حكايتُها، ليست ككلِّ الحكايات.. إنها حكايةٌ استثنائيَّةٌ. هكذا أرادتها ريم السفاف، مصمِّمةُ المجوهرات، فهي بدأت الرحلةَ في الصغرِ حين انطبعت في ذاكرتها صورُ نساءِ أسرتها الأنيقاتِ بوصفهن ملهماتٍ لتصاميمها، لكنَّها لم تكتفِ بموهبتها الفطريَّة، إذ تؤمنُ بأن الموهبةَ وحدها لا تكفي، بل يجبُ صقلُها بكلِّ الطرق، لذا درست علمَ الأحجارِ الكريمة، لتتمكَّن من اختيارِ أنقى وأجودِ الأحجار، كما درست طرقَ تنفيذِ المجوهرات، لتعرفَ أسسَ جمعِ الموادِّ، وتُقدِّم قطعاً، تتَّسمُ بالفرادة، وتُحقِّق أقصى درجاتِ الإبهار، واطَّلعت أيضاً على تاريخِ المجوهرات، لتستفيدَ من مصادرِ الإلهامِ المختلفةِ التي سادت في حقبٍ قديمةٍ وجميلةٍ في صناعةِ المجوهرات، وحتى تُدرِك القصصَ الكامنةَ خلفَ الإبداعاتِ العالميَّةِ بشغفِ الباحث، وحسِّ الفنَّان. في حوارنا معها، تُخبرنا ريم عن هذه الرحلةِ الملهمة، وتتحدَّثُ عن إبداعاتها، وخبرتها في الأحجارِ الكريمة، ورؤيتها للسوق.
إعداد:عبير بو حمدان حرب
تصوير : مشعل القدير
الشرارة التي أطلقت المسيرة

بدايةً، ما الشرارةُ التي انطلقت منها مسيرةُ ريم السفاف في عالمِ تصميمِ المجوهرات؟
تبلورَ شغفي بتصميمِ المجوهراتِ في الصغر، إذ تأثَّرتُ بمصدرِ الإلهامِ الأوَّلِ لي: نساءُ العائلة. الشرارةُ الأولى نبعت من رؤيةِ والدتي، وجدَّتي، والنساءِ في العائلة، يتزيَّن بأجمل المجوهراتِ فقد كنت أنبهرُ بالقطعِ التي كنَّ يرتدينها، وأشعرُ برغبةٍ عارمةٍ في لمسها وتأمُّلها. كذلك، أذكرُ أنني كلَّما دخلنا متجرَ مجوهراتٍ، كنت أطلبُ السماحَ لي بلمسِ القطع، وتفحُّصها، وهو ما رسَّخ عندي هذا الاهتمام منذ طفولتي.
ومع تقدُّمي في العمر، تحوَّل هذا الانبهارُ إلى شغفٍ، أردتُ تنميته بالمعرفةِ والعمل، وعليه كنت أخصِّصُ دفتراً للرسم، أُعدُّ فيه «سكتشاتٍ» لتصاميمي، والحمد لله وجدتُ دعماً كبيراً من أهلي عبر إحضار كتبٍ عن المجوهراتِ لي، ومساعدتي في قراءتها، والبحثِ والدراسةِ عنها، وتدريجياً تحوَّلت هذه الهوايةُ إلى دراسةٍ بفضل التوجيه الذي تلقَّيته من صائغِ العائلة الذي حمَّسني، وعرَّفني على المدارسِ المتخصِّصةِ لدراسةِ هذا الفنِّ، والتسجيلِ فيها.
وفق أي مفهومٍ، أو فلسفةٍ، بنيتِ هذا المسار؟
تأسَّست علامتي التجاريَّةُ وفق مفهومَين رئيسَين، يُركِّزان على التميُّز والتفرُّد، أمَّا فلسفتي، فتُقسَّم إلى ثلاثةِ أركانٍ، الأوَّلُ هو التجديدُ عبر استخدامِ أحجارٍ كريمةٍ نادرةٍ، أو غير مألوفةٍ، أي «غير متكرِّرةٍ»، و«غير متوفِّرةٍ بكثرةٍ» في السوقِ التقليديَّة، فأنا أهدفُ دائماً إلى تعريفِ الناس، وتوعيتها حول هذا المجالِ الواسعِ من الأحجار، وتسليطِ الضوءِ على جمالها وقيمتها، في حين يقومُ الركنُ الثاني على التفرُّدِ في التصميم، إذ تعتمدُ فلسفتي على دمجِ الألوانِ ببراعةٍ، سواء في الأحجارِ، أو الذهبِ المُستَخدم، أمَّا الركنُ الثالث، فهو قطعةٌ واحدةٌ من كلِّ تصميمٍ، إذ إنني، ولضمانِ تميُّزِ وتفرُّدِ كلِّ سيِّدةٍ، ترتدي إحدى قطعي، أُصمِّم قطعةً واحدةً فقط من كلِّ تصميمٍ، وإذا اضطررتُ إلى تصميمِ أكثر من قطعةٍ للتصميمِ نفسه، فإنني أُغيِّر في الألوانِ المُستَخدمةِ من الأحجارِ الكريمة، أو في ألوانِ الذهبِ نفسه مثل الأصفرِ، والأبيضِ، والوردي.
ما أهميَّةُ دراسةِ علمِ الأحجارِ الكريمة «Gemology» بالنسبةِ إلى مصمِّم المجوهرات، وكيف أثَّرت هذه الخبرةُ، إلى جانبِ دراستكِ التنفيذَ وتاريخَ المجوهراتِ، في جودةِ أعمالك؟
لقد درستُ في معاهدَ مرموقةٍ، منها GIA في إيطاليا، وتحديداً علم الأحجارِ الكريمة، كما تعلَّمتُ تصنيعَ المجوهراتِ في لبنان، وتاريخها بـ Sotheby’s في لندن. هذه الدراسةُ، وسَّعت مداركي حول جميعِ أنواعِ الأحجارِ الكريمة، وقيمتها، وصعوبةِ الحصولِ عليها، وأهميَّةِ تثقيفِ العملاءِ بتقديرِ الحِرفيَّةِ والمهنيَّة. كذلك أثَّرت هذه المعرفةُ المتنوِّعةُ في هويَّتي الإبداعيَّة، إذ تعلَّمتُ التعاملَ مع الأحجارِ المختلفة، وتقنيَّاتِ تركيبها، واستلهمتُ من الأنماطِ التاريخيَّةِ مثل آرت ديكو، وآرت نوفو، مع الإعجابِ بدقَّةِ التقنيَّاتِ القديمةِ التي سبقت التقنيَّاتِ الحديثة.
من عالم التصميم المجوهرات ما رأيك بالتعرف على المصممة العراقية ليلا كوبا
أصمم لكل النساء

مَن المرأةُ التي تتخيَّلينها، وهي ترتدي قطعَكِ؟
أستمتعُ بتخيُّلِ جميع النساءِ، وهنَّ يرتدين قطعَ مجوهراتي. أشعرُ بسعادةٍ غامرةٍ عندما يشعرن بالفخرِ والتميُّزِ لارتداءِ قطعةٍ فريدةٍ، صُمِّمت بشكلٍ خاصٍّ لهن، ويمكنهن ارتداؤها في أي وقتٍ.
ما القطعةُ التي صمَّمتِها وتعدِّينها الأقربَ إلى قلبكِ، ولماذا؟
بصراحةٍ، أشعرُ بأن كلَّ قطعةٍ، أتعبُ في تنفيذها، تستحقُّ أن تُصان، وألَّا أبيعها، أو أتخلَّى عنها، لكنْ من الصعبِ أن أحتفظَ بكلِّ القطع. هناك قطعتان، هما الأقربُ إلى قلبي، لأنهما أوَّلُ قطعتَين قمتُ بصياغتهما. صنعتهما بعد أن تخرَّجتُ في الجامعة، إذ اشتريتُ حجرَين كريمَين، واحدٌ لي والثاني لوالدتي، ثم ذهبتُ بهما إلى المصنع الذي تدرَّبتُ فيه على صياغةِ المجوهرات، وقمتُ بعمليَّةِ الصياغةِ بنفسي مع الصائغ، وما زلنا نحتفظُ بهاتين القطعتَين.
يمكنك أيضًا التعرف على مصممة المجوهرات اللبنانية كاتيا أبو سمر
"الدراسة المتخصصة والمتنوعة في مجال المجوهرات وسعت مداركي وعلمتني تقدير قيمة هذا العالم والعاملين فيه.."
رحلة الإبداع

حدِّدي لنا المراحلَ التي تمرُّ بها قطعةُ المجوهرات من مجرَّدِ فكرةٍ أوَّليَّةٍ إلى أن تصبحَ قطعةً نهائيَّةً جاهزةً للارتداء، وما المشاعرُ التي تنتابكِ وأنتِ ترافقين هذه المراحلَ كلّها؟
رحلةُ الإبداعِ في التصميمِ لها جانبان أساسيان، إمَّا البدءُ من التصميمِ حيث إنني أحياناً، أبدأ الفكرةَ من التصميمِ ذاته، وبعد ذلك أبحثُ له عن الأحجارِ الكريمةِ المناسبة، أو البدءُ من الحجرِ بأن تبدأ الرحلةُ من الحجرِ الكريم نفسه الذي أشتريه من أحدِ المعارض، حسبَ البلدِ الذي أكون فيه، إذ أصمِّمُ بعدها القطعةَ لتناسبه. تالياً، تنطلقُ مرحلةُ شرحِ التصميمِ، ورسمه، ثم شرحه بالتفصيلِ للمنفِّذِ، أو الصائغِ الذي سيقومُ بتنفيذِ القطعة، بعد ذلك أتابعُ تنفيذَ القطعةِ خطوةً بخطوةٍ حتى أتأكَّدَ من أنها أصبحت جاهزةً للعرضِ، أو الاستعمال، ومن أنها مريحةٌ، وثابتةٌ، وسهلةُ الارتداء، ومُتقنةٌ تقنياً لتكون طويلةَ الأمد.
من المعروفِ أنكِ تستخدمين الأحجارَ الكريمةَ غير المألوفة، ما أبرزُ هذه الأحجار، وما الذي يجذبكِ تحديداً لاستخدامها بدلاً من الأحجارِ التقليديَّة؟
أُفضِّل الأحجارَ الكريمةَ غير المألوفة، وأميلُ إلى الألوانِ والأشكالِ الهندسيَّةِ غير التقليديَّة، وأحبُّ بشكلٍ خاصٍّ الأحجارَ المحفورةَ يدوياً مثل الزمرُّدِ، والتورمالين، ومن ناحيةِ اللون، أُفضِّل الزفير والتورمالين. أمَّا بالنسبةِ إلى الألماس، فهو يأتي بقصَّاتٍ مختلفةٍ وجميلةٍ جداً، ومتعارفٍ عليها، لكنني أميلُ إلى القصَّاتِ المميَّزةِ مثل القصَّاتِ الخرزيَّةِ «Bead-cut»، لأنها تمنحُ القطعةَ تميُّزاً فريداً، والقصَّاتِ القديمةِ مثل رووز كات «Rose-cut».
كيف تُحافظين على التوازنِ بين الأسلوبِ العصري والأنتيك في تصاميمكِ؟
أُفضِّل دائماً دمجَ العصري والقديمِ «العتيق» في تصاميمي، وقد يتحقَّقُ هذا التوازنُ عبر شكلِ التصميمِ نفسه، أو طريقةِ تركيبِ الأحجار، أو تعتيقِ ولونِ الذهب، أو حتى باستخدامِ أحجارٍ قديمةٍ، فليس ضرورياً أن يبدو التصميمُ بأكمله قديماً، بل يكفي دمجُ أي من هذه العناصر، ليُظهِرَ «لمسةً عتيقةً» مميَّزةً.
ما رأيكِ في إعادةِ تصميمِ وتحديثِ قطعِ مجوهراتٍ قديمةٍ بوصفه نمطاً من أنماطِ الاستدامة؟
جزءٌ كبيرٌ من عملي، يتعلَّقُ بإعادةِ تصميمِ القطعِ القديمةِ والموروثة لعملائي، ليتمكَّنوا من ارتدائها بشكلٍ متكرِّرٍ، وهذا تحدٍّ محبَّبٌ لي، لذا أعملُ دائماً على إعادةِ تصميمِ القطع الخاصَّةِ بي، لتكون جاهزةً لعملائي.
ما رأيك بالتعرف على مصممة المجوهرات عبير السعيد
اتجاهات متغيرة ومسار ثابت
في ظلِّ المنافسةِ العالميَّةِ القويَّة، ما التحدِّياتُ الرئيسةُ التي تواجهينها بوصفك مصمِّمةَ مجوهراتٍ، تتخصَّصُ في الدمجِ بين الأساليبِ والأحجارِ غير المألوفة؟
أرى أن التحدِّي الحالي، يكمنُ في إقناعِ العملاء بالأحجارِ الجديدةِ وغير المألوفة، لكنَّه تحدٍّ، أصبح سهلاً، لأن الناس صارت أكثر انفتاحاً ووعياً. التحدِّي الحقيقي أن نأتي بأفكارٍ جديدةٍ، وأن نواكبَ التطوُّراتِ باستمرارٍ. نصيحتي للمواهبِ الشابَّةِ بالاستمرارِ في الدراسةِ والتعلُّم، ودمجهما مع الخبرةِ العمليَّة، واستغلالِ الدعمِ المتاح للانطلاق، وعرضِ مواهبهم على العالمِ الخارجي.
ما مشروعاتُكِ المستقبليَّةُ، أو مجموعاتُكِ المقبلةُ التي تُخطِّطين لإطلاقها، وهل تُفكِّرين في التوسُّعِ جغرافياً؟
أنا حالياً في مرحلةِ الاستعدادِ والتجهيزِ لمجموعتي الجديدةِ الخاصَّةِ بالشتاء، تحضيراً لمعارضَ عدة مقبلةٍ، وأتطلَّعُ إلى التوسُّعِ في السوقِ الخارجيَّة، أي خارج السعوديَّة.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط





