هل فكّرت يوماً كيف يمكن لساعة أن تقيس الوقت بدقة من دون بطارية؟ داخل الساعة الميكانيكية عالمٌ كامل من الحركة الدقيقة، تبدأ من نابض يُخزّن الطاقة، تروس تنقلها بدقة ونبض منتظم يشبه ضربات القلب ليضبط الإيقاع.
في هذا المقال سنأخذك في رحلة مبسّطة داخل الساعة الميكانيكية اليدوية؛ لنفهم خطوة بخطوة كيف تتحوّل لفّة صغيرة في التاج إلى حركة منتظمة للعقارب.
ما هي الساعة الميكانيكية؟

أولاً: ما هي الساعة الميكانيكية؟ الساعة الميكانيكية هي تلك الساعة التي تعتمد حركة عقاربها من ثوانٍ، دقائق وساعات، على حركة نابض معدني يتم لفّه من خلال لف تاج الساعة.
لتقريب الفكرة وتبسيطها؛ فحركة هذا النابض تشبه إلى حدّ كبير، آلية عمل ألعاب الأطفال، التي تتحرك عندما نقوم بلف مفتاحها فتقوم اللعبة بالتحرك، لكن متى تتحرك؟ عندما نبعد يدنا عن المفتاح المرتبط بنابض.
إذاً، عند لف التاج وهو المسمار الجانبي في علبة الساعة، ينضغط النابض الرئيسي وتتعبأ الطاقة وتتخزن بداخله، دعينا نطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة تخزين الطاقة.
تليها الخطوة الثانية، عندما يبدأ النابض بالارتخاء ويفك نفسه بنفسه ببطء ليطلق الطاقة تدريجياً، يدفع أول ترس، هذا يسلّم الحركة للثاني، الثاني للثالث، الثالث للرابع وهكذا. إذاً، تمُر الطاقة عبْر سلسلة من التروس الصغيرة، وظيفة هذه التروس: نقل الحركة، تخفيف السرعة وتوزيع الدوران بدقة، هذه المرحلة تسمى بنقل الحركة.
يوجد كذلك داخل علبة الساعة "منظم الحركة"، الذي يعمل مثل صمام أو بوابة؛ فهو لا يسمح للطاقة بالخروج دفعة واحدة؛ بل يطلقها نبضة نبضة، والتي نسمعها على شكل تكات، ويمكننا أن نطلق على هذه المرحلة اسم "تنظيم خروج الطاقة".
مباشرة بعد هذه البوابة، نجد نظام الميزان، ويمكن اعتباره قلب الساعة النابض. يتكوّن هذا النظام من عجلة صغيرة تهتز يميناً ويساراً، مرتبطة بنابض رفيع جداً يعيدها في كلّ مرة. هذا الاهتزاز المنتظم يحوّل الطاقة إلى نبضات متساوية، ويعطي الساعة إيقاعها الثابت. ويمكننا تسمية هذه المرحلة مرحلة تنظيم الوقت.
الآن تنتقل الطاقة بشكل تدريجي من ترس مسنن إلى آخر، وكل واحد منها مسؤول عن تحريك جزئية محددة بالساعة؛ فيدور عقرب الثواني، ثُمّ الدقائق ثمّ الساعات، وهذه ببساطة مرحلة "تحريك العقارب".
إذاً باختصار، الساعة الميكانيكية تخزّن طاقة في نابض، تنقلها عبْر تروس، وينظّمها نظام الميزان ونابض التوازن؛ فتتحرك العقارب بدقة من دون بطارية.
أمثلة على ساعات ميكانيكية يدوية التعبئة

من أبرز الأمثلة على الساعات الميكانيكية يدوية التعبئة، ساعة الجيب 973J-001 من Patek Philippe، التي تأتي بتصميم تقليدي من نوع Lépine. تعمل بحركة ميكانيكية يدوية التعبئة (Manual-Winding)؛ أيْ يتم شحنها عبْر لفّ التاج باليد. تستخدم الحركة نظام ميزان بنابض بريغيه لتنظيم الإيقاع بدقة، وتوفّر احتياطي طاقة يقارب 50 ساعة؛ مما يجعلها مثالاً راقياً على الحركات الميكانيكية اليدوية الكلاسيكية.


كذلك ساعة Jaeger-LeCoultre Calibre 854B التي تتميز بحركة ميكانيكية يدوية التعبئة؛ حيث يتم تعبئة النابض عبْر لفّ التاج يدوياً، وتعرض الوقت بوظيفتي الساعات والدقائق فقط من الجهتين "أعلى وأسفل". هذا يجعلها مثالاً كلاسيكياً آخر على الحركات الميكانيكية التقليدية التي تتطلب منك شحن الطاقة بنفسك.
بما أن النابض يفرّغ طاقته تدريجياً لتشغيل التروس والعقارب في الساعات الميكانيكية ذات التعبئة اليدوية؛ فلا بدّ من إعادة لف التاج بشكل منتظم لإعادة تعبئته، وبذلك يُنصح بلفه مرة كلّ يوم في نفس التوقيت، وذلك لتفادي تفريغ الطاقة المخزّنة تماماً؛ مما سيؤدي إلى توقُّف الساعة إلى أن يتم لف التاج من جديد.
تابعي المزيد: في ختام أسبوع دبي للساعات: جولة في الساعات الميكانيكية الأكثر تعقيداً





