقى منهم بعد عودتهم إلى بلدانهم الرسائل والهدايا، وتم ذكر اسمها في عديد المقالات بمجلات عالمية متخصصة في السياحة والأسفار.
فيلم وثائقي
وتابعت سعيدة الجلالي دروس محو الأمية، وتعلمت الكتابة والقراءة وحصلت على العديد من الجوائز، وكانت حريصة على ارتداء اللباس التقليدي لجزيرة (قرقنة)، وهي تجيد طبخ الأكلات التقليدية المتوارثة في الأرخبيل، وكانت تشارك كل عام في مهرجان (القرنيط) (الإخطبوط) الذي يقام بجزيرة (قرقنة) كل عام بإعدادها لألذ الأطباق وأشهاها، وقد تم إنجاز شريط وثائقي عن هذه المرأة، ونال جوائز في إحدى مسابقات مهرجان الإذاعة والتلفزيون الذي ينظمه اتحاد الإذاعات العربية.
قرقنة ونساؤها
يضم أرخبيل (قرقنة) -الواقع على بعد 280 كم جنوب تونس العاصمة- مجموعة من الجزر الكبيرة الآهلة بالسكان، وبها 14 قرية صغيرة، ويعد البحر هو مصدر الرزق الأساسي للسكان، ومن أطرف ما اشتهرت به جزر (قرقنة) تمتع أهالي الأرخبيل بملكية أماكن في البحر، ولهم في ذلك شهادات ملكية وعقود، ولا يحق لغير المالكين لها استغلالها والصيد فيها، وهذه ظاهرة لا وجود لها في أي مكان في العالم؛ لأن البحر ملك عمومي، ويقول أهل الجزيرة إن عدد السكان المقيمين لا يتجاوز الـ15 ألف نسمة في سائر أشهر السنة، ولكن في فصل الصيف يصبح عدد المقيمين والزائرين أكثر من مائة ألف، إذ يعود أهل الجزيرة لقضاء إجازتهم السنوية بها، كما يقبل السواح من داخل البلاد التونسية وخارجها على قضاء فترة راحة واستجمام بالجزيرة للاستمتاع بهدوئها وبمشاهدها الطبيعية الخلابة.
وقد وصف الرحالة الفرنسي، فليكس فلتشنكار، جزر قرقنة خلال جولة قام بها عام1839م «أي منذ قرن و76 عاماً» وصفاً دقيقاً؛ معبراً عن إعجابه بمناظرها الطبيعية الخلابة ونخيلها الباسق وأشجارها المتنوعة كالزياتين والكروم والتين، ويقول إنه فوجئ أثناء تجواله بها بمجموعة من النساء يحرثن الأرض بأنفسهن، وكن يعملن وفي أرجلهن خلاخل من الفضة والذهب، وآذانهن محلاة بأقراط تلمع وتشع، وبأنهن يمشين متبخترات بين بساتين النخيل بثيابهن الزاهية، وشبههن بالأميرات الشركسيات لجمالهن.. ومعروف عن نساء قرقنة اليوم، إتقانهن للأعمال الفلاحية وللصناعات التقليدية.
والمرأة القرقنية تجمع المحاصيل الزراعية، وتعنى بتخزينها وتحرث الأرض أيضاً، كما اشتهرت جزر قرقنة أيضاً بفرقها الفولكلورية التي تضم عادة خمسة رجال يرتدون ملابس حمراء وبيضاء ويقرعون الطبول في حركات منسجمة مع النغمات، وينفخون في المزامير.

Google News