رواية القصص والحكايات للأطفال لم تعد مجرد جلسة أسرية دافئة، أو وقت لطيف تمضيه الأم بجانب طفلها قبل النوم، ولم يعد محتواها يقتصر على تحفيز الطفل على فعل الخير والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد فقط، بل أصبحت الحكاية في عصرنا الحالي تضم فكرة جديدة، ومضة مضيئة، خطوة جادة نحو مستقبل أفضل وشخصية أقوى، وتفعيل إيجابي لفكر وطاقات الطفل.
وقصة اليوم "رحلة عمر لإعادة الأشياء القديمة لجديدة " حكاية بسيطة مُلهمة تُحفز ثقة الطفل بنفسه، وتعلمه معنى إعادة تدوير الأشياء، من خلال تحويل ما لديه -ولا يُستعمل- إلى ألعاب أو أدوات مبتكرة، وهذا يغرس بداخله الوعي البيئي والمسؤولية تجاه مجتمعه منذ الصغر.
بداية الحكاية

تبدأ الحكاية وسط إحدى فترات الاستراحة في المدرسة؛ حيث جلس ثلاثة من الأصدقاء تحت ظل شجرة كبيرة في ساحة المدرسة، كانت سعاد تحمل زجاجة ماء فارغة، بينما كانت سلمى تقلب بين يديها علبة كرتونية صغيرة، أما عمر فكان يحمل مقلمة صنعها بنفسه. وقبل أن يبدأ حوار الأصدقاء الثلاثة، رجع بطل القصة عمر، 8 سنوات، إلى الوراء من قبل أسبوعين؛ عندما تذّكر أنه لاحظ في أحد الأيام أن غرفته تمتلئ بالألعاب المكسرة، وبالعربات الصغيرة التي لا تعمل، وكذلك منزله الذي يحوي العديد من الأشياء المستهلكة؛ مثل: العلب البلاستيكية الفارغة، والكرتون، والأغطية الملونة.
كيف تكتشفين اهتمامات طفلك المبكرة وتدعمينها؟ وكيف تتعاملين معها؟
ماذا فعل عمر؟

وقتها، ماذا فعل عمر؟ لم يقرر عمر التخلص منها في سلة المهملات، بل استعان بما قرأه عن فكرة تدوير الأشياء، واستغلال القديم لصنع شيء جديد، وقام في يوم إجازته الأسبوعية من المدرسة بإحضار المقص وبعض الألوان، وبدأ في قص ولصق بعضٍ من هذه المواد؛ ليصنع منها ألعاباً ممتعة وأدوات مفيدة.
لم يوفق عمر في بداية رحلة التدوير، ولم يقتنع بشكل يستطيع تكوينه من هنا وهناك، ولكن برغبته الجادة في تنفيذ ما عزم عليه، وبثقة عالية بنفسه، وحلم جميل بإسعاد من حوله؛ استطاع بعد مرور أسبوعين أن يعدّ سيارة سباق صغيرة باستخدام العلب البلاستيكية وأغطية الزجاجات كعجلات، وقرر إهداءها لأخيه الأصغر.
وفي اليوم التالي، تمكّن من عمل أو تكوين حصّالة نقود مبتكرة من علبة كرتونية صغيرة وزيّنها بالرسومات، ومقلمة لأقلامه من خلال تزيين العلب المعدنية الفارغة. شعر عمر طوال تلك الأيام بمزيد من الثقة وكثير من الفخر والحب لما يفعله، بل أخذ يسجّل في كراسته ما ينوي تنفيذه، وكتب أسماء أصحابه وجيرانه الذين سوف يهديهم نتاج تدويره للأشياء القديمة.
صديقان واثقان بعملهما

وعندما أفاق الطفل عمر من غفوته التي ذكّرته ببدايات رحلة التدوير، قال لصديقتيه سعاد وسلمى بحماس: هل تعرفان أن مقلمتي هذه لم أشترها من المتجر؟
اتسعت عينا سعاد بدهشة وصاحت: حقاً؟ ومن أين حصلت عليها؟
ابتسم عمر وقال بفخر واعتزاز: كانت في الأصل علبة عصير فارغة كبيرة، كنت سأرميها في سلة المهملات، لكنني قررت تنظيفها وتزيينها بالألوان والملصقات، والآن أستخدمها كل يوم لحفظ أقلامي.
أعجبت سلمى كذلك بالفكرة، وقالت: هذا رائع! لقد أعطيتها حياة جديدة بدلاً من التخلص منها. هزَّ عمر رأسه بثقة وقال: صحيح، وقد تعلمت من قراءاتي عن فكرة التدوير؛ أن كثيراً من الأشياء التي نعتقد أنها انتهت يمكن استخدامها مرة أخرى بطرق مفيدة.
رفعت سعاد الزجاجة التي كانت في يدها وقالت: هذا يذكّرني بما أفعله في المنزل، واقترب الصديقان ليستمعا إليها.
تجربتي مع أطفالي وأمي في العطلة.. غيَّرت وأضافت الكثير! هل تودين مطالعتها؟
طفلة تجمع ألعابها

قالت سعاد: دعوني أحكي لكما تجربتي المشابهة: اعتادت أمي أن تضع ثلاث سلال مختلفة في المطبخ؛ واحدة للورق، وواحدة للبلاستيك، وواحدة لبقية النفايات، في أول الأمر كنت أخلط كل شيء معاً، لكن أمي شرحت لي أن فرز النفايات يساعد على إعادة تدوير الكثير من المواد بدلاً من رميها، ووضع هذه الأكياس يسهل الأمر علينا جميعاً.
سأل عمر: وهل أصبح الأمر سهلاً؟
ضحكت سعاد وقالت: في البداية كنت أنسى أحياناً، لكنني الآن أستطيع التمييز بين الأشياء بسرعة، حتى أخي الصغير بدأ يساعدني.
قالت سلمى: يبدو أنكما تقومان بأشياء رائعة، أنا أيضاً لديّ قصة.
نظرت إليها سعاد باهتمام، هيا أخبرينا.
أمسكت سلمى بالعلبة الكرتونية الصغيرة وقالت: قبل أسابيع كنت أجمع علب الكرتون الفارغة من المنزل، كنت أفكر في رميها، لكن معلمتي حدثتنا عن إعادة الاستخدام، فقررت أن أصنع منها بيتاً صغيراً لدمى أختي.
ضحك عمر وقال: هذا هو معنى التدوير كما قال لي أبي، وهل نجح الأمر؟
أجابت سلمى بفخر: أكثر مما توقعت! خاصة بعد أن أضفت نوافذ وأبواباً ورسمت عليها بالألوان الجميل. أختي ما زالت تلعب به حتى اليوم
قالت سعاد: إذن أنتِ أيضاً منحتِ شيئاً قديماً فرصة جديدة.
أومأت سلمى برأسها: نعم، واكتشفت أن إعادة الاستخدام فكرة ممتعة جداً، تجعلنا أحياناً لا نحتاج إلى شراء أشياء جديدة ما دمنا نستطيع الاستفادة مما لدينا بالفعل. ساد الصمت للحظة، بينما كان الأصدقاء الثلاثة يفكرون في قصصهم.
ثم قال عمر: يبدو أن كل واحد منا يقوم بإعادة التدوير أو إعادة الاستخدام بطريقة مختلفة.
وأضافت سعاد: والأجمل أن هذه الأشياء الصغيرة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.
هدايا لأصدقائي من صنع يدي

سألت سلمى: لكن ما الفائدة من كل ذلك؟
فكر عمر قليلاً، ثم قال: نحن نقدم مساعدة لبلدنا -حتى لو كانت بسيطة- فعندما نعيد استخدام الأشياء أو نفرز النفايات، نقلل كمية القمامة التي تذهب إلى المكبات.
وأضافت سعاد: كما أن إعادة التدوير يساعد على توفير المواد الخام والطاقة المستخدمة في صناعة المنتجات الجديدة.
وقالت سلمى: وتساعد أيضاً في الحفاظ على نظافة البيئة وتقليل التلوث.
ابتسم الأصدقاء الثلاثة وهم ينظرون إلى ساحة المدرسة، ثم قال عمر: لم أكن أظن أن علبة عصير قديمة يمكن أن تعلمني كل هذا!
ضحكت سعاد وقالت: حتى أنا لم أكن أتوقع أن فرز النفايات قد يصبح عادة يومية سهلة.
وأضافت سلمى: أما أنا فقد تعلمت أن الأشياء القديمة قد تخبئ أفكاراً جديدة وممتعة.
هنا رنّ جرس المدرسة، مُعلناً انتهاء الاستراحة. نهض الأصدقاء الثلاثة متجهين إلى صفوفهم، لكنهم اتفقوا على شيء واحد؛ أن يبدأ كل منهم رحلة جديدة للبحث عن أشياء يمكن إعادة استخدامها أو تدويرها بدلاً من رميها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحوا يكتشفون كل أسبوع طريقة جديدة تساعدهم على حماية البيئة، وخطوة بعد خطوة أدركوا أن التغيير الكبير يبدأ أحياناً من أبسط العادات اليومية، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، كما قال أجدادنا.
أهمية تعلم إعادة التدوير للأطفال
تؤكد التربوية عاليا الحسيني تعدد الفوائد التي يجنيها الطفل من تعلم فكرة التدوير، وما يتبعها من أنشطة لتشمل الجوانب التالية:
- تطوير الإبداع والخيال للطفل.
- يتعلم الطفل كيفية الابتكار واستخدام الأشياء غير المستعملة لصنع أشياء جديدة.
- تقوية المهارات الحركية.
- الأنشطة اليدوية المرتبطة بالقص واللصق والتلوين تقوي عضلات اليد والأصابع.
- بناء الشخصية والمسؤولية.
- تعليم الأطفال كيفية فرز النفايات والحفاظ على البيئة ينمي لديهم شعور المسؤولية والتعاون.
تقديم المساعدة:
- فكرة إعادة التدوير طريقة يمكن بها تقليل كمية القمامة التي يجب التخلص منها، بدلاً من تلوث الأرض والهواء.
- بإعادة التدوير، يمكن إعادة استخدام بعض الأشياء التي كان من المفترض التخلص منها، وتصنيع منتجات جديدة منها.
- إعادة تدوير الورق يساعد في الحفاظ على الأشجار والنباتات التي يجب قطعها والحياة البرية بصورة عامة.
- بيع المواد المعاد تدويرها يساعد على تعويض جزء من التكاليف ويوفر مقداراً لا بأس به من المال، كما أنه يجعل هذه المنتجات أرخص.
- التدوير يساعد على توفير الطاقة، ويقلل من كمية الغازات المنبعثة من عملية التصنيع بنسبة كبيرة، ويقلل من مقدار الغاز المستخدم.
- إعادة تدوير النفايات يساعد على خلق المزيد من فرص العمل والوظائف المحلية؛ إذ إن كل وظيفة في محرقة أو مكب للنفايات يقابلها 10 وظائف لإعادة التدوير، و25 وظيفة لتصنيع منتجات من إعادة التدوير.


Google News