إذا كان لصناعة الأزياء أباطرة، سيكون كريستيان ديور واحداً منهم؛ فهو من الأسماء القلائل التي ساهمت في تغيير وجه الموضة النسائية؛ خاصة بعد فترة طويلة من التقشُّف جرّاء الحرب العالمية الثانية. لقد جاءت أزياؤه في أواخر أربعينيات القرن الماضي؛ لتثبِت أن القصات الأنثوية الخالصة، ستظل البوصلة إلى قلوب القطاع الأكبر من النساء. لقد كان للمصمم الفرنسي الكبير حكايته الخاصة مع عالم صناعة الأزياء، ولن نكون مبالغين لو قلنا إنه واحد من الذين أعادوا للمشهد الفرنسي هيبته، وظل إلى الآن واحداً من الرموز التي يُضرب بها المثل عند الحديث عن الأناقة الفرنسية. ولأننا نحتفل اليوم بميلاد مبتكر أسلوب New Look، سنحاول أن نمُر سريعاً على تصاميم شهيرة شكّلت مسيرته، ولازلنا إلى يومنا هذا نراها على منصات عروض الدار العريقة.
حكاية كريستيان ديور: بدأت بتمرُّده على أحلام والده
وُلد كريستيان ديور Christian Dior في جرانفيل بفرنسا في 21 يناير عام 1905، وانتقل مع عائلته لاحقاً إلى باريس. وعلى الرغم من ميوله الفنية التي دفعته للتفكير في دراسة الهندسة المعمارية، إلا أنه خضغ لرغبة والده ودرس العلوم السياسية. ولكن ظل شغفه بالفن راسخاً؛ فافتتح متحفاً لعرض أعمال كبار الفنانين في عام 1928، ولكن يبدو أن القدر كان يخبّئ له طريقاً آخر. فبعد أن أجبرته ظروف الحرب العالمية الثانية على إغلاق معرضه، شرع في العمل لدى ماركات كبيرة مثل: روبرت بيجيه ولوسيان ليلونج، واكتسب خبرة كبيرة؛ لتتشكل أولى خطواته في عالم الموضة عندما تعرّف إلى تاجر المنسوجات الشهير مارسيل بوساك، الذي عرض عليه تمويل دار أزياء جديدة؛ ليفتتح دار ديور في عام 1946.
أطلق كريستيان ديور مجموعته الأولى New Look في عام 1947، والتي جاءت لتلبّي احتياجات النساء بعد سنين من التقشُّف جرّاء الحرب العالمية الثانية؛ فابتعد بها المصمم الفرنسي عن القصات الصارمة، وقدّم أزياء تميّزت بطابعها الأنثوي من جهة القصات، التي تميّزت بالتنانير الضخمة والخصور المنحوتة والأكتاف المستديرة. وقد لاقت شهرة واسعة وأحبتها عاشقات الأناقة المترفة؛ ليثبت كريستيان ديور أنه واحد من أباطرة هذه الصناعة. وإلى الآن تتجدد روح تصاميمه الخالدة بتوقيع أشهر المديرين الإبداعيين الذين تولَّوا دفة القيادة بعد وفاته في عام 1957.
والآن، اسمحي لنا أن نصطحبكِ في جولة سريعة على أبرز ملامح مدرسة كريستيان ديور في عالم التصميم؛ لنكشف لكِ أشهر إبداعاته، والتي تتجدد على منصات العروض إلى الآن، من دون أن نمَلّ منها.
البدلات التي تنحت الجسم لم تغِب عن عروض ديور

منذ أن أطلق مجموعة New Look الشهيرة في عام 1947، ظلت القصات التي تنحت الجسم حاضرةً في عروض كريستيان ديور. وقد استحضرها المديرون الإبداعيون الذين تولَّوا مسؤولية الدار الفرنسية حديثاً. ففي عهد راف سيمونز Raf Simons لم تنحصر هذه القَصة الأنثوية في الفساتين فقط؛ بل رسمت البدلات أيضاً؛ لتؤكّد ديور على مدرستها الخالدة في كسر الصرامة وإعادة التفاصيل الناعمة حتى إلى أكثر القطع رسميةً؛ فحوّلت تلك القطعة الرجالية إلى تصميم يمكن للمرأة الناعمة أن تعتمده من دون تردد. والدليل، البدلات السوداء المخرّمة المصممة بجاكيتات قصيرة وبناطيل تلامس الكاحل بالكاد، من مجموعة الهوت كوتور لربيع وصيف 2014.
الفساتين بالتنانير المنفوخة تتجدد في عروض ديور للكوتور

هل تذكرين تلك الفساتين المصممة بقَصة تعانق الخصر وتنانير منتفخة، التي أحدث بها كريستيان ديور ثورة في عالم الموضة النسائية في أربعينيات القرن الماضي؟ لقد نجح المدراء الإبداعيون للدار العريقة، في إعادة إحيائها في الكثير من عروض الهوت كوتور؛ فهى علامة فارقة في تاريخ ديور؛ فلا يمكن أن ننسى تلك الفساتين البيضاء المزيّنة برسومات غاية في النعومة، التي زيّنت منصات عرض الهوت كوتور لخريف 2014 تحت إدارة راف سيمونز.
حقيبة ليدي ديور الأكسسوار الأيقوني الخالد في تاريخ الدار

حتى وإن لم تُصنع على يديه، عكست حقيبة ليدي ديور Lady Dior روح كريستيان ديور في كلّ تفاصيلها؛ بدءاً من نقشة الكاناج المستوحاة من كراسي الراتن التي استخدمها المصمم الراحل لاستقبال عملائه أثناء عرضه الأول لمجموعة الكوتور في عام 1947، ووصولاً إلى الدلايات الأيقونية المصنّعة يدوياً والمستوحاة من دلاية الحظ التي كان يحملها ديور على الدوام.
صُممت حقيبة ليدي ديور على يد المدير الإبداعي للدار جيانفرانكو فيري، وأبصرت النور في عام 1994 تحت اسم Chouchou؛ ليطلق عليها اسم Lady Dior في عام 1996؛ تكريماً للأميرة ديانا بعدما حملتها في مناسبات عدة خلال عام 1995. الحقيبة التي أهدتها سيدة فرنسا الأولى برناديت شيراك لأميرة ويلز، تحوّلت عبْر السنوات إلى رمز للفخامة والرقي، بفضل تصميمها الهندسي وخياطتها المتقاطعة، واليد المقوّسة في انسبابية متناهية، بالإضافة إلى أحجامها المتنوّعة التي تُرضي كافة الأذواق. وإلى يومنا هذا، لم يغِب هذا الأكسسوار الأيقوني الخالد عن عروض ديور، وتجدّد في مجموعات كثيرة. ولكننا نذكر الحقيبة السوداء ذات الجلد اللامع واليد المعدنية من عرض ربيع وصيف 2014.
كسرات البليسيه التفصيل الأبرز في عروض ديور

تُعتبر كسرات البليسيه إحدى أبرز سمات عروض ديور على مدار السنين، واستُخدمت لتزيين الفساتين والتنانير بكثافة أكبر في مجموعات الهوت كوتور؛ فهي واحدة من أدوات الدار الفرنسية التي استعاضت بها عن التطريزات المعقّدة؛ فقد انشغل مؤسسها منذ اليوم الأول بالأناقة الراقية الغارقة في البساطة؛ فلا مكان للتفاصيل المزدحمة مادامت القصات النظيفة والخامات الفاخرة تتحدث عن نفسها من دون مجهود إضافي. ففي الصورة هنا، تظهر العارضة بفستان أخضر طويل تميّز بقَصته الساترة والتوب المنفّذ بقَصة البليزر الملتف، أما التنورة عالية الخصر فجاءت بكسرات ضيّقة، أضفت حركة على التصميم الذي أُدرج ضمن مجموعة ربيع وصيف 2017.
الفستان المعطف قطعة أساسية في مجموعات ديور

بُنيت مدرسة كريستيان ديور من الأساس على الانتقال السلس بين عصر الأزياء الرسمية الصارمة التي ارتبطت بفترة الحرب العالمية الثانية، والملابس ذات المعالم الأنثوية التي أراد المبدع الراحل أن يُهديها للنساء بعد مرحلة التقشُّف. وفي سبيله إلى تحقيق نظريته، لم يتخلّ تماماً عن الخطوط الرجالية؛ فقدّم البدلات والمعاطف، ولكن بعد أن أضاف لها تفصيلاً ناعماً؛ فكانت السترات التي تنحت الخصر جزءاً أصيلاً من مجموعاته؛ حتى الفساتين قدّمها على طراز المعطف، والتي لاتزال حاضرة في عروض الدار الفرنسية إلى الآن. فمَن منّا يمكن أن تنسى الفساتين الميدي السوداء المزوّدة بأزرار تصطف على الجهتين من مجموعة ربيع وصيف 2016؟
ديور بجرعة أنثوية أكبر في عهد ماريا غراتسيا تشوري

أعادت ماريا غراتسيا تشوري لديور مجدها، بعد أن شغلت كرسي المدير الإبداعي في عام 2016، عبْر التصاميم الأنثوية الفخمة التي قدّمتها في عروض الهوت كوتور. وعلى الرغم من حرصها على التفاصيل التي شكّلت الحمض النووي للدار الفرنسية، إلا أن بصمة المصممة الإيطالية كانت واضحة؛ فإلى الآن لم نستطع أن نتخطّى جمال مجموعتها لخريف 2019، والتي ضمّت فستاناً برغندياً فائق الأناقة، تميّز بتنورته الضخمة والحمالات المضفّرة يدوياً، تصميمٌ لم نعتَد أن نراه في عروض الدار الفرنسية، ولكنه أكّد حينذاك على رؤية المديرة الإبداعية الجديدة، التي جاءت لتكرّم إبداعات المؤسس كريستيان ديور ولكن على طريقتها الخاصة.
اكتشفي حقائق مهمة عن كريستيان ديور ورحلته للبحث عن الأنوثة





