القهوةُ السعوديَّةُ، ليست مجرَّد مشروبٍ عادي، إنها لغةُ الكرمِ والضيافةِ في البلاد حيث تسبقُ رائحتُها، مع الهيلِ والبخورِ، الترحيبَ بالضيف، لذا نجدُ ارتباطاً وثيقاً بين فنجانِ القهوةِ والثقافةِ المحليَّةِ في المجتمعِ السعودي، ويتجلَّى ذلك عبر سلسلةٍ تاريخيَّةٍ حافلةٍ بالعاداتِ والتقاليد، تتمحورُ حول قيمِ ومعاني الكرمِ. وهي مُسجَّلةٌ اليوم ضمن عناصرِ التراثِ الثقافي غير المادي في "اليونسكو".
هذه التقاليدُ والعاداتُ في تقديمِ القهوةِ السعوديَّة، يُعرِّفنا عليها المهندس عبدالله بن كليب، الخبيرُ والمحكِّمُ في تراثِ القهوة، إذ يكشفُ لـ "سيدتي" أسرارَها، وبروتوكولاتِ تقديمها، وأجواءَها المميَّزة، وأحاسيسَ السعادةِ التي تنشرها في المجالس.
القهوة مشروب الضيافة والكرم

تاريخياً، حسبَ المهندس عبدالله بن كليب ، لم تكن القهوةُ مشروبَ الضيافةِ المعتمد، إذ سبقها الحليبُ، والمرقُ في إكرامِ العربي ضيفَه، وهذا كان يتطلَّبُ منه امتلاك المواشي، ما يعني أن الضيافةَ كانت مكلفةً، ويتابعُ: "تالياً، حلَّت القهوةُ بوصفها مشروباً للضيافةِ لدى العربِ، خاصَّةً السعوديين الأوائل، وهناك معتقدٌ خاطئ بأن القهوةَ، شُرِبَت في الخيامِ لدى البدو أولاً، والصحيحُ أنها ظهرت بالحضرِ في مكة المكرَّمة، وبيوت الحجر، ثم انتقلت إلى البادية حيث اهتمَّ بها البدو، بل واستهلُّوا مطالعَ قصائدهم بالقهوة".
مجالس القهوة
تُقوِّي القهوةُ السعوديَّةُ الروابطَ الاجتماعيَّة، فمجالسُها لم تكن يوماً للجلوسِ فقط، وهناك مقولةٌ حولها، تُبيِّن ما يدورُ فيها، وهي: "المجالسُ مدارس، وفضاءٌ ثقافي لتبادلِ الأخبارِ والآدابِ والقصائدِ الشعريَّة". وكما قال أبو تمام:
ولولا خِلالٌ سنّها الشعر ما دَرى بُغاةُ العلا من أين تُؤتى المكارمُ
ويستطردُ المهندسُ عبدالله: "في هذه المجالسِ يتعلَّمُ الأبناءُ القيمَ والأخلاقَ الحميدة، كما تشهدُ أوَّلَ اختبارٍ لهم لإتقانِ فنونِ الضيافةِ بتقديمِ القهوةِ للضيف. أيضاً مجالسُ القهوةِ السعوديَّة كانت مجالسَ للأفراحِ، والأتراحِ، وداراً للقضاءِ للفصلِ بين المنازعاتِ، إلى جانبِ اجتماعِ التجارِ فيها لعقدِ الصفقات". ويوضحُ: "المجلسُ، هو المسرحُ العربي الذي يُجيد خلاله المضيفُ استخدامَ كلِّ تعابيرِ وعباراتِ الترحيبِ بالضيف لإسعاده، ويشهدُ كذلك حمسَ القهوةِ على أنغامِ النجر، والشيلاتِ، والقصائد، ثم إن شربَ القهوةِ فيه، هو أفضلُ وأنبلُ سببٍ للقاءِ الأهلِ والأحباب، إذ يُقال: نكسب معك فنجان".
أنواع القهوة
تتعدَّدُ أنواعُ القهوة، ومن أفضلها، كما يُؤكِّد المهندس عبدالله، تلك التي تتميَّزُ بدرجةِ جودةٍ عاليةٍ، وتخلو من العيوب، منها قهوةُ الروبوستا التي تُزرَع في شرقِ آسيا وأمريكا الجنوبية، خاصَّةً البرازيل، فهي تنفردُ بحجمِ الحبةِ الكبير، و"المرارة"، واحتوائها على نسبةٍ عاليةٍ من الكافيين. وهناك أيضاً قهوةُ "الأربيكا"، وتُزرَع في جنوب السعوديَّةِ واليمن وإثيوبيا، وتتميَّزُ بأنها أقلُّ مرارةً، وأكثر حلاوةً في المذاق، وتقلُّ فيها نسبة الكافيين.
ويُؤكِّد أن البنَّ الخولاني، الذي يُزرَع في مدينةِ جازان السعوديَّة، من السلالاتِ النادرةِ للبن، ويتميَّزُ بنكهةٍ قريبةٍ من المُكسَّرات.
طريقة إعداد القهوة
تمرُّ عمليَّةُ إعدادِ القهوةِ السعوديَّةِ بمراحلَ عدة، تبدأ بتحميصِ القهوة، ثم تبريدها، وبعد ذلك يتمُّ دقُّها بالنجر "الهاون"، وتالياً تُوضَع على النارِ لتغلي، ثم تُضاف إليها التوابلُ، أو المنكِّهات، وتُصبُّ في دلَّةِ التقديم، ويزيدُ المهندس عبدالله: "تختلفُ درجةُ تحميصِ القهوة، والنكهاتِ المضافة إليها بين المناطقِ السعوديَّة ففي الوسطى تُحمَّص القهوةُ بدرجةِ اللونِ الأشقر، ويُضاف إليها الهيلُ والزعفران، وفي الشماليَّة تتميَّزُ بلونها الغامقِ بسبب زيادةِ درجةِ تحميصها".
توابل القهوة
تتعدَّدُ التوابلُ والمنكِّهاتُ المضافةُ إلى القهوة، ومنها الهيلُ، والزعفرانُ، والزنجبيلُ، والقرنفل، وكذلك تختلفُ الكميَّةُ المضافةُ من منطقةٍ إلى أخرى، إذ تتميَّزُ القهوةُ الجنوبيَّةُ بكثرةِ إضافةِ الزنجبيلِ والقرفة، وفي المنطقةِ الغربيَّةِ تتصدَّرُ المستكة هذه المنكِّهات، أمَّا في الشرقيَّة فيُستَخدم الزعفرانُ والهيل. وفي هذا الجانبِ، يُوضح المهندس عبدالله: "لابد من الحذرِ عند إضافةِ هذه التوابلِ إلى القهوة وذلك بأن تُضاف بكميَّةٍ معيَّنةٍ، وعند درجةِ حرارةٍ محدَّدةٍ، فهي من التوابلِ النفَّاذة. كذلك يجبُ الحذرُ من المبيِّضاتِ والنكهات، ومعرفةُ مصدرها، وبالنسبةِ إلى الهيل، يُفضَّل إضافتُه مباشرةً إلى القهوة المُقدَّمة للضيف، وعدمُ تخزينِ المطحون".
أخطاء في إعداد القهوة
عند تجهيزِ القهوةِ، يرتكبُ بعض الأشخاصِ أخطاءً عدة، من ذلك تركها فترةً طويلةً بعد طحنها، إذ يتسبَّبُ هذا الأمرُ في فقدانِ الزيوتِ الطيَّارةِ الموجودةِ فيها، كما يجبُ حفظها في أماكنَ معتمةٍ وباردةٍ، ويتابعُ المهندس عبدالله: "حتى لو تمَّ تحميصُ كميَّةٍ من القهوةِ تكفي أسبوعاً، يجبُ أن تُطحنَ بشكلٍ يومي. كذلك يجبُ عدم طحنها بشكلٍ ناعمٍ جداً كيلا تترسَّبَ في الفنجان، وتُؤثِّر في الطعم، والأفضل طحنُ القهوةِ بشكلٍ متوسطٍ، إذ ينتجُ عن ذلك فنجانُ قهوةٍ نقي مثل عين الحمامة، كما يُقال".
فنجان القهوة
يُشدِّد المهندس عبدالله على أن "فنجانَ القهوةِ، هو رسولُ السلامِ والمحبَّة، والفنجانُ أوَّلُ ما يُصادف الضيفَ بعد الترحيبِ به باليد، ويختزلُ كثيراً من قيمِ الضيافةِ وحرارةِ الترحيب".
وعن عاداتِ تقديمها، يجيبُ: "عند تقديمِ القهوة، يجبُ البدء من الجهةِ اليمنى من المجلس، أو من عند الشخصِ الأكبر سناً، وتُمسَك الدلَّةُ، وتُصبُّ باليدِ اليسرى، ويُقدَّم الفنجانُ للضيفِ باليمنى، ويُقال له عند التقديمِ: سم فنجانك. وكأنَّ الفنجانَ ملكٌ له". ويُضيف: "يرمزُ تعبئةُ فنجانِ القهوةِ إلى كره وجودِ الضيف، والعكسُ صحيحٌ، ومن المتعارفِ عليه أيضاً تكرارُ المُضيفِ الصبَّ حتى يهزَّ الضيفُ فنجانه".
التمر رفيق القهوة
تقديمُ التمرِ مع القهوةِ الغايةُ منه التخفيفُ من مرارةِ القهوةِ عند احتسائها.
وحول نوعِ هذا التمر، يردُّ المهندس عبدالله: "التمرُ المقدَّمُ مع القهوةِ للضيف يجبُ أن يكون من حصادِ الموسم، فلا يُقدَّم من مكنوزِ التمرِ المجمَّد بفصلِ الصيف في موسمِ توفُّرِ الرطب. كذلك تُقدِّم بعض القبائلِ السمنَ والدهنَ لتغميسِ التمر. ومن العاداتِ أيضاً تقديمُ التمرِ أولاً، ثم القهوة، في حين يُقدِّم بعضهم التمرَ مع القهوةِ في اللحظةِ نفسها". ويزيدُ: "ظهرت أنواعٌ من بودرةِ ودبسِ ومربى التمر، ولها استخداماتٌ في مجالِ العطورِ والبخور".
القهوة سريعة التحضير
يؤكد المهندس عبدالله حديثه أن "كثيراً من الناسِ يتوجَّهون حالياً للمحامصِ الآليَّةِ المتطوِّرة، ويستخدمون الدلالَ الكهربائيَّة، والترامس، وأحدثَ التقنيَّاتِ لإعدادِ وتقديمِ القهوة. أيضاً ظهرت أنواعٌ من ظروفِ القهوةِ سريعةِ التحضير، وهي قريبةٌ من مذاقها الأصلي، وأرى أنها مفيدةٌ لاختصارِ الوقت، كما أن هذه الاستخداماتِ الجديدة للقهوةِ مفيدةٌ للمزارعين والتجارِ، وفي استدامةِ عنصرِ القهوة".
مسابقات تحكيم القهوة السعودية
يُشير المهندس عبدالله بن كليب إلى أن التحكيمَ في مسابقات القهوة التي تقام يتمُّ حسبَ نوعِ المسابقة، "إذ إن كلَّ مسابقةٍ لها مكانٌ تُنظَّم فيه، وشروطٌ، وظروفٌ خاصَّةٌ بها، وراعٍ رسمي، كذلك تختلفُ عناصرُ التقييم، بما في ذلك: عاداتُ تقديمِ القهوة، وتراثُها، ونوعُها، ومذاقها، والنسبُ ما بين القهوةِ والهيلِ والتوابلِ الأخرى، ومدى تراكمِ القهوة، وتناسقُ النكهاتِ مع بعضها، وخلو القهوةِ من العيوب، ودرجةُ تحميصها، إضافةً إلى شبَّة الحطب، وطريقةِ دقِّ النجر، ونغماته الخاصَّةِ التثليثة والتربيعة والتخميسة، فلكلٍّ منها مدلولاتها، وهناك أيضاً طريقةُ استخدامِ الدِّلالِ النظيفة".
اقرأ المزيد : الدكتورة رانية خوقير: الأزياء التراثية ليست مجرد موروث شكلي بل ذاكرة حيّة تختزن تفاصيل المجتمع

Google News