اكتب الكلمات الرئيسية فى البحث

مسابقة القصة الفكاهية: وانفقعت مرارتها...

صورة تعبيرية

من القصص الفكاهية المستوفيّة لشروط مسابقة «سيدتي» للقصة الفكاهية القصيرة، نقدم لكم قصة: «وانفقعت مرارتها...» لسمية سعادة، مع العلم أن القصص لم تخضع لأي تصحيح، عدا التصحيحات اللغوية والإملائية، على أن تقوم لجنة الجائزة باختيار الأصلح بينها.
وانفقعت مرارتها...
غاصت رقية في الكرسي المبطن بالإسفنج الناعم والمغلف بالقماش الحريري كما لو أنها تريد أن تختبئ من المدعوات إلى حفل زفاف ابنة عمتها، وتمنت لو أنها تستطيع أن تلبس طاقية الإخفاء؛ حتى لا تحاصرها السينات المنفلتة من كلمة «مسكينة» التي تعودت أن تسمعها في مثل هذه المناسبات «التعيسة» التي تذهب إليها مرغمة؛ حتى لا تتهم بالغيرة من القريبات اللواتي بتن ينظرن إليها وكأنها الفتاة الوحيدة التي تدحرجت إلى حفرة العنوسة، ومع ذلك سددت لها إحدى الحاضرات التي لم يمض على زواجها إلا بضعة أشهر سهماً مسموماً، وهي تقول لجليستها بصوت مرتفع وكأنها تتعمد أن تسمعها: «تلك هي ابنة أبو رنان المسكينة، هل عرفتها؟ فردت عليها بعد أن اعتدلت في جلستها وفتحت حدقتي عينيها على الآخر» أحقاً هي؟ لم أعرفها، وأضافت متهكمة: «تغيرت ملامحها كثيراً عن آخر مرة، انظري إلى التجاعيد التي نشبت في وجهها»، وتابعت تقول وهي تحاول أن تكتم ضحكة ساخرة: «سأعرض على حماي فكرة الزواج منها، تعرفين أن زوجته الثانية ماتت قبل سنتين، وقد أوصاني بالبحث عن عروس كبيرة في السن، أظنها مناسبة له، «ولم تكد تنهي كلامها، حتى استدارت رقية نحوها بحركة سريعة غاضبة وهي تقول: «ما رأيك لو أنتظر حتى تموت أمك لأتزوج من أبيك، أليس هذا أفضل لأخواتك العانسات اللواتي لن يجدن أحن عليهن مني؟» ثم وجهت الكلام لجليستها: «هل تعتقدين أنني مسكينة أكثر منك وأنت من كدت تستعينين بمبعوث أممي ليقنع زوجك المخبول بالتكرم للزواج منك؟»، ثم انتفضت من مكانها، وتوجهت إلى طاولة أخرى تاركة الاثنتين تتبادلان نظرات باهتة، في تلك اللحظة، دخلت العروس تتهادى في مشيتها في ثوب أرجواني مذهب ينتهي بذيل طويل كاد الوفد المرافق لها من فتيات وشابات أن يتعثر فيه أكثر من مرة، التقت عينا رقية بعيني العروس وهي تمر بجانبها، فأشاحت بوجهها عنها وكأنها لا تعرفها، فازداد غيظ رقية واشتعلت الحرائق بداخلها حتى خيل إليها أنها تشتمُّ رائحة الشياط وهي تخرج من أذنيها وأنفها، وودت في تلك اللحظة أن تغرز كعبها العالي في رأسها، ثم راحت تخاطب نفسها سراً: من كان سينظر إليك يا «عضاضة لسانك»، لولا أن أباك يملك محلات في وسط المدينة، ويتقاضى منحة التقاعد من فرنسا باليورو؟!»، نظرت إلى المدعوات، وهن يتزاحمن أمام العروس لتقبيلها، فشعرت بمرارتها تنقبض انقباضاً شديداً وكأنها ستنفجر، وغمغمت بين شفتيها: «لا تضيعن الوقت، خذن البركات من «العضاضة» قبل أن تذهب إلى بيت زوجها».
ولم يسحبها من هذا المشهد المستفز، إلا صوت رقيق لفتاة بشعر منسدل على الكتفين ووجه ممتلئ غطته المساحيق، وقفت على جانب طاولتها، قائلة: « طاطا... هل تسمحين لي بالجلوس معك؟». انقبضت أساريرها وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى وهي تشير لها بالجلوس دون أن تتكلم معها، ولم تمر إلا لحظات قليلة حتى لمحت امرأتين شابتين تنظران إليها، وبدا لها أنهما تتحدثان في شأنها، إحساس بالغبطة لامس شغاف قلبها هذه المرة؛ لأنها أدركت أن في الأمر عريساً «وأخواته»، فاعتدلت في جلستها وألقت رأسها بين كتفيها متظاهرة بالخجل وهما تقتربان منها، استأذنتا في الجلوس، ثم فاتحتاها في الموضوع مباشرة: «هل هذه ابنتك... نريد أن نخطبها لأخينا؟»، ويقصدان الفتاة التي تجلس بجوارها، رفعت رأسها في انكسار، ثم أمسكت جنبها وصرخت من شدة الألم، أسرعت المدعوات إليها، واتصلن بسيارة إسعاف، وبعد أن عاينها الطبيب، أخبرهن أن مراراتها انفقعت!.