لطالما جسَّد «قطارُ الشرقِ السريع» Orient Express الفخامةَ، والغموض، وحملَ بين عرباته أصالةَ الماضي، وعبقَ العشرينيَّات، وأشاعَ حبَّ السفر، وعشقَ المغامراتِ المفتوحةِ نحو المجهول. وقد كان، أيضاً، الوسيلةَ التي اعتمدها الملوكُ والمشاهيرُ في رحلاتهم عبر أوروبا، وبقي كذلك إلى أن طرأت تغييراتٌ جذريَّةٌ عليه في عامِ 1977، إذ تمَّ تقصيرُ بعض مساراته، ليخبو وهجه الأسطوري. وعلى مدى عقودٍ، شكَّل قطارُ الشرقِ السريع مرآةً لرقي الأزياءِ حيث كانت النساءُ يتباهين بها على متنه، فمنذ انطلاقه عامَ 1883، كان القطارُ خاصاً بالملوكِ والنخبة، وهو ما فرضَ على الركَّابِ ارتداءَ ملابسَ تليقُ بمكانتهم الاجتماعيَّة. وقد حاولت الشركاتُ ابتكارَ نسخٍ مطوَّرةٍ منه مثل قطارِ فينيسيا سيمبلون أورينت إكسبريس Venice Simplon-Orient-Express في محاولةٍ للحفاظِ على سحرِ تلك الحقبةِ الذهبيَّةِ للسفر. وسنستعرضُ تالياً إتيكيت الملابسِ التي كانت سائدةً على متنِ هذا القطار، والتعديلاتِ التي خضعت لها وصولاً إلى تصاميمِ مجموعاتِ ريزورت 2027 التي حملت توقيعَ أبرزِ الماركاتِ العالميَّةِ في محاولةٍ لمدِّ جسرٍ، يربطُ بين الماضي والحاضر.
في 4 أكتوبر 1883، انطلق قطار الشرق السريع في العالم من باريس إلى إسطنبول، وهي الرحلة التي غيرت جغرافية أوروبا، وأعادت تعريف مفهوم السفر بفخامة لمسافات طويلة
أناقة بلمسة كلاسيكية تاريخية

يُعدُّ قطارُ الشرقِ السريع ملحمةً فنيَّةً، فهو يحملُ إرثاً عاطفياً، وخيرُ برهانٍ على قدرةِ الإنسانِ على دفعِ حدودِ الممكن، وتجاوزِ المستحيل، إذ، وفي العامِ 1867 اكتشفَ المهندسُ البلجيكي جورج ناجيلماكرز Georges Nagelmackers، في الولاياتِ المتَّحدة الأمريكيَّة، متعةَ السفرِ عبر خطوطِ السكك الحديديَّة، وبعد عودته إلى أوروبا، حقَّق حلمه بإطلاقِ قطاراتٍ فاخرةٍ، تقودُ إلى أبوابِ الشرق. وعندما جاء عامُ 1876 تأسَّست CIWL، وهي شركةُ «شركةُ عربات النومِ الدوليَّة» Compagnie Internationale des Wagons-Lits. واشتُهِرَت هذه القطاراتُ بديكوراتها الفاخرة، وراحتها التي لا تُضاهى، والخدماتِ المتميِّزةِ على متنها، إضافةً إلى وكالاتِ السفر، وورشِ العملِ المرتبطةِ بها والمنتشرةِ في جميع أنحاء أوروبا. وفي 4 أكتوبر 1883، انطلقَ أروعُ قطارٍ في العالم من باريس الفرنسيَّة إلى إسطنبول التركيَّة، وعلى متنه 40 راكباً، واستغرقت الرحلةُ ذهاباً وإياباً سبعةَ أيَّامٍ، وهي الرحلةُ التي غيَّرت جغرافيَّةَ أوروبا، وأعادت تعريفَ مفهومِ السفرِ لمسافاتٍ طويلةٍ.
وفي خطوةٍ تاليةٍ مواكبةٍ، أسَّس جورج ناجيلماكرز Georges Nagelmackers عامَ 1894 شركةَ الفنادقِ الكبرى الدوليَّة، ليجوبَ قطارُ الشرقِ السريع مختلفَ البلدان، ويستمتع ركَّابه بفنادقَ فخمةٍ، افتُتِحَت على طولِ الطريق، وهو ما حوَّل تجربةَ السفرِ بالقطار إلى مغامرةٍ فاخرةٍ. وفي منتصفِ العشرينيَّات، نفَّذ المصمِّمُ رينيه برو René Prou، وصانعُ الزجاج الماهر رينيه لاليك René Lalique عرباتٍ جديدةً على طرازِ «آرت ديكو»، جسَّدت روعةَ السفرِ الفرنسي. كذلك صدرت روايةٌ بوليسيَّةٌ للكاتبةِ آجاثا كريستي Agatha Christie بعنوان «جريمةٌ في قطارِ الشرق السريع» عامَ 1934، حظيت بشعبيَّةٍ واسعةٍ، وألهمت عديداً من الأفلامِ على مدى قرنٍ كاملٍ.
وترسَّخت الهويَّة الجديدةُ للقطارِ عامَ 2016 حيث كشفت شركةُ أورينت إكسبريس عن معرضِ الفنِّ المعاصر الدولي FIAC مع إطلاقِ أوَّلِ مجموعةٍ من أدواتِ السفر. وقد استُلهِمَت ستُّ قطعٍ مميَّزةٌ من تاريخِ الشركةِ الأسطوريَّة، ما أضاف لمسةً فنيَّةً إلى فنِّ الحياةِ المعاصر.
وتمَّ تجديدُ القطارِ على يدِ المهندس المعماري ماكسيم دانجياك Maxime d’Angeac الذي حرص على المحافظةِ على أصالته، وفي الوقتِ نفسه على إعادةِ ابتكارِ معاييرِ الفخامة، وتوسيعِ آفاقها، كما ركَّز على الحِرفيَّةِ الفرنسيَّة التي تُعدُّ الأساس لهذا المشروع.
تابعي أيضًا هل حان الوقت لتودعي الأحذية التقليدية والاكتفاء بالتصاميم المستدامة؟



فصول حكاية أشبه بالخيال
لا تزالُ عرباتُ القطارِ الكلاسيكيَّة المُرمَّمة، التي تُشغِّلها مجموعاتٌ مثل Belmond وAccor، تسيرُ في رحلاتٍ فاخرةٍ مميَّزةٍ، إذ يُمكنك اليوم تتبُّعُ هذا الإرث، أو حجزُ رحلاتٍ حديثةٍ حصريَّةٍ عبر منصَّةِ أورينت إكسبريس الرسميَّة. وتُعدُّ عرباتُ قطارِ فينيسيا سيمبلون أورينت إكسبريس The Venice Simplon-Orient-Express تجسيداً رائعاً لحقبتَي العشرينيَّاتِ والثلاثينيَّات، فكلُّ مقطورةٍ تتَّسمُ بديكورٍ خاصٍّ، يعتمدُ على زجاجِ اللاليك المنفَّذ بحِرفيَّةٍ عاليةٍ لا يمكن لأي مركبةٍ محاكاتها، إذ، وخلال النهارِ، تتحوَّلُ العربةُ إلى صالةٍ مريحةٍ مع طاولةٍ للطعام، وحينما يأتي الليل، تُصبح سرائرَ مع حمَّامٍ مشتركٍ في نهايةِ كلِّ عربةٍ. وتبرزُ الأجنحةُ الكبرى بوصفها أفخمَ أماكنِ الإقامةِ في القطار، فالمقصوراتُ الست استُلهِمَت من مدنٍ أوروبيَّةٍ، ويضمُّ كلُّ واحدةٍ منها غرفةَ نومٍ منفصلةً، وغرفةَ جلوسٍ مع حمَّامٍ، وغرفةَ طعامٍ تضمنُ الخصوصيَّةَ للركَّاب.


رفاهية السفر يختصرها مسلسل «إميلي في باريس»

يُسلِّط هذا العملُ الضوءَ على النقاطِ المشتركةِ بين عالمَي الموضةِ والسفر، ويُعدُّ الربطُ بين مسلسلِ «إميلي في باريس»، وقطارِ الشرقِ السريع حدثاً ترويجياً ضخماً على أرضِ الواقع. وفي المسلسل، يُمثِّل السفرُ بالقطارِ ملاذاً خلَّاباً للبطلةِ «إميلي» حين قامت برحلةٍ ساحرةٍ إلى جنوبِ فرنسا، وتلا ذلك حفلُ إطلاقِ جزءٍ جديدٍ على متن قطارِ فينيسيا سيمبلون أورينت إكسبريس الأيقوني ضمن رحلةٍ ترويجيَّةٍ ضخمةٍ، حظيت بتغطيةٍ إعلاميَّةٍ واسعةٍ. وهذا الترابطُ بين الأزياءِ، وعشقِ المغامرةِ والسفر حملنا على البحثِ في قواعدِ اللباس المطلوبةِ على متن قطارِ الرفاهيَّة.
إليك حين تلتقي الموضة بالسينما... قصة شغف تتجاوز حدود الأزياء




قواعد أزياء خاصة

يُوصَف أسلوبُ أزياءِ قطارِ الشرق السريع بأنه مثالٌ للفخامةِ، والرقي المُتقَن، والالتزامِ الصارمِ بقواعد اللباسِ الرسميَّة. وهو غالباً ما يمزجُ بين تأثيرِ فنِّ «الآرت ديكو» في عشرينيَّاتِ وثلاثينيَّاتِ القرنِ الماضي، والاتِّجاهاتِ المتغيِّرة، هذا مع الحفاظِ على معيارٍ أنيقٍ صارمٍ.


تفرض قواعد لباس صارمة على متن قطار الشرق السريع، إذ يسمح فقط بارتداء ملابس أنيقة وراقية بمجرد الصعودِ إلى القطار، ويمنع منعاً باتاً ارتداء الجينز أو الأحذيةِ الرياضية
العصر الذهبي

منذ البدايةِ، استخدمَ الركَّابُ القطارَ بوصفه منصَّةَ عرضٍ حيَّةً لأزياءِ «الآرت ديكو» الراقية التي تتمثَّلُ في بدلاتٍ صوفيَّةٍ للرجال مؤلَّفةٍ من ثلاثِ قطعٍ، وفساتينَ أنيقةٍ، وتاييراتٍ للنساء. كذلك لم تغب الأوشحةُ، والبوليرو الفرو عن أزياءِ القطار، إذ كان يمرُّ عبر مناطقَ مناخيَّةٍ مختلفةٍ. أمَّا للسهراتِ، فكانت ساعةُ العشاء منصَّةً ساحرةً لأزياءِ العشرينيَّات مع عصاباتِ الرأس المزيَّنةِ بالريش، والفساتينِ المرصَّعةِ بالترتر والشراشيب بأسلوبِ تشارلستون، بينما كان الرجالُ يختارون ربطاتِ عنقٍ سوداء.



تطور قواعد اللباس

الرحلاتُ عبر قطارِ فينيسيا سيمبلون أورينت إكسبريس، هي «أكثر رحلاتِ القطاراتِ رومانسيَّةً في العالم» حيث يمكن للمسافرين الانطلاقُ من لندن إلى روما، ومن باريس إلى إسطنبول عبر 62 رحلةً. وتفرضُ هذه الرحلةُ قواعدَ لباسٍ محدَّدةً، إذ يُسمَح فقط بارتداءِ ملابسَ أنيقةٍ وراقيةٍ بمجرد الصعودِ إلى القطار، ويُمنَع منعاً باتاً ارتداءُ الجينز، أو القمصانِ، أو الأحذيةِ الرياضيَّة. وفي العشاء، يختارُ عديدٌ من الركَّابِ ارتداءَ ربطةِ عنقٍ سوداء، فيما تُفضِّل السيِّدات فساتينَ الكوكتيل. وخلال النهار، يُمنَع ارتداءُ السراويلِ القصيرة، والجينز، والأحذيةِ الرياضيَّة، ويُشترَط ارتداءُ سترةٍ، وربطةِ عنقٍ للعشاءِ للرجال. كذلك يحقُّ لطاقمِ القطار منعُ الركَّابِ من دخولِ عرباتِ الطعام إذا لم يلتزموا بمعاييرِ اللباسِ المحدَّدة الأمرُ الذي يحملُ بعضهم للتساؤل: هل هذه الرحلةُ التاريخيَّةُ تستحقُّ العناء؟




أزياء مستلهمة

نصائح لا بد منها لضمان رحلة مريحة عبر القطار
- اختاري ملابسَ مريحةً وأنيقةً في آنٍ واحدٍ. تُوفِّر الأقمشةُ الطبيعيَّةُ مثل القطنِ، والصوفِ، والحرير الراحة، كما تُحافظ على المظهرِ الراقي المتوقَّعِ على متن هذا القطارِ الفاخر. تجنَّبي الموادَّ الصناعيَّة، فهي تُسبِّب عدم الراحةِ عند ارتدائها فتراتٍ طويلةً.
- اعتمدي ملابسَ مطاطيَّةً، أو بقصَّةٍ فضفاضةٍ، فهي تسمحُ بحريَّةِ الحركةِ في الأماكنِ الضيِّقة، وتُحافظ على مظهركِ الأنيق. تُعدُّ القطعُ الاستثماريَّة أفضل من القطعِ العصريَّةِ لهذا النوعِ من الرحلات، فالتصاميمُ الكلاسيكيَّة تُضفي شعوراً بالرضا التام لتجربةٍ لا تُنسى.
- لا تنسي استخدامَ شالِ الباشمينا عالي الجودة، أو شالاً خفيفاً لأغراضٍ متعدِّدةٍ مع الحفاظِ على الأناقة.
- معطف الترنش الكلاسيكي سيُوفِّر لكِ الحمايةَ من تقلُّباتِ الطقسِ المفاجئة، ما يضمنُ استعدادكِ لدى التوقُّفِ في المحطَّاتِ المختلفة، أو الرحلاتِ القصيرة.
- ملابسُ النومِ المريحةُ الضروريَّة للرحلاتِ الليليَّة لا بدَّ من وجودها، لكنْ احرصي على أن تكون أنيقةً تحسُّباً لمقابلةِ ركَّابٍ آخرين في الممرَّات.
- اختاري تسريحةَ شعرٍ تتناسبُ مع أجواءِ القطارِ الكلاسيكيَّة، هذا مع مراعاةِ أن تكون عمليَّةً طوالَ مدة ِالرحلة. غالباً ما تظهرُ التسريحاتُ البسيطةُ والأنيقة بشكلٍ رائعٍ في الصورِ أمامَ الخلفيَّاتِ الداخليَّةِ المزخرفة. ثم، يُفضَّل أن يكون العطرُ خفيفاً ولطيفاً في الأماكنِ الضيِّقةِ أثناء السفرِ بالقطار.
وفي النهايةِ، تذكَّري أن ثقتكِ في اختياراتكِ تُحدِثُ فرقاً كبيراً. اختاري ملابسَ تُشعِرُكِ بالراحة، وتُناسبكِ تماماً لهذه المغامرةِ الفريدة، فالملابسُ المناسبة تُحوِّل السفرَ الجيِّد إلى ذكرياتٍ استثنائيَّةٍ تدومُ للأبد.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط











Google News