لم تعد إنجازات الشباب السعودي محصورة بحدود الوطن، بل تتردد أصداؤها في كل أنحاء العالم، في مجالات شتى، تُواكب العصر الحديث وتقنياته وتطلعاته العالمية.
فيصل درويش الغامدي، باحث متمكن، حمل شغفه بالعمارة والتقنية من أروقة جامعة الملك عبد العزيز السعودية إلى منصات التتويج في جامعة كولورادو بولدر الأمريكية؛ ليقدم نموذجاً حياً للكفاءة الوطنية القادرة على التميز والمنافسة في أرقى البيئات العلمية العالمية.
وقد تجلى ذلك بحصوله على جائزة مختبر "لارسون" عن أبحاثه المبتكرة في الذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية؛ ليكون أول طالب سعودي ينال هذا التكريم، ويتوج بلقب الطالب المتخرج المتميز.
في حوارنا معه، يشير الغامدي إلى أن ما يتحقق اليوم هو نتيجة استثمار وطني واعٍ في الإنسان والعلم، مؤكداً أن هويته السعودية غرست فيه مفهوم الطموح اللامحدود.
بصمة معمارية برؤية تقنية

توجت رحلتك الأكاديمية بالحصول على جائزة مختبر "لارسون" بجامعة كولورادو؛ لتكون أول طالب سعودي ينال لقب "الطالب المتخرج المتميز" في واحد من أعرق المختبرات التقنية في العالم، ما الذي يعنيه لك ذلك؟
هذا التكريم محطة تقدير لوقت طويل من العمل الجاد، لكنه في الوقت ذاته لا يُعد نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر مسؤولية.
حصولي على هذه الجائزة يحمل بعداً شخصياً، لكنه قبل ذلك يحمل رسالة وطنية تؤكد أن الكفاءات السعودية قادرة على التميز والمنافسة في أرقى البيئات العلمية العالمية. هذه الجائزة تعزز لديّ الإيمان بأن ما نحققه اليوم هو نتيجة استثمار وطني واعٍ في الإنسان والعلم، وتدفعني لمواصلة العمل بشغف أكبر، ليس فقط لتحقيق إنجازات فردية، بل للمساهمة في بناء معرفة يمكن توظيفها داخل المملكة من خلال عملي في جامعة الملك عبدالعزيز.
كيف استطعت تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي داخل مختبر تقني عريق لخدمة الفكر المعماري؟
الذكاء الاصطناعي في نظري ليس بديلاً عن الفكر المعماري، بل أداة توسّع أفقه وتدعمه بالتحليل والدقة؛ حيث عملت على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل أداء المباني، وربط القرارات التصميمية والتنفيذية ببيانات حقيقية تتعلق بالطاقة، والراحة الحرارية، وجودة البيئة الداخلية.
اقرأوا أيضاً حوارنا الشيق مع الدكتورة عفت فدعق: الفن تجربة تتجدد بالبحث
لعمارة أكثر وعياً بالبيئة والإنسان
كيف تشرح لنا مفهوم "التوأم الرقمي" في العمارة؟ وكيف يمكن لهذا المفهوم أن يحوِّل المباني من كتل خرسانية إلى كائنات ذكية تتفاعل مع بيئتها؟
التوأم الرقمي في العمارة هو نموذج رقمي حيّ، يمثل المبنى بكل عناصره وسلوكياته ويرتبط ببيانات حقيقية تُحدّث باستمرار.
من خلال هذا النموذج، يمكن للمبنى أن "يتحدث"، وأقصد بذلك أن يوضح كيف يستهلك الطاقة، وكيف يتفاعل مع المناخ، وأين تكمن نقاط الهدر أو الخلل. بهذا المفهوم، يتحول المبنى من كتلة صامتة إلى نظام ذكي قابل للفهم والتنبؤ والتحسين، وهذا يفتح آفاقاً جديدة في التشغيل، والصيانة، والاستدامة، ويجعل العمارة أكثر وعياً بالبيئة والإنسان.
هل ترى أن الخوارزميات ستنافس المعماري في "الإبداع والتصميم"، أم أنها ستكون مجرد أداة لتحسين الأداء الوظيفي والاستدامة في المباني؟
في ما يخص الإبداع والتصميم لا أرى الخوارزميات منافساً للمعماري، بل شريك تقني. دور الذكاء الاصطناعي يكمن في تحسين الأداء، اختبار البدائل، ودعم القرار التصميمي وأي قرار تعديلي على المباني القائمة، بينما تبقى الرؤية، والهوية، والمعنى بيد المعماري.

كيف يمكن لتقنيات "التوأم الرقمي" أن ترفع كفاءة التخطيط العمراني في المملكة؟ وهل سنلمس أثرها قريباً في خفض التكاليف أو تحسين جودة الحياة للسكان؟
التوأم الرقمي يتيح للمخطط العمراني محاكاة المدينة قبل وأثناء وبعد بنائها وتشغيلها. حيث يمكن اختبار السيناريوهات، تقدير التكاليف، قياس الأثر البيئي، وتحسين جودة الحياة للسكان ومن ثم اتخاذ القرارات. حيث إننا نستطيع أن نلمس أثر هذه التقنيات في خفض التكاليف التشغيلية، تحسين كفاءة البنية التحتية، ورفع جودة الحياة، خصوصاً في المشاريع الكبرى.
المملكة تشهد نهضة عمرانية غير مسبوقة؛ كيف ستستثمر تخصصك الدقيق في دعم المشاريع الوطنية الكبرى لضمان بناء مدن ذكية ومستدامة بأيدٍ وطنية؟
توظيف التوائم الرقمية يسهم في تحسين كفاءة الطاقة، دعم الاستدامة، تقليل المخاطر التشغيلية وكذلك تمكين اتخاذ القرار المبني على البيانات. والهدف هو أن تكون هذه التقنيات جزءاً أصيلاً من منظومة التخطيط والتنفيذ والتشغيل الوطنية، وبأيدٍ سعودية مؤهلة.
بيئة أكاديمية قوية

من خلال تجربتك في جامعة الملك عبدالعزيز كعضو هيئة تدريس، ومختبر لارسون بجامعة كولورادو كباحث متميز؛ كيف تقيِّم جاهزية البيئة الأكاديمية السعودية؛ لتبني تخصصات معقدة تجمع بين "الهندسة" و"علوم الحاسب" ومنافسة الجامعات العالمية؟
البيئة الأكاديمية السعودية اليوم تخطو بثبات نحو هذا التكامل. لدينا جامعات قوية، وباحثون متميزون، ودعم متزايد لمثل هذه التخصصات البينية التي تجمع بين الهندسة وعلوم الحاسب. وتُعد جامعة الملك عبدالعزيز نموذجاً رائداً في هذا السياق؛ لما تمتلكه من بنية تحتية بحثية متقدمة، وكفاءات أكاديمية عالية، وبرامج نوعية تشجع البحث التطبيقي والتكامل بين التخصصات.
الهوية والطموح

التميز لا يأتي من فراغ: كيف ساهمت هويتك السعودية وقيم الطموح التي استمددتها من رؤية المملكة في تشكيل منهجك البحثي، الذي يجمع بين أصالة العمارة وحداثة التقنية؟
هويتي السعودية كانت دائماً مصدر دافع، وليس مجرد خلفية ثقافية؛ حيث غرست بي مفهوم الطموح بلا سقف. في أبحاثي، أحرص جداً على أن تكون التقنية في خدمة الإنسان والمكان، لا العكس، وهو توجه يتقاطع مع فلسفة المملكة في بناء تنمية مستدامة تحترم الهوية وتواكب المستقبل.
لطالما كان المبتعثون سفراء للوطن؛ كيف ساهمت تجربتك في نقل صورة مضيئة عن "المعماري السعودي" المتمكن تقنياً في المحافل الدولية؟
رحلة الابتعاث هي تمثيل لوطني قبل أن تكون تجربة شخصية أكاديمية. وأرى أن الالتزام والجدية والقدرة على العمل ضمن فرق بحثية عالمية ساهمت في ترسيخ صورة المهندس المعماري السعودي بوصفه محترفاً ومتمكناً تقنياً وقادراً على الإسهام العلمي بكل فاعلية.
تعرفوا أيضاً إلى هذه الشخصية السعودية الملهمة: أول سعودية في الإيكاو.. مريم أكرم





