تمرد المراهقين بنات وصبية سلوك يؤرق الأسر؛ في لحظة ما يشعر كثير من الآباء بأنهم فقدوا السيطرة على أبنائهم، الطفل الذي كان قريباً، حنوناً، كثير الكلام، أصبح مراهقاً صامتاً أو عصبياً، يرفض النصيحة، ينفجر غضباً لأسباب تافهة، أو ينسحب فجأة من العائلة من دون مقدمات.
بينما يؤكد أساتذة الطب النفسي أن تمرد المراهق عملية تبدأ في الدماغ، وهو سلوك طبيعي ناتج عن الرغبة في الاستقلال، تأكيد الهوية، وبسبب تغيرات هرمونية ونفسية، فتجدينه أيتها الأم: يرفض الأوامر ومعها يختبر الحدود، ينفصل نفسياً عن جو الأسرة، ويتم العلاج من خلال التواصل المفتوح بين المراهق أو المراهقة والأهل، الحزم بمرونة، الاحترام المتبادل، وتجنب الصدام المباشر.
للتعرف إلى معنى التمرد ومظاهره ودور الأم وسبل العلاج التقينا والدكتورة سلوى حامد أستاذة طب نفس الطفل للشرح والتوضيح.
لماذا يتمرد المراهق، وما أسبابه؟

- تعبير عن الاستقلال: محاولة لإثبات النفس كشخص بالغ وليس كطفل.
- رغبة في تأكيد الهوية: البحث عن الذات بعيداً عن أفكار وقيم الوالدين.
- سلوك طبيعي: جزء من النمو والتطور النفسي لتشكيل شخصيته.
- رفض الأوامر: التمرد على القواعد والقيود المفروضة من سلطة الوالدين.
أسباب تمرد المراهق:
- التغيرات الهرمونية والنفسية: تقلبات مزاجية وتغيرات جذرية في الجسم وتكوين الدماغ.
- البحث عن الاستقلالية والسيطرة: رغبة في اتخاذ القرارات الشخصية.
- ضغط الأقران: محاولة التماهي مع الأصدقاء للشعور بالقبول.
- الرغبة في جذب الانتباه: سلوكيات سلبية ناتجة عن شعور بالإهمال أو الرغبة في لفت الأنظار.
- فحص الحدود: اختبار مدى قبول الوالدين لسلوكياتهم.
- مشاكل أساسية: مثل التنمر أو الضغوط الدراسية أو مشاكل في المنزل.
من المسؤول عن التمرد؟
الحقيقة الصادمة:

حيث يكشفها علم النفس العصبي اليوم وهي أن المراهق لا يختار هذا السلوك عمداً، بل يمر بواحدة من أخطر وأعقد المراحل في تكوين الدماغ البشري، مرحلة تعيد تشكيل شخصيته بالكامل. علمياً المراهقة ليست مرحلة عمرية فقط، أو مجرد تغيرات هرمونية أو نفسية، بل هي عملية إعادة هندسة عصبية كاملة للدماغ. وخلال هذه المرحلة يتغير شكل الدماغ، وتُعاد برمجة الدوائر العصبية، وتُزال بعض الوصلات العصبية وتُقوّى أخرى، الدماغ هنا يشبه موقع بناء مفتوح؛ أجزاء تُهدم وأخرى تُبنى، وكل ذلك يحدث بينما المراهق مُطالب بالتصرف كـشخص عاقل.
تفاصيل الإجابة بالتقرير متى يجب أن تشعري بالقلق على ابنك وابنتك المراهقة؟
الجزء الأخطر:
الفص الجبهي غير مكتمل، وهو الجزء المسؤول عن ضبط الانفعالات، التفكير المنطقي، اتخاذ القرار، توقع العواقب، وهذا الجزء لا يكتمل نموه إلا بعد سن 24–25 عاماً، وفي المقابل، تكون مراكز المشاعر، ومراكز المتعة، ومراكز الاندفاع، في قمة نشاطها.
والنتيجة: مشاعر قوية + اندفاع عالٍ + تحكم ضعيف، وهو ما يفسر الغضب المفاجئ، القرارات المتهورة، والرفض الحاد للنصيحة.
لماذا يبدو المراهق وكأنه يكره أهله؟

كثير من الآباء يشعرون بالألم حين يصدّهم المراهق، فهو يرفض الحديث، وهي تتعامل ببرود أو عدوانية.
بينما التفسير النفسي مختلف تماماً؛ المراهق لا يكره أهله، بل يحاول الانفصال النفسي عنهم.
يبحث عن هويته المستقلة؛ لأنه يخشى أن يظل "طفلاً" في نظرهم، وأي تدخل أو نصيحة قد تُفسر داخلياً كـتهديد لاستقلاله.
ولماذا يعاند وهو مقتنع؟
ويعد هذا السلوك واحداً من أكثر السلوكيات المحيرة، ويتمثل في أن المراهق قد يعارض رأياً صحيحاً، ثم يفعله لاحقاً وكأنه قراره.
السبب؛ دماغه لا يقبل الإملاء، لكنه يقبل التجربة الذاتية، يحتاج أن يشعر بأن القرار نابع منه، وهنا تقع الأسر في خطأ شائع، فتتحول النصيحة إلى معركة كرامة.
أخطاء تربوية شائعة تُفاقم الأزمة

مراهقة ترفض توجيهات الأم
- التقليل من المشاعر: جمل مثل: "ده كلام فاضي"، "كبر دماغك"، "أنت مكبر الموضوع"، ما يجعل المراهق يشعر بأن مشاعره غير معترف بها.
- المقارنة: مقارنة المراهق بإخوته، بأقاربه، بزملائه، تدمّر الثقة بالنفس، وتدفعه للعناد أو الانسحاب.
- السيطرة بدل الاحتواء: المراقبة المبالغ فيها، تفتيش الهاتف، التجسس، المنع المستمر، وهذا يدفع المراهق لحياة سرية أخطر.
- المراهق والدماغ الاجتماعي: خلال هذه المرحلة يصبح رأي الأصدقاء أهم من رأي الأسرة، يشعر بأن الانتماء للجماعة مسألة حياة أو موت، لهذا قد يغامر، يقلد سلوكيات خاطئة، ويخالف قناعاته ليس ضعفاً، بل حاجة عصبية للانتماء.
أهمية دور الأسرة

- التواصل المفتوح والإنصات: فتح حوار هادئ والاستماع لمخاوفه دون مقاطعة أو إطلاق أحكام.
- الحفاظ على الهدوء: عدم الانفعال الزائد والتحلي بالصبر عند حدوث التمرد.
- وضع قوانين واضحة: تحديد قواعد ثابتة ومفهومة مع تطبيق عواقب منطقية للسلوكيات السلبية.
- التعزيز الإيجابي: مكافحة السلوكيات الجيدة وتشجيعها، بدلاً من التركيز فقط على السلبيات.
- منح الاستقلالية والخصوصية: السماح للمراهق باتخاذ خياراته الخاصة ضمن حدود آمنة.
- الحزم لا القسوة: التعامل بحزم ولكن بلطف، وتجنب القسوة المفرطة أو اللوم.
- المصاحبة: بناء علاقة صداقة وثقة مع المراهق ليكون الأهل هم المرجع الأول.
- من المهم التفريق بين التمرد الطبيعي وبين السلوكيات الخطيرة التي قد تتطلب تدخلاً متخصصاً.
- استشارة الطبيب أولاً للتأكد من عدم وجود مشكلات نفسية أو مرضية أخرى، قبل أن يُفترض أن الطفل يعاني من اضطراب التمرد.
- التفاوض مع الأطفال، ومناقشتهم فيما يريدونه، وسماعهم وفهمهم، إلى جانب منحهم بعضاً من الحريّة.
- طرح بعض الأسئلة، مثل: "ماذا حدث؟ أين الخطأ؟ كيف يُمكن أن أساعدك؟" ما يُحفز الطفل على التعبيرِ عن احتياجاتِه.
- الحرص على توجيه المدح والثناء عند القيام بتصرّف جيد؛ حتى يشعر بالأمان والاتّزان، وعند قيامه بأمر سيء يجب على والديه تنبيهه.
- يُنصح الأهل بالاستماع لآراء أبنائهم المراهقين وفهم ما يريدون، ومحاولة نقاشهم والتعاون معهم، وتقديم التعاطف والمودّة والحبّ لهم.
- يحتاج الطفل لكلمات تزرع الثقة في نفسه، دون محاولة إجباره؛ فالمراهق يحبّ أن تحظى آراؤه وخياراته بالاهتمام.
- على الآباء تشتيت انتباه الابن المراهق؛ حالة رؤيته يتجه نحو سلوك غير مرغوب فيه؛ عن طريق سؤاله.
- نصح الابن المراهق بتقسيم أي مهمة إلى أجزاء صغيرة حتى يتمكن من إتمامها، إذا لاحظ عدم قُدرته على إتمام المهام والواجبات.
- التعامل مع المراهق المتمرد، والمبادرة لمشاركته في العمل المطلوب منه، سيدفعه للقيام بما عليه فعله دون شعوره بأنّه يُنفّذ الأوامر.
- وجود روتين في حياة الطفل يحسن من سلوكه وأدائه الدراسي؛ إذ يصبح بإمكانه توقّع مجرى الأمور والأحداث في يومه دون اضطراب.
- اللّجوء إلى الحزم أحياناً واتباع أسلوب التحذير؛ حالة قيام المراهق بتصرّفات خاطئة وإنذاره للتوقّف وإلا العقاب، فكن حاضراً لا مسيطراً، اختر معاركك. وضع حدوداً واضحة.
متى يكون السلوك إنذاراً حقيقياً؟
انتبه إذا لاحظت: انعزالاً شديداً، تغيّراً حاداً في النوم، عدوانية غير معتادة، فقدان الشغف، إيذاء النفس، هذه علامات تستدعي تدخلاً مهنياً فورياً.
دور الأم مختلف ودور الأب مختلف؛ الأم: مصدر الأمان العاطفي، الأب: نموذج القوة والحدود، وغياب أحد الدورين أو اختلاله: يزيد ارتباك المراهق.
العلاج النفسي للمراهق ضرورة، واللجوء لمختص نفسي ليس فشلاً تربوياً، بل وعي مبكر، ووقاية من مشكلات أكبر، الدعم النفسي في هذه المرحلة قد يغيّر مسار حياة كاملة.






