أسرة ومجتمع /ثقافة وعلوم

ضجّة وجدل في تُونس بسبب عبد الرّحمن بن خلدون!

كُلّ منْ يمرُّ وسط تونس العاصمة ويشقّ شارع الحبيب بُورقيبة، وهو أهمّ شارع فيه، يشاهدُ التّمثال الكبير للعلّامة عبد الرّحمن بن خلدون ماسكاً بين يديه كتابه «المُقدّمة»، وقد سارعتْ السُّلطات في تُونس منذ 1978 إلى نصب هذا التّمثال التذكاري تخليداً للمُؤرخ وعالم الاجتماع وتقديراً لشخصيّته الفذّة وتاريخه الفكريّ الكبير...وهذه الأيّام عاد الحديثُ عن هذا التّمثال، وتناقلتْ مُختلف وسائل الإعلام التّونسيّة خبراً يقولُ : إنّ بلديّة تُونس العاصمة تولّت صيانة هذا المعلم، وأضافتْ إليه لوحة رخاميّة أوردتْ بها بعض الأقوال المأثورة للعالم والمُفكّر الشّهير. وحصلتْ أخطاء لغويّة وإملائيّة عند نقش الأقوال على الرّخامة، وهو ما أثار موجة من التّعليقات السّاخرة والتّدوينات الغاضبة وذهب البعضُ إلى وصف ما حصل بالفضيحة...عن تأكيد انتساب عبد الرحمن بن خلدون لتونس، والمثّال الذي نحت ملامح ابن خلدون..وفكرة تحويل بيته إلى متحف بعد ترميمه وصيانته .وتفاصيل الخطأ الإملائي الذي آثار جدلا واسعا عبر  مستخدمي التواصل الاجتماعي  تدور سطور هذا الموضوع الشيق

 

 الرئيس بورقيبة أمر بإقامة هذا التمثال 

 

تمثال العلامة ابن خلدون


على بُعد أمتار من سفارة فرنسا بتونس وقرب مقرّ وزارة المرأة يُطلّ تمثالُ عبد الرّحمن بن خلدون شامخاً، ويقابله في آخر نفس الشارع تمثال الزّعيم الحبيب بورقيبة مُمتطيّاً صهوة جواد يوم عاد من منفاه في يونيو عام 1955 مُبشّراً باستقلال البلاد بعد جهاد مرير ضدّ الاستعمار الفرنسيّ...وحول تمثال ابن خلدون حديقة صغيرة بها أشجار نخيل باسقة وزهور يانعة يقف حذوها العشّاق والزوّار لتونس لالتقاط صُور للذّكرى. وعلى واجهة تمثال صاحب «المقدّمة» إشارة منقوشة على الرّخامة تشير إلى أن «عبد الرحمان بن خلدون وُلد بهذه المدينة». «وجاء فيها أيضاً تقديراً للفكر أمر الرئيس الحبيب بورقيبة بإقامة هذا التمّثال».

 

قالوا: النحات خلّد نفسه من خلال تمثال ابن خلدون!

النحات زبير التركي : نحت وجه ابن خلدون بشكل يشبه وجهه هو تماما!


ولا شكّ أنّ التّنصيص في الرخامة إلى أنه «ولد بهذ المدينة» جاء بعد أن ظهرت هنا وهناك وقتها إشارات تقول إن عبد الرحمن  بن خلدون وُلد بالمغرب حسب بعض المصادر أو بمصر أو بالجزائر حسب روايات أخرى.
والجدير بالذّكر أنّ الرسّام والنحّات الرّاحل زبير التّركي (توفّي عام2009)، والذّي أنجز تمثال العلّامة عبد الرحمن بن خلدون، قد نحت وجه ابن خلدون بشكل يشبه وجهه هُو تماماً، وكانت ملامح ابن خلدون في التمثال تشبه ملامح النحّات زبير التّركي، ويقال إنّه أراد أن يُخلد نفسه من خلال ابن خلدون!

 

تحديد البيت الذي وُلد فيه ابن خلدون

البيت الذي ولد فيه ابن خلدون بتونس


ولتأكيد انتساب عبد الرحمن بن خلدون لتونس بحث المؤرخون ومنهم الراحل عثمان الكعّاك عن إثباتات عبر عديد المصادر والمراجع، وتوصّل إلى تحديد البيت الذّي ولد فيه ابن خلدون بالمدينة العتيقة بتونس العاصمة على بعد أمتار قليلة من «جامع الزيتونة» المعمور ويقع حالياً بـ41 نهج «تربة الباي» بتونس العاصمة.
وقد تمّ إبرام اتفاقية بين المعهد الوطني التّونسي للتّراث والمنظّمة الإسلاميّة للتربيّة والثّقافة والعلوم «الإيسيسكو» لترميم وصيانة دار عبد الرحمن بن خلدون وتحويلها إلى متحف، وعلى بُعد مسافة قصيرة من هذا البيت يوجد مسجد صغير وضعت رخامة على جداره الخارجي جاء فيها: «في هذا المسجد درس العلامة عبد الرحمان بن خلدون».

 

في هذ المسجد درس ابن خلدون

جامع الزيتونة

وتم ّالاعتماد في تحديد هذين الموقعين (الدّار والمسجد) على الرّواية الشفويّة التي تناقلتها الأجيال على مدى السنين، وكذلك استناداً إلى المصادر التاريخيّة التي اهتمّت بدرجة أولى عند ذكرها لابن خلدون بنسبه وشيوخه الذّين تتلمذ عليهم، وأسهبت في سرد ذلك لكنها أشارت باقتضاب لمكان ولادته؛ لأنّ العلماء في عصر ابن خلدون لم يكن لهم اهتمام كبير بتحديد أماكن الولادة مثلما هو الحال اليوم.


أرادوا أن يجمّلوه.. !

الخطأ اللغوي..كلمة "لاكن"


وهذه الأيّام قامت بلديّة تُونس العاصمة بصيانة التّمثال التّذكاري؛ ليسترجع ألقه بعد مرور 43 عاماً على نصبه في قلب تُونس العاصمة...واجتهاداً من بعض أعضاء البلديّة، فإنهم رأوا مفيداً إضافة رخامة أخرى ألصقوها على جانب التمثال الأيسر ونحتوا عليها بعض الأقوال المأثورة لابن خلدون من بينها: «إنّ التّاريخ في ظاهره لا يزيدُ عن الإخبار ولاكن في باطنه نظر وتحقيق» وكتبوها هكذا.
هذا الخطأ الإملائي أثار جدلاً واسعاً، وعبّر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عن «انزعاجهم» من أعمال صيانة «أساءت»، حسب تعبيرهم، إلى تمثال ابن خلدون، أحد أبرز المعالم بشارع «الحبيب بورقيبة» بالعاصمة تونس..
وذهب بعض المعلقين إلى حدّ وصف الخطأ بـ«الكارثة اللغويّة»، سيما وأنها تكتب على تمثال العالم والمؤرخ والقاضي ومؤسّس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون.

 

إصلاح الخطأ بعد اعتذار ابن خلدون عنه!

اللوحة الرخامية بعد الإصلاح

وآخرون وصلوا حد المبالغة والشّطط عندما نعت البعض ما حصل بـ«بالفضيحة الحضارية وإهانة لثقافة وحضارة تونس»، وقال عثمان الأطرش: «يمزّقون جسد الثقافة بمدية الجهل»، وإضافة إلى المد في «لكن» فإنّ القولة الأصلية لا تتضمن حرف العطف والاستدراك أصلاً، وهي كما وردت في كتاب ابن خلدون: «إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق».
ودوّن الأكاديمي عبد الجليل بوقرة، قائلاً: «أرادت بلدية تونس أن «تجمّل» تمثال ابن خلدون... فقبّحته.. حيث أضافت لافتة إلى التمثال الذي نحته الفنان الراحل زبير التركي سنة 1978، وحرّفت مقولة شهيرة لابن خلدون».
وأمام هذه الضجّة سارعت وزارة الشؤون الثقافيّة بالإعلان أنها براء ممّا حصل وأن لا علاقة لها بالرخامة وما تم نحته فيها، وأن البلدية هي من تولت عملية الصيانة برمتها للتمثال، وقال أحمد بوعزي عضو المجلس البلدي على صفحته على الفيس بوك: «وقع إصلاح الخطأ بعد الاعتذار من عبد الرّحمن بن خلدون».


من هوعبد الرحمن ابن خلدون؟

عبد الرحمن على ورقة نقدية تونسية


وعبد الرحمن بن خلدون هو ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أبي بكر محمد بن الحسن ولد في غرة رمضان 730 هجري الموافق لـ27 ماي 1332 م، وهو من أعظم الشخصيات في الثقافة العربية الإسلامية في عصره، ويعتبر مؤسس علم الاجتماع وقد تلقى تعليماً تقليدياً على يدي أكبر شيوخ تونس؛ حيث تعلم القرآن والحديث واللغة العربية والفقه. وهو سليل عائلة عربية أصيلة حضر موت قدمت إلى أفريقية عام 625 هجري (1228م).

 مؤلفاته


وله مؤلفات عديدة أهمها «العبر في ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، واستطاع ابن خلدون أن يبني أسساً جديدة للتاريخ، وهو ما جعل الناس يتجهون لقراءة كتابه «المقدمة».
ولقد استشهد به الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، واعتبر «مارك زوكربيرغ» مؤسس شركة فيسبوك كتاب «مقدمة ابن خلدون» ضمن أعظم المؤلفات التي تؤثث مكتبته.

 

قال المؤرخون 


أما المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد جوزف توينبي فوصف مؤلفات ابن خلدون بـ«فلسفة التاريخ التي تعتبر بلا أدنى شك أعظم عمل أنشأه العقل البشري في كل الأصقاع والأزمان».
سبق عبد الرحمان بن محمد بن خلدون (1332 - 1406) مؤسسي علم الاجتماع الحديث أمثال أوغست كونت وإميل دوركايم إلى تبني المنهج العلمي التاريخي لتحليل الظواهر الاجتماعية.
وفي مجال علم الاقتصاد، سبق آدام سميث إلى دراسة العمل كمصدر للنمو وتراكم رأس المال، بالإضافة إلى دور الدولة في الاقتصاد والسياسات الماكرو-اقتصادية.

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

X