يُعدّ اضطراب طيف التوحد من أكثر الموضوعات التي تثير قلق الأمهات خلال فترة الحمل، خاصة مع انتشار كمّ كبير من المعلومات المتضاربة على الإنترنت، ما بين آراء شخصية ودراسات علمية متقدمة، ولذلك فإن إعادة طرح هذا الموضوع بشكل أوضح، مع تحديد الدراسات الحديثة وأماكن إجرائها، يُعد أمرًا ضروريًا لطمأنة الأمهات وتقديم صورة علمية دقيقة بعيدة عن التهويل أو التبسيط المخل، لأن فهم العلاقة بين الحمل والتوحد لا يمكن أن يتم إلا من خلال تتبع الأبحاث الطبية التي أُجريت في مراكز علمية عالمية، والتي حاولت فك هذا اللغز المعقد، فهل يمكن أن تحمي الحامل جنينها من التوحد؟ هذا ما يكشفه الأطباء والمتخصصون من خلال هذه الأبحاث التي أجريت.
في البداية، من المهم التأكيد على أن التوحد ليس مرضًا بسيطًا له سبب واحد مباشر، بل هو اضطراب نمائي عصبي معقد، تلعب فيه العوامل الوراثية الدور الأكبر، حيث أظهرت دراسة كبيرة أُجريت في معهد كارولينسكا في السويد بعنوان The Heritability of Autism Spectrum Disorder (2017)، ونُشرت في مجلة طبية مرموقة، أن العوامل الجينية تفسّر ما يقارب 70% إلى 80% من حالات التوحد، وذلك بعد تحليل بيانات مئات الآلاف من الأطفال، مما يعني أن الجزء الأكبر من احتمالية الإصابة يرتبط بالتركيب الوراثي، وليس فقط بما يحدث أثناء الحمل، وهو ما يخفف كثيرًا من شعور الذنب الذي قد تحمله بعض الأمهات.
علاقة التوحد بسكري الحمل

أكدت دراسات على أن هناك عوامل قد تزيد من احتمالية ظهور التوحد عند وجود استعداد وراثي مسبق، ومن أبرز هذه الدراسات، دراسة واسعة أُجريت في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام الباحثون بمتابعة آلاف حالات الحمل، ووجدوا أن بعض الحالات مثل سكري الحمل وارتفاع ضغط الدم قد ترتبط بزيادة طفيفة في خطر التوحد، ولكن هذه العلاقة لم تكن سببية مباشرة، بل إحصائية فقط، أي أن وجود هذه الحالات لا يعني أن الطفل سيصاب بالتوحد، بل قد يرفع الاحتمال بنسبة محدودة.
علاقة التوحد باكتئاب الحامل
في دراسة أخرى حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة علمية تابعة لدار Nature Publishing Group، وأُجريت بالتعاون بين عدة مراكز بحثية في أوروبا، تم تحليل بيانات صحية لأكثر من مليون حالة حمل، وخلصت النتائج إلى أنه لا يوجد دليل قوي على أن الأمراض التي تصيب الأم أثناء الحمل، مثل العدوى أو الاكتئاب، تسبب التوحد بشكل مباشر، بل إن هذه العلاقات قد تكون ناتجة عن عوامل مشتركة مثل الوراثة أو نمط الحياة، وهو ما يُعد من أهم النتائج التي ساهمت في تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة.
علاقة التوحد باستخدام بعض الأدوية أثناء الحمل
من الدراسات المهمة أيضًا تلك التي أُجريت في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تناولت العلاقة بين استخدام بعض الأدوية أثناء الحمل، مثل مسكنات الألم الشائعة، وخطر الإصابة بالتوحد، حيث أظهرت النتائج أن الاستخدام المفرط لبعض الأدوية قد يكون مرتبطًا بزيادة طفيفة في الاحتمال، لكن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج لا تعني وجود علاقة سببية مؤكدة، وأنه لا يجب على الأمهات التوقف عن الأدوية الضرورية دون استشارة الطبيب، لأن ترك الحالة المرضية دون علاج قد يكون أكثر خطورة على الجنين.
علاقة التوحد باضطرابات الغدة الدرقية

وفي مجال آخر، اهتمت الأبحاث بدراسة دور الغدة الدرقية أثناء الحمل، حيث أُجريت دراسة في الجمعية الأمريكية للغدد الصماء، وأظهرت أن اضطرابات الغدة الدرقية غير المعالجة لدى الأم قد ترتبط بزيادة خطر اضطرابات النمو العصبي لدى الطفل، بما في ذلك التوحد، وذلك لأن هرمونات الغدة الدرقية تلعب دورًا أساسيًا في تطور دماغ الجنين خلال الأشهر الأولى من الحمل، مما يجعل المتابعة الطبية لهذه الحالة أمرًا مهمًا للغاية.
علاقة التوحد بالجهاز المناعي للأم
كما برزت في السنوات الأخيرة دراسات تتعلق بالجهاز المناعي للأم، ومن أبرزها أبحاث أُجريت في جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم التوصل إلى أن بعض الاستجابات المناعية لدى الأم، مثل وجود أجسام مضادة معينة، قد تؤثر على تطور دماغ الجنين، وهو ما يُعرف بنظرية "تنشيط المناعة الأمومية"، وهي نظرية لا تزال قيد البحث، لكنها تعزز فكرة أن التوحد قد يكون نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل.
علاقة التوحد وتلوث الهواء أثناء الحمل
ومن ناحية البيئة، أُجريت دراسات في كندا والدنمارك حول تأثير التلوث البيئي، حيث أظهرت بعض النتائج أن التعرض لمستويات عالية من تلوث الهواء أثناء الحمل قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالتوحد، خاصة في المناطق الصناعية، لكن هذه النتائج لا تزال تحتاج إلى مزيد من التأكيد، لأنها تتأثر بعوامل كثيرة مثل نمط الحياة والوضع الاقتصادي.
علاقة التوحد بالتوتر النفسي أثناء الحمل

ومن الدراسات الحديثة أيضًا ما تناول تأثير التوتر النفسي أثناء الحمل، حيث أُجريت أبحاث في جامعة ديكين في أستراليا، وأشارت إلى أن التوتر الشديد والمزمن قد يؤثر على بعض الهرمونات المرتبطة بالحمل، مما قد ينعكس بشكل غير مباشر على تطور الجنين، ولكن الباحثين أكدوا أن التوتر وحده لا يسبب التوحد، بل قد يكون عاملًا مساعدًا ضمن مجموعة عوامل أخرى.
وبعد استعراض هذه الدراسات، يتضح أن العلاقة بين الحمل والتوحد ليست علاقة سببية مباشرة، بل هي علاقة احتمالية معقدة، تتداخل فيها الجينات مع البيئة، وهو ما يجعل فكرة "منع التوحد" أثناء الحمل غير دقيقة علميًا، ولكن في المقابل، يمكن للأم أن تقلل من بعض عوامل الخطر من خلال اتباع نمط حياة صحي ومدروس.
نصائح تؤكد عليها الدراسات لحماية الطفل من التوحد أثناء الحمل

ومن أهم النصائح التي تؤكد عليها الدراسات الحديثة:
- المتابعة المنتظمة مع الطبيب طوال فترة الحمل، لأن الكشف المبكر عن أي مشاكل صحية مثل سكري الحمل أو اضطرابات الغدة الدرقية وعلاجها بشكل مناسب قد يساهم في تقليل المخاطر.
- الحفاظ على تغذية صحية ومتوازنة، تحتوي على الفيتامينات والمعادن الضرورية، مثل حمض الفوليك، والحديد، واليود، لأن هذه العناصر تلعب دورًا مهمًا في تطور الجهاز العصبي للجنين.
- تجنب التعرض للمواد الضارة قدر الإمكان، مثل التدخين، أو التلوث الشديد، أو المواد الكيميائية القاسية، لأن هذه العوامل قد تؤثر على صحة الجنين بشكل عام.
- استخدام الأدوية فقط تحت إشراف طبي، وعدم تناول أي دواء بشكل عشوائي، لأن بعض الأدوية قد يكون لها تأثيرات غير معروفة أو غير مدروسة بشكل كافٍ.
- محاولة تقليل التوتر والضغط النفسي قدر الإمكان، من خلال الراحة، والدعم النفسي، وممارسة تقنيات الاسترخاء، لأن الصحة النفسية للأم تنعكس بشكل مباشر على الحمل.
- الاهتمام بالصحة العامة قبل الحمل وأثنائه، مثل الحفاظ على وزن صحي، وعلاج أي أمراض مزمنة، لأن هذه العوامل قد تلعب دورًا في صحة الجنين.
لحماية جنينك: إليكِ 9 فواكه غنية بحمض الفوليك عليكِ تناوُلها

