mena-gmtdmp

محمد صلاح: نهاية حقبة تاريخية في ليفربول وقصة نجاح عربية عابرة للقارات

 نهاية حقبة تاريخية لمحمد صلاح مع ليفربول (Photo by PAUL ELLIS / AFP)
نهاية حقبة تاريخية لمحمد صلاح مع ليفربول ( مصدر الصورة :Photo by PAUL ELLIS / AFP)
محمد صلاح في ملعب أنفيلد بمدينة ليفربول، شمال غرب إنجلترا (Mohamed Salah at Anfield in Liverpool, north west England). مصدر الصورة: Paul ELLIS / AFP
محمد صلاح في ملعب أنفيلد بمدينة ليفربول، شمال غرب إنجلترا (Mohamed Salah at Anfield in Liverpool, north west England). مصدر الصورة: Paul ELLIS / AFP
 نهاية حقبة تاريخية لمحمد صلاح مع ليفربول (Photo by PAUL ELLIS / AFP)
محمد صلاح في ملعب أنفيلد بمدينة ليفربول، شمال غرب إنجلترا (Mohamed Salah at Anfield in Liverpool, north west England). مصدر الصورة: Paul ELLIS / AFP
2 صور

يشهد عالم كرة القدم بين الحين والآخر لحظات فارقة تعيد تشكيل الوجدان الجماهيري وتترك بصمة لا تُمحى في سجلات التاريخ الإنساني والرياضي. وفي الـ 24 من مارس لعام 2026، توقفت عقارب الساعة في مدينة ليفربول الإنجليزية، وتوجهت أنظار العالم بأسره نحو شاشات الهواتف المحمولة لمتابعة مقطع فيديو لا تتجاوز مدته دقائق معدودة، ولكنه يحمل في طياته نهاية واحدة من أعظم القصص الكروية والإنسانية في العصر الحديث. أعلن النجم المصري محمد صلاح، قائد منتخب مصر الوطني ولاعب نادي ليفربول، رحيله رسمياً عن قلعة "أنفيلد" بنهاية موسم 2025-2026. كان هذا الإعلان بمثابة إسدال الستار على تسع سنوات من المجد المتواصل، والتأثير الثقافي العميق، والتحولات الاجتماعية التي قادها شاب قادم من أعماق الريف المصري ليتربع على عرش كرة القدم في إنجلترا وأوروبا.

نهاية مشوار صلاح مع ليفربول بنهاية موسم 2025/2026-( مصدر الصورة : Photo by HENRY NICHOLLS / AFP)

زلزال في أنفيلد: كواليس الرحيل ونهاية الرحلة الأسطورية

لم يكن يوم الثلاثاء، 24 مارس 2026، يوماً اعتيادياً في أروقة نادي ليفربول أو في شوارع المدينة التي تنفست عشقاً للنجم المصري طوال ما يقرب من عقد من الزمان. فبكلمات مفعمة بالشجن ومشاعر مختلطة بين الفخر والامتنان والحزن العميق، أطل محمد صلاح عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، محاطاً بكؤوسه وألقابه الفردية والجماعية التي حصدها بجهد استثنائي، ليعلن ما كانت تخشاه الجماهير الحمراء لسنوات طويلة. قال صلاح بكلمات حفرت في ذاكرة محبيه، وتناقلتها وكالات الأنباء العالمية في لحظتها: "مرحباً بالجميع. للأسف، لقد حان هذا اليوم، هذه هي أصعب لحظة في وداعي، سأغادر نادي ليفربول بنهاية هذا الموسم". وأضاف في رسالته العاطفية التي لامست قلوب الملايين وتصدرت محركات البحث: "لم أتخيل يوماً كيف سيصبح هذا النادي وهذه المدينة وهؤلاء الناس جزءاً عميقاً من حياتي. ليفربول ليس مجرد نادي كرة قدم، بل هو شغف وتاريخ وروح لا أستطيع أن أشرحها بالكلمات لأي شخص ليس جزءاً من هذا النادي".

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

جاء هذا الإعلان المباغت ليضع حداً لحالة من الجدل والترقب استمرت لأشهر حول مستقبل اللاعب الذي كان يمتلك عقداً يمتد حتى صيف عام 2027، إلا أن اتفاقاً مشتركاً بينه وبين إدارة النادي أفضى إلى إنهاء هذه العلاقة التعاقدية مبكراً بنهاية الموسم الجاري، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى ضمان الشفافية وتتيح للجماهير فرصة توديعه بالشكل المناسب الذي يليق بأسطورة حية. وأكد النادي في بيان رسمي أن صلاح سيُسدل الستار على مسيرته اللامعة بنهاية موسم 2025-2026، مشيراً إلى أن الوقت للاحتفال بإرثه وإنجازاته سيحين في وقت لاحق من العام عندما يودع ملعب أنفيلد بشكل نهائي.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ولكن، لم يكن هذا القرار وليد اللحظة أو مجرد رغبة في التغيير، بل جاء تتويجاً لمسار معقد وموسم استثنائي شهد بعض التوترات غير المسبوقة في علاقة اللاعب بالنادي ومدربه. فقد أشارت التقارير الصحفية الإنجليزية إلى أن صلاح، الذي نادراً ما يغيب عن التشكيلة الأساسية طوال سنواته في إنجلترا، قد واجه خلافات حادة مع المدرب الهولندي أرنه سلوت، مما أدى إلى استبعاده من التشكيلة في عدة مباريات هامة، بما في ذلك مباراة دوري أبطال أوروبا ضد إنتر ميلان؛ حيث وجد نفسه يجلس على مقاعد البدلاء في مشهد غير مألوف.

وقد تجلّى هذا الإحباط الداخلي في تصريحات نارية ونادرة أدلى بها صلاح في ديسمبر 2025؛ حيث عبر عن استيائه العميق من تواجده المتكرر على دكة البدلاء عقب التعادل مع ليدز يونايتد، قائلاً بصراحة أذهلت الأوساط الرياضية: "أشعر أن النادي قدَّمني ككبش فداء. لست المشكلة، لقد فعلت الكثير لهذا النادي. لا يجب أن أقاتل يومياً من أجل مركزي، لأنني أستحقه". هذا الشعور بعدم التقدير، مقترناً بتراجع معدله التهديفي نسبياً في موسمه الأخير مقارنة بمواسمه السابقة الساحقة؛ حيث سجل خمسة أهداف فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز حتى لحظة تفجر الأزمة مقابل 29 هدفاً في الموسم الذي سبقه، دفع العلاقة نحو نقطة اللاعودة. كما زادت الإصابة العضلية التي تعرض لها أثناء مباراة غلطة سراي التركي، والتي غادر على إثرها ملعب أنفيلد بعد تسجيله هدفاً، من تعقيد المشهد الرياضي للاعب في أيامه الأخيرة مع الريدز.
تابعوا المزيد: رسائل دعم النجوم لمحمد صلاح بعد أزمته مع ليفربول

رغم هذه التحديات الختامية، فإن إرث محمد صلاح في ليفربول يُعد من بين الأعظم في تاريخ كرة القدم الإنجليزية والعالمية. لقد لعب النجم المصري الدور المحوري والأكثر حسماً في إعادة ليفربول إلى منصات التتويج المحلية والأوروبية بعد سنوات طويلة من الجفاف والانتظار المرير.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

وفي هذا السياق، يعتبر صلاح امتداداً وتتويجاً لنجاحات عربية سابقة في أوروبا؛ حيث يُعد ثالث لاعب عربي يسهم في تحقيق لقب دوري أبطال أوروبا بعد الجزائري رابح ماجر مع بورتو عام 1987، والمغربي أشرف حكيمي مع ريال مدريد عام 2018.

حقق صلاح لقب دوري أبطال أوروبا مع ليفربول (مصدر الصورة :Photo by GABRIEL BOUYS / AFP)

ما هو دور ماغي صادق زوجة محمد صلاح؟

خلف كل قصة استثنائية ونجاح عالمي، تقف دائماً قوة داعمة تمثل نقطة الارتكاز والسكينة في أوقات العواصف والتقلبات. في حكاية محمد صلاح، تتجسد هذه القوة العظيمة في زوجته وشريكة دربه، السيدة "ماغي صادق". لم تكن قصة حبهما وارتباطهما وليدة أضواء الشهرة الساطعة أو صدفة عابرة في إحدى الحفلات الفاخرة، بل هي قصة حب نقية وعميقة بدأت شرارتها الأولى في أروقة مدرسة "محمد عياد الطنطاوي" في قرية نجريج البسيطة التابعة لمحافظة الغربية في مصر. ارتبطا منذ أن كان صلاح شاباً يافعاً يحمل أحلاماً كبيرة تتجاوز حدود قريته وإمكانات مادية متواضعة للغاية، وتزوجا في عام 2013 قبل أن ينطلق في رحلته العالمية الطاحنة والمحفوفة بالتحديات.

تمثل ماغي صادق نموذجاً راقياً واستثنائياً للمرأة العربية الأصيلة التي تمكنت بقوة شخصيتها وثقتها بنفسها من الحفاظ على هويتها، وعاداتها، وتقاليدها المصرية في مواجهة بريق وضغوط حياة ما يُعرف بـ"زوجات اللاعبين" في المجتمع الإنجليزي، وهي حياة غالباً ما تتسم بالبذخ الشديد، والاستعراض المستمر على منصات التواصل، واللهاث وراء الماركات العالمية والكاميرات. ورغم محاولاتها الدائمة والدؤوبة للبقاء بعيداً عن صخب الإعلام المزعج، فإن طبيعة عمل زوجها وشهرته الجارفة التي تملأ الآفاق جعلتها رغماً عنها تحت المجهر في المناسبات الكبرى.

ماغي صادق زوجة محمد صلاح (مصدر الصورة :Photo by PAUL ELLIS / AFP)

وقد أظهر صلاح امتناناً علنياً وعميقاً لزوجته في أكثر من مناسبة، معترفاً بفضلها الكبير عليه. في أحد تصريحاته المؤثرة، اعتبرها أكثر الأشخاص المظلومين في حياته بسبب طبيعة عمله التي تفرض غياباً متكرراً وضغوطاً هائلة، واعترف بوضوح تام بأنها تقدم له الدعم المطلق وغير المشروط الذي يمثل الوقود الحقيقي لاستمراره في التربع على القمة الكروية لسنوات متتالية. كما أكد صلاح أن ماغي تمتلك حصانة نفسية قوية تجعلها لا تلتفت أبداً إلى الشائعات التي تلاحقه كأي نجم عالمي، وتوفر له بيئة منزلية هادئة وخالية من التوترات.

مكة وكيان.. ابنتا محمد صلاح

لم يقتصر نجاح محمد صلاح وتميزه على أرضية الميدان فحسب، بل امتد ليشمل الطريقة الراقية التي يقدم بها صورة الأب العربي الحنون، المنخرط والمشارك بفعالية في أدق تفاصيل حياة أبنائه. شكلت ابنتاه، "مكة" و"كيان"، جزءاً لا يتجزأ من هويته العامة والصورة الذهنية التي كوّنها لدى جمهوره؛ حيث تحرص الجماهير العالمية والعربية على متابعة يومياتهما وعلاقة صلاح بهما بشغف واهتمام بالغين. يتبنى صلاح فلسفة تربوية حديثة تقوم على الاحتواء، وإدارة الغضب، وتوفير الأمان العاطفي والانضباط السلوكي، وهو ما ينعكس بوضوح على شخصية ابنتيه ويجعله أباً يملأ عين بناته بالحب والثقافة والاحترام، ليكون الحصن الحصين لهن في المستقبل.

كشف صلاح في لقاءات إعلامية سابقة، عن جوانب خفية من شخصيات بناته؛ فمكة، الابنة الكبرى، تتسم بالعناد الإيجابي والطموح، ولها شخصية مستقلة وقوية تجعلها تدخل أحياناً في نقاشات حادة وخلافات مع والدتها لتحقيق ما تريده، وهو أمر يتعامل معه صلاح بحكمة وصمت. بينما يرى صلاح أن ابنته الصغرى "كيان" تمتلك شخصية أقوى وأكثر حزماً من شقيقتها مكة. ورغم كونه من أكثر الشخصيات انشغالاً وضغطاً في العالم، فإنه يحرص دائماً على مشاركتهما اللحظات الثمينة. وقد اعترف صلاح بأنه تمنى منذ صغره أن يرزقه الله بولد، لكن بعد أن رُزق بمكة وكيان، تبدد هذا الشعور تماماً وأصبح لا يشعر بأن هناك أي شيء ينقصه في الحياة.

تتجلى أبوة صلاح العفوية في العديد من المشاهد العامة؛ بدءاً من اصطحابه لعائلته لأرضية ملعب أنفيلد في نهاية كل موسم للعب بالكرة والاحتفال وسط هتافات عشرات الآلاف من المشجعين، وصولاً إلى لحظات المزاح والمرح العفوي الصافي، مثل الفيديو الشهير والمنتشر الذي ظهر فيه يمازح كيان بشدّ شعرها بلطف ومرح على أرض الملعب، لترد له هي الحركة ذاتها بشجاعة وسط ضحكات جميع مَن في الملعب، في لقطة أذابت قلوب المتابعين.

يظهر عمق الاندماج الثقافي لبنات صلاح في المجتمع الإنجليزي في تفاصيل حياتهما اليومية وإجادتهما التامة للغة الإنجليزية بلكنة "السكاوز" الخاصة والمميزة لمدينة ليفربول. وقد أشار صلاح بنفسه إلى هذا التغير، قائلاً إن لغة بناته ولهجتهما قد تغيرت بشكل ملحوظ، وإنهما أصبحتا فعلياً من سكان ليفربول الحقيقيين، ولديهما أصدقاء ومدرسة وحياة اجتماعية كاملة ومستقرة هناك.ورغم هذا الاندماج الكبير في المجتمع الغربي، تحرص العائلة بشدة على غرس القيم الدينية والمصرية الأصيلة؛ حيث تتولى ماغي بنفسها تعليمهما الصلاة وأصول الدين الإسلامي منذ الصغر لتبني شخصياتهما على أساس متين.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


 

الحياة خلف الأسوار.. أسلوب العيش الفاخر والانضباط في قصر تشيشير

يتطلب الحفاظ على مستوى بدني وذهني استثنائي لسنوات طويلة في أقوى دوريات العالم بيئة داعمة وأسلوب حياة شديد الانضباط والصرامة. يتجلى هذا الانضباط بوضوح في طبيعة الحياة التي يعيشها محمد صلاح داخل منزله الفاخر في مقاطعة تشيشير الإنجليزية Cheshire، وتحديداً في المنطقة الراقية والمعروفة باسم "المثلث الذهبي" وهي منطقة جذب رئيسية لأبرز الشخصيات المجتمعية ونجوم كرة القدم الأثرياء. يُقدر ثمن هذا القصر ما بين 1.2 إلى 3 ملايين جنيه إسترليني، ولا يعتبر هذا العقار مجرد منزل فاخر للاستعراض، بل هو بمثابة منشأة رياضية وطبية متكاملة مصممة خصيصاً لخدمة أهداف صلاح الرياضية والنفسية. لكن ما يميز روتين صلاح ويجعله لاعباً استثنائياً يتجنب الإصابات الطويلة ليس فقط التدريب البدني الشاق بالأوزان والمقاومة المخصصة لتقوية العضلات ومنع الإصابات، بل تركيزه العميق على التوازن الذهني والمرونة الجسدية. يخصص صلاح وقتاً يومياً ثابتاً لممارسة اليوجا ورياضة "البلاتس" وتمارين التأمل.
تساعده اليوجا والبلاتس على زيادة مرونة المفاصل، وتحسين التوازن، وتعزيز قدرة التحمل العضلي، والأهم من ذلك، تمنحه القدرة الفائقة على إدارة التوتر والضغوط النفسية الهائلة التي تترافق مع المنافسة في أعلى مستويات كرة القدم العالمية ومواجهة المدافعين الشرسين. ولضمان التعافي السريع بعد التدريبات الميدانية بالكرة والمباريات الشاقة، يتبع نظام الاستشفاء المائي بالنزول في أحواض المياه المثلجة تليها الساونا كجزء أساسي وحيوي من روتينه. هذا النظام الشامل يبرهن بشكل قاطع على أن ما نراه من سحر وأهداف خرافية على أرض الملعب هو نتاج مباشر لساعات طويلة من الالتزام القاسي، والمملّ في بعض الأحيان، خلف الأبواب المغلقة، وهو التزام لا يقدر عليه سوى أبطال يمتلكون شغفاً استثنائياً ورغبة لا تنضب في البقاء على القمة.

عقلية البطل .. الثقافة والقراءة كأدوات استراتيجية للنجاح

التحول الأهم والأكثر تأثيراً في مسيرة محمد صلاح كان تحولاً عقلياً وفكرياً في المقام الأول. أدرك صلاح مبكراً في مسيرته الاحترافية أن الموهبة الفطرية وسرعة الركض وحدها لا تكفي أبداً للصمود في غابة كرة القدم الأوروبية المليئة بالضغوط والمنافسة الشرسة. في تصريحات ملهمة وعميقة أدلى بها خلال استضافته كضيف شرف في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 43 في دولة الإمارات العربية المتحدة، كشف صلاح باستفاضة عن الدور الجوهري الذي لعبته الثقافة والقراءة في صقل شخصيته وإعادة هيكلة طريقة تفكيره.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

أوضح صلاح أن نقطة التحول الحقيقية والعميقة في وعيه بدأت خلال فترته الصعبة والمحبطة مع نادي تشيلسي الإنجليزي؛ حيث واجه التهميش القاسي والجلوس المستمر على مقاعد البدلاء في سن صغيرة. بدلاً من الاستسلام لليأس، أو الشكوى من المدربين، أو إلقاء اللوم على الظروف، قرر صلاح التحدي من خلال تطوير عقله وتوسيع مداركه. قال أمام جمهور المعرض الغفير: "تحديت الظروف وقررت تغيير الوضع.. والقراءة غيّرت طريقة تفكيري بشكل كبير وجذري". لقد أدرك أهمية القراءة في علم النفس للرياضي، معتبراً ومؤكداً أن نجاح أي إنسان في الرياضة أو في أي مجال آخر يرتكز بشكل أساسي ولا غنى عنه على خلفيته الثقافية الكبيرة ومخزونه المعرفي.

صلاح كان ضمن قائمة "تايمز" الأمريكية لأكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم 2019 ( مصدر الصورة :Photo by ANGELA WEISS / AFP)

من أبرز الكتب التي قرأها صلاح وأثرت بشكل مباشر في تكوينه الفكري وتعامله مع الضغوط كتاب "فن اللامبالاة" للمؤلف مارك مانسون، الذي يعلّم المرء كيفية التركيز الحصري على ما يهم حقاً وتجاهل الضغوط غير المبررة والآراء السلبية، فضلاً عن تعمقه في كتابات لمفكرين وإعلاميين مصريين بارزين مثل الراحل الدكتور مصطفى محمود والدكتور إبراهيم الفقي. هذه القراءات المتنوعة مكّنته من اكتساب منظور مختلف وجديد للحياة؛ منظور يتيح له رؤية الأمور وتقييمها بعقلية أوروبية احترافية، ولكنه يظل متجذراً ومحتفظاً بقيمه العربية والإسلامية الأساسية. كما قادته هذه الثقافة الواسعة إلى تبني استقلالية فكرية صارمة ترفض الانصياع لرغبات الجماهير العمياء؛ حيث صرح بوضوح وشموخ: "أنا أعيش الحياة بالشكل الذي أريده وليس ما يريده الناس؛ لأنها حياتي الخاصة".

 

 

يتجلى هذا النضج الفكري والثقافي بوضوح في طريقته الحكيمة في توجيه اللاعبين الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في أوروبا، كما حدث حين أشاد علناً بزميله في المنتخب الجناح الدولي عمر مرموش، لاعب مانشستر سيتي الإنجليزي. طالب صلاح الإعلام والجمهور بالتوقف الفوري عن المقارنات المستمرة بينهما، مؤكداً برؤية الخبير أن هذه المقارنات تضع مرموش تحت ضغط نفسي هائل قد يحرمه من الاستمتاع بتجربته الخاصة ويؤثر على تطوره الطبيعي. إن صلاح، بهذا الفكر الراقي، يقدم درساً بليغاً في أن بناء الإنسان المتوازن يسبق دائماً بناء اللاعب ، وأن العضلات الحقيقية التي تصنع الفارق في اللحظات الحاسمة وتحقق الانتصارات الكبرى هي عضلات العقل والروح.

الجذور التي لم تنقطع.. نجريج، الأعمال الخيرية ومسؤولية الانتماء

على الرغم من الأموال الطائلة التي جناها، والشهرة العالمية التي جعلته أيقونة تتهافت عليها العلامات التجارية الكبرى، والحياة المترفة في قصور إنجلترا، فإن بوصلة محمد صلاح ظلت تشير دائماً وأبداً نحو نقطة البداية؛ قريته الصغيرة "نجريج" التابعة لمركز بسيون في محافظة الغربية بمصر؛ فصلاح أسس وتكفل بمؤسسة خيرية متكاملة لضمان استدامة العمل الإنساني والمؤسسي في مسقط رأسه.

مركز شباب محمد صلاح في قريته "نجريج" التابعة لمركز بسيون في محافظة الغربية بمصر( مصدر الصورة Photo by MOHAMED EL-SHAHED/ AFP)

أعمال "صلاح الخير"، كما يُطلق عليه بحب في الأوساط الإعلامية والشعبية، يصعب حصرها في سطور.. فقد شملت إسهاماته الجوهرية بناء معاهد أزهرية لتعليم أبناء القرية، وتجهيز وحدات غسيل كلوي متطورة لإنقاذ حياة المرضى غير القادرين، وتوفير حضانات للأطفال حديثي الولادة، إلى جانب تقديم مساعدات مالية ومعاشات شهرية منتظمة لآلاف الأسر الفقيرة والأرامل، وتمويل زواج الفتيات المتعففات، فضلاً عن كونه سفيراً مؤثراً في حملات قومية هامة مثل مشروع محاربة الإدمان في مصر. هذا العطاء المتصل والمنظم لم يجعله مجرد لاعب كرة قدم تاريخي في نظر المصريين، بل حوّله إلى أيقونة للأمل ونموذج حي للنجاح الذي يعود بالنفع الحقيقي والملموس على مجتمعه.

إلى أين تتجه البوصلة؟.. مستقبل غامض وحسابات عائلية معقدة

مع تأكيد خروجه النهائي من قلعة أنفيلد في صيف عام 2026، بات السؤال المُلح الذي يشغل أوساط كرة القدم العالمية وعشاق اللاعب في كل مكان هو: ما هي الوجهة القادمة لمحمد صلاح بعد تسع سنوات من الاستقرار الإنجليزي؟

العالم سيترقب وجهة محمد صلاح القادمة ( ( مصدر الصورة Photo by PAUL ELLIS / AFP)

طوال الأشهر والسنوات الماضية، ارتبط اسم صلاح ارتباطاً وثيقاً بانتقال محتمل ومغرٍ للغاية إلى الدوري السعودي؛ حيث أبدت أندية كبرى رغبة عارمة ومستمرة في الظفر بخدماته.ورغم كل هذه التكهنات والتقارير، لا يزال محمد صلاح،  قادراً على قلب الموازين والمفاجأة؛ فعندما سُئل مؤخراً عن تجديد عقده ومستقبله أجاب بعبارة قصيرة قائلاً: "لست متأكداً من ذلك، سأبذل قصارى جهدي".فرغبته الجامحة في تحطيم المزيد من الأرقام القياسية الأوروبية، قد تدفعه في اللحظات الأخيرة الى اختيار الاستمرار في نادٍ أوروبي كبير يقدم له ضمانات اللعب والتألق في مسابقة دوري أبطال أوروبا لبضع سنوات أخرى.

ختاماً إرث صلاح في إنجلترا لن يُمحى

موسم 2024/2025 كان خرافياً لصلاح مع ليفربول (  مصدر الصورة :Photo by PAUL ELLIS/ AFP)

إن إعلان محمد صلاح رحيله عن ليفربول بنهاية موسم 2026 لا يمثل بأي حال من الأحوال مجرد انتقال روتيني للاعب كرة قدم من نادٍ إلى آخر للبحث عن فرصة جديدة أو مال أكثر، بل هو في حقيقته اختتام لملحمة وواحدة من أروع السير الذاتية في تاريخ الرياضة الحديثة. لقد أثبت محمد صلاح للجميع أن الشاب العربي قادر، متى ما توفرت له الإرادة والبيئة، على كسر كل القوالب النمطية البالية، وتجاوز عقبات الجغرافيا والثقافة، للتربع بثبات على قمة أقسى الدوريات الكروية في العالم. لم يحقق ذلك فقط بفضل قدمه اليسرى الساحرة وسرعته الخارقة، بل بفضل عقليته الجبارة التي صقلها بالقراءة والمعرفة، وانضباطه الصارم في أسلوب حياته وتغذيته، وعائلته المتماسكة بقيادة زوجته ماغي التي وفرت له الدفء، والسكينة، والثبات الانفعالي.

قرابة عقد من الزمان جمعت أنصار ليفربول مع محمد صلاح في لحظات مميزة مليئة بالإنجازات على أرضية الأنفيلد ( مصدر الصورة: Photo by PAUL ELLIS /AFP )

سيتذكر ملعب الأنفيلد وأروقة مدينة ليفربول طويلاً ذلك الشاب الخجول القادم من مصر، والذي لم يكتفِ بهزّ شباك المنافسين ليصنع أفراحهم المفقودة، بل خفف من حدة التوتر الثقافي  وجعل من شخصيته البسيطة سفيراً استثنائياً للسلام والتسامح وتصحيح مفاهيم  ثقافية . وسواء حطت به الرحال في أروقة دوري روشن السعودي ليضيف فصلاً جديداً من الإثارة والشغف أو واصل عزفه المنفرد في إحدى عواصم أوروبا العريقة لسنوات أخرى، فإن إرث محمد صلاح قد حُفر بالفعل في وجدان الجماهير؛ كزوج مخلص، وأب حنون ومشارك، وقارئ نهم، ورياضي فذ غيّر قواعد اللعبة، وإنسان نبيل لم ينسَ يوماً رائحة تراب قريته وأهلها.

تابعوا المزيد من موضوعات الرياضة: أمهات من ذهب: بطلات عربيات كسرن المستحيل بين منصات التتويج ورعاية الأبناء

من مصر إلى العالمية.. بروفايل البدايات ورحلة الكفاح

قبل أن تتصدر صوره أغلفة المجلات العالمية وتتغنى الجماهير باسمه في الملاعب الأوروبية الكبرى، ولد محمد صلاح حامد غالي في 15 يونيو 1992 داخل أزقة قرية "نجريج" البسيطة التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية في مصر. انطلقت شرارة احترافه الأولى مع نادي المقاولون العرب في العاصمة القاهرة بعد فترة في أشبال مقاولين طنطا، وهي المرحلة التي تطلبت منه تضحية يومية هائلة تمثلت في السفر لساعات طويلة عبر وسائل المواصلات العامة من قريته إلى مقر النادي، في رحلة كانت تستغرق أحياناً أكثر من أربع ساعات يومياً، مما صقل إرادته وعزيمته الصلبة منذ نعومة أظافره.

في عام 2012، وبعد تألقه اللافت محلياً وعلى صعيد منتخب مصر الوطني، التقطت رادارات الأندية الأوروبية موهبته ، ليبدأ أولى خطواته الاحترافية خارج الحدود من بوابة نادي بازل السويسري. ورغم قسوة الغربة وصعوبة التأقلم مع لغة وثقافة جديدتين في البداية، نجح صلاح في إثبات جدارته، لتنطلق مسيرته في الملاعب الأوروبية مروراً بمحطات كبرى مثل تشيلسي الإنجليزي، فيورنتينا وروما الإيطاليين، قبل أن يصل إلى محطته الأبرز والأكثر إشراقاً مع نادي ليفربول. وعلى الصعيد الشخصي والعاطفي، توج صلاح رحلة كفاحه بالارتباط بحب طفولته وزميلته في مدرسة "محمد عياد الطنطاوي"، ماغي صادق، التي درست التكنولوجيا الحيوية في جامعة الإسكندرية، وتزوجا في عام 2013 لتصبح رفيقة دربه والداعم الأول له في كل خطواته نحو القمة.