mena-gmtdmp

فؤاد المهندس... عوامل صنعت شخصية "الأستاذ" كما يرويها ابنه محمد

الفنان فؤاد المهندس- مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس
الفنان فؤاد المهندس - مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

لم يكن الفنان الكبير فؤاد المهندس مجرد نجم على خشبة المسرح أو شاشة السينما، بل كان إنسانًا استثنائيًا صنعت نشأته وأسرته وشخصيات من حوله ملامح "الأستاذ" الذي أحبه الملايين. بين تأثير والده أستاذ اللغة العربية و دكتور في كلية دار العلوم، وأمه التي رفضت دخوله الفن، وبين قصص الحب والزواج، وصولًا إلى علاقته بأبنائه وزملائه، رسم المهندس رحلة حياة مليئة بالفن والإنسانية. وفي هذا الحوار، يكشف ابنه محمد فؤاد المهندس تفاصيل خاصة عن والده، عن البيت والعائلة، وعن فنان ظل قلبه طفوليًا رغم صرامته، وبقي حاضرًا في وجدان جمهوره حتى اليوم.

النشأة والبدايات

محمد فؤاد المهندس نجل الفنان فؤاد المهندس - مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

ولد فؤاد المهندس في منطقة العباسية بالقاهرة، ونشأ وسط عائلة تعشق خفة الظل والضحك. يقول ابنه محمد: "الأستاذ كما كنت أناديه دائمًا كان منذ طفولته يحب التمثيل ويقلد المدرسين في المدرسة. نحن عائلة بطبيعتنا نحب الكوميديا، بل إن عمي وعماتي كانوا يتميزون بخفة ظل تفوق والدي، حتى جدي وجدتي كانوا يحبون الضحك والهزار."

تأثر فؤاد المهندس بوالده الذي كان أستاذًا للغة العربية، فانعكس ذلك على لغته وإتقانه. التحق بمدرسة فاروق الأول، ثم بكلية التجارة. وخلال دراسته، حاول الانضمام إلى فرقة نجيب الريحاني لكنه لم يوفق، رغم حضوره المتكرر لكواليس مسرحيات الريحاني، الذي ترك بصمة كبيرة في وجدانه.

"كان الأستاذ يعتبر نجيب الريحاني أستاذه، وقد نصحه الريحاني قائلاً: خليك فؤاد المهندس مش نجيب الريحاني."

دعم العائلة ورفض الأم

يقول محمد فؤاد المهندس "وجد الأستاذ دعمًا وتشجيعًا من والده في طريقه إلى التمثيل، بينما عارضت والدته بشدة دخوله هذا المجال، كما رفضت أيضًا عمل عمتي الإذاعية صفية المهندس في الإذاعة. لكن بعد وفاتها، حقق كل منهما حلمه، وبفضل تشجيع الأب.

إليك أيضًا في ذكرى ميلاد عمر الحريري.. حكايات من القلب عن العائلة والفن والصداقة ترويها ابنته ميريت

قصة الحب الأولى والزواج من عفت سرور

فؤاد المهندس و زوجته الأولى عفت سرور- مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

 

يروي محمد المهندس: "الأستاذ كان يسكن في العباسية أمام بيت السرجاني، وهناك تعرف على والدتي السيدة عفت سرور كواحدة من الجيران. كانت تشبه إلى حد كبير السيدة أم كلثوم التي كان أبي يعشقها، وهكذا نشأت قصة حب بينهما تُوجت بالزواج بعد تخرجهما."

أنجب فؤاد وعفت ولدين: أحمد ومحمد. ويصف محمد والدته بأنها كانت سندًا كبيرًا لوالده: "لم أرَ في حياتي حبًا مثل حب أمي لأبي، كانت تحبه بجنون، وهو أيضًا كان يحبها ويحترمها كثيرًا. لكن الزواج لم يستمر، وانفصلا وأنا بعمر سنة وأخي أحمد ثلاث سنوات."

بعد الانفصال، انتقل كل منهم للسكن في الزمالك. رفضت الأم الزواج مرة أخرى وتفرغت لتربية أبنائها، بينما كان فؤاد يتابعهم يوميًا.

يضيف محمد المهندس "كان يزورنا الساعة الثامنة مساءً، يجلس معنا ساعتين، نستعرض معه يومنا ويطمئن علينا."

الزواج من شويكار وعلاقة الود

الفنان فؤاد المهندس مع الفنانة شويكار - مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

 

تزوج فؤاد المهندس بعد ذلك من الفنانة شويكار، التي كان محمد يناديها "طنط شوشو".

"العلاقة بين والدتي وطنط شوشو كانت جيدة، خاصة في الكبر، حتى إن والدتي أوصتها قبل رحيلها أن تأخذ بالها منا أنا واخي وأبي."

ويكشف محمد عن جانب إنساني مميز في العلاقة بين والده وشويكار: "حتى بعد الانفصال عام 1982، ظل بينهما ود واحترام، وكان أبي يطلب منها أطباقه المفضلة مثل الشركسية والمحاشي والرقاق." وكان يتناول الغذاء معناوامي بصفة يومية والأفطار والسحور في رمضان.

الأب الحاضر والصديق

عن صورة فؤاد المهندس كأب، يوضح محمد: "في طفولتنا، كان يعاملنا بلطف، لكنه كان صارمًا عند الخطأ، لا نجرؤ على مواجهته خوفًا واحترامًا. في المرحلة الاعدادية بدأ يعاملنا كأصدقاء ويشرح لنا الصح من الغلط. أما في الثانوية والجامعة، أصبحنا نحكي له كل شيء، وكان صديقًا مقربًا حتى رحيله."

ويختم قائلاً: "كنت أقيم معه طوال حياتي في منزله بالزمالك، وحتى آخر أيامه ظل بالنسبة لي ليس فقط الأب، بل الأستاذ والصديق والحبيب."

شويكار.. الأم الثانية في حياة أبناء فؤاد المهندس

فؤاد المهندس وشويكار في حفل زفاف ابنتها منة الله الجواهرجي- مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

 

يتحدث محمد فؤاد المهندس عن دور الفنانة شويكار في حياتهم: "طنط شوشو كانت تتعامل معنا كأبنائها، وكنت أعتبر منة ابنتها الوحيدة اختنا الكبرى. أما أبي فكان بالنسبة لمنة والدها الذي رباها بعد وفاة والدها وهي رضيعة. كنا دائمًا نخرج مع الأستاذ وطنط شوشو، وكانوا حريصين على أن نكون معهم أثناء تصوير أفلامهم أو عرض مسرحياتهم، كما كانوا حريصين على حضورنا العرض الأول للمسرح لمعرفة رأينا في ليلة العرض.في كل مسرحياتهم".

ويضيف: "بالنسبة للأفلام التي جمعتهما، كنا نذهب معهم دائمًا. أتذكر أننا حضرنا حوالي 95% من تصوير فيلم 'مطارده غرامية'. وكان أبي حريصًا على توصيلنا أيام امتحانات الشهادات العامة مثل الإعدادية والثانوية، وينتظرنا حتى ننتهي ليطمئن علينا، فكان النجاح الدراسي أهم شيء عنده."

سمية الألفي في حوارها الأخير للصحافة مع "سيدتي".. فاروق وسمية: قصة حب لم تنتهِ

روتين الاستعداد للمسرح

عن عاداته قبل كل عرض مسرحي، يقول محمد: "قبل العرض بربع ساعة كان الأستاذ يتمشى على خشبة المسرح والستارة مقفولة، يمسك بالستارة ويمشي ثم يقرأ القرآن ويكون مركزًا جدًا. لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منه قبل العرض إلا بالنظر فقط."

فوازير "عمو فؤاد" وأيقونة رمضان

وعن تجربة والده مع الفوازير سألنا محمد حول هذا الجانب من مشواره الفني: ماذا عن "فوازير عمو فؤاد" التي قدمها على مدى عشر سنوات؟

يجيب محمد قائلاً: "فوازير عمو فؤاد كانت أيقونة رمضانية حقيقية، قدمها أبي على مدار عشرة أعوام في الثمانينات والتسعينيات، وارتبطت بذاكرة جيل كامل. لم تكن مجرد فوازير للتسلية، بل كانت تحمل قيماً ومعاني تعلم منها الأطفال الكثير عن الحياة بطريقة بسيطة ومحببة. جيل كامل كان ينتظرها بشغف كل يوم خلال شهر رمضان، يجلس أمام التلفزيون ليستمتع ويتعلم في الوقت نفسه. ومن أهم الأجزاء التي ما زالت عالقة في الأذهان: عمو فؤاد رايح يصطاد، عمو فؤاد بيلف بلاد، عمو فؤاد ويا الأجداد، وعمو فؤاد رايح الاستاد. كانت حالة خاصة جمعت بين الترفيه والتثقيف، وأكدت قدرة الأستاذ على مخاطبة الكبار والصغار بروح واحدة."

دموع فؤاد المهندس قريبة

محمد يروي موقفًا إنسانيًا مؤثرًا: "كانت دموع أبي قريبة، يتأثر بالأشياء البسيطة دائمًا. أتذكر حين مرض أخي أحمد بالمصران الأعور، ووالدتي كانت في أمريكا، اتصلت بوالدي فذهب معنا للمستشفى. بعد دخول أحمد غرفة العمليات، رأيته يمسك بمنديل وينهار بالبكاء، شعرت حينها أن قلبه قلب طفل صغير."

عائلة ذو الفقار واكتشاف موهبة فؤاد المهندس

يضيف محمد: "عائلة ذو الفقار كانوا جيران للأستاذ في العباسية، وكان الأستاذ صديقًا للفنان صلاح ذو الفقار. توسّم عز الدين ومحمود ذو الفقار في أبي شخصيته الكوميدية، وكان في ذلك الوقت يعمل في الاذاعة بعد اكتشاف زوج عمتي صفية المهندس بابا شارو لموهبته. استعان به عز الدين ذو الفقار في أفلام عديدة، واكتشف فيه أنه ليس كوميديًا فقط بل فنانًا شاملًا يستطيع أداء جميع الأدوار ومنها التراجيديا أيضًا."

إليك أيضًا إيمان ذو الفقار ابنة مريم فخر الدين: لم أشبع من والدتي بوصفها أماً

نجاح ثنائي فؤاد المهندس وشويكار

عن العلاقة الفنية بين والده وشويكار، يقول محمد: "كان بينهما قصة حب كبيرة، وكانا يريدان تقديم أفلام كثنائي مثل أنور وجدي وليلى مراد. أكثر الأفلام التي أحبها أنا هي 'شنبه في المصيدة'، 'العتبة جزاز' و'أرض النفاق'، و'أخطر رجل في العالم'. وكانا يحبّان إضافة أغاني وسط الفيلم، حيث يلحنها ملحنون كبار،والجمهور كان يحب ذلك ويعشق اغانيهم في افلامهم."

علاقة فؤاد المهندس بعادل إمام

الفنان فؤاد المهندس مع الفنانين عبد المنعم مدبولي وعادل امام- مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

 

يتحدث محمد عن العلاقة المميزة بين والده والفنان عادل إمام: "كان أبي يتنبأ بأن عادل إمام والضيف أحمد سيكونان كوميديين كبار. أتذكر موقفًا في الثمانينات، حين جاء عادل إمام يزور الاستاذ في المنزل في الساعة الثالثة فجرا ليطلب العمل مع الأستاذ في فيلم 'خمسة باب'. وقع أبي العقد فورًا دون أن يسأل عن ترتيب الأسماء لأن هذه الأشياء لم تكن في حساباته. ظل الاتصال دائمًا، وكان الأستاذ حاضرًا في كل مناسبة مع عادل إمام.وكان بينهما اتصالات دائمة، وعندما توفي الضيف أحمد، كان أبي يبكي كطفل. وحتى عادل إمام كان يحب أمي ويسأل عنها دائمًا."

البرنامج الإذاعي "كلمتين وبس"

الفنان فؤاد المهندس وأخته الإذاعية صفية المهندس مع زوجها الإذاعي محمد محمود شعبان والفنانتين شيريهان وسعاد حسني - مصدر الصورة محمد فؤاد المهندس

 

ويضيف محمد: "برنامج 'كلمتين وبس' ظل سنوات طويلة يقدمه أبي في الإذاعة وارتبط به الجمهور. كان يسجل سبع حلقات في يوم الجمعة، يكتبها في البداية الأستاذ أحمد بهجت ثم الأستاذ أيمن قمر، وكان يحرص دائمًا على حضور الكاتب يوم التسجيل ومناقشة كل التفاصيل. كان البرنامج يعكس هموم المصريين اليومية ويهتم بكل ما يحدث لهم."

أما عن ايام الأستاذ الأخيرة شعر انه قدم كل شئ وجاء الوقت ليستريح قام بتربية رجال مسؤولون لديهم قيم ومبادئ رباهم عليها وقدم كل الادوار الي جانب ان صحته تأثرت ولم يعد قادر على المجهود.

يبقى فؤاد المهندس في ذاكرة الجمهور ليس فقط كفنان كوميدي وموهوب، بل كأب حنون وصديق وفيّ، إنسان دمث القلب حساس للبساطة والألم، قادر على المزج بين الفن والحياة اليومية. تروي قصص ابنه محمد جانبًا من إنسانيته، من حبه العميق لعائلته، وعلاقته المميزة بشويكار، إلى حرصه على نجاح أبنائه ومراعاته لمشاعر من حوله. بهذه التفاصيل، يظهر لنا "الأستاذ" كما لم يعرفه الكثيرون، رمزًا للفن الراقي والقيم الأسرية، شخصية خالدة في ذاكرة مصر وعشاق الكوميديا العربية.