هل تعلمين أن الاكتئاب لا يقتصر على الأمهات الحوامل خلال فترة الحمل وحدهن، بل إن هناك آباء يعانون من أعراض اكتئاب خلال فترة حمل الزوجة وبنسبة تتراوح بين 8-10% ، وتعرف باسم اكتئاب ما قبل الأبوة، وهي تقترب من معدلات الاكتئاب لدى النساء في هذه المرحلة. ورغم ذلك يبقى اكتئاب الأزواج أقل تشخيصاً وأكثر تجاهلاً، خصوصاً في ظل التركيز على صحة الأم من دون النظر للحالة النفسية للأب. هذه الحقيقة الصادمة تفتح باباً مهماً للنقاش حول صحة نفسية الأب والزوج، والتي تؤثر بعمق في استقرار الأسرة، وفي تجربة الحمل نفسها.
اللقاء والدكتور عمر مرسي السيد أستاذ الطب النفسي لتوضيح أسباب أكتئاب الزوج أثناء حمل الزوجة الأم وعلاماته، وكيفية التعامل معه، مع التركيز على تأثيره على الجنين ، ودور الزوجة في دعمه.
الحمل رحلة مشتركة

- الحمل ليس تجربة جسدية للمرأة وحدها، بل رحلة نفسية وعاطفية للأسرة بأكملها؛ تشمل صحة الأب النفسية، وهذا لا ينتقص من معاناة الأم، بل نعزّز الشراكة الحقيقية التي يحتاجها الطفل منذ لحظاته الأولى.
- الاهتمام بمشاعر الأب، والاعتراف بها، وفتح مساحة للحوار والدعم، هو استثمار في أسرة مستقرة أكثر توازناً، وفترة حمل أكثر هدوءاً، وبداية صحية لحياة طفل يولد في بيئة آمنة نفسياً وعاطفياً.
ما هو اكتئاب الزوج أثناء حمل الزوجة؟

اكتئاب الزوج أثناء الحمل هو حالة نفسية قد يمرّ بها بعض الرجال خلال فترة حمل زوجاتهم، ويُعرف في الأدبيات العلمية باسم "اكتئاب ما قبل الأبوة" ، هذه الحالة لا تعني ضعفاً في الشخصية، ولا قلة محبة للزوجة أو الجنين، كما لا تتناقض مع صورة الرجل المسؤول أو الداعم.
اكتئاب الزوج في جوهره، هو استجابة نفسية لضغوط متراكمة يمرّ بها الرجل خلال مرحلة انتقالية حساسة في حياته، حيث تتغيّر الأدوار وتتضاعف التوقعات. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذا النوع من الاكتئاب غالباً لا يُشخّص ولا يُناقش، إما بسبب إنكار الرجل لمشاعره، أو بسبب نظرة اجتماعية تقلّل من أهمية صحته النفسية.
اكتئاب الزوج أو الزوجة كما تشير منظمة الصحة العالمية، يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً، وأن التدخل المبكر يمكن أن يخفّف حدّته بشكل كبير، ومع ذلك لا يزال اكتئاب الآباء خلال الحمل منطقة رمادية في الوعي العام، رغم انتشاره عالمياً بنسبة تتراوح بين 8% و10%.
لماذا يُصاب بعض الأزواج بالاكتئاب خلال حمل الزوجة؟
من الناحية النفسية: يواجه بعض الرجال خوفاً عميقاً من المسؤولية الأبوية وتغيّر نمط حياتهم، ويشعرون بقلق من الفشل في دور الأب أو الزوج. وقد تستدعي هذه المرحلة ذكريات طفولة صعبة، أو علاقة مضطربة مع الأب، فتُعاد مشاعر قديمة لم تُحلّ، كما يشعر بعض الأزواج بالتهميش العاطفي نتيجة تركّز الاهتمام الطبيعي على الزوجة والجنين من دون وجود مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم -هم أيضاً-.
من الناحية الاجتماعية والثقافية: لا يزال الرجل في كثير من المجتمعات العربية محاصراً بصورة "الرجل القوي الذي لا يشتكي"، مما يدفعه إلى كبت القلق والتوتر بدل الإفصاح عنهما. وتزيد من هذا الضغط، توقعات الأسرة والمجتمع من الرجل كمعيل أساسي، في ظل ضعف ثقافة الدعم النفسي الموجّهة للرجال.
اقتصادياً ومهنياً: تتصاعد المخاوف المتعلقة بتكاليف الحمل والولادة وتربية الطفل، خاصة في حالات عدم الاستقرار الوظيفي أو ضغط العمل. يشعر بعض الأزواج بثقل المسؤولية المادية وحدهم، وهو شعور قد يتحوّل تدريجياً إلى قلق مزمن أو اكتئاب.
على مستوى العلاقة الزوجية: قد يشهد الحمل زيادة في التوتر بين الزوجين، أو تراجعاً في التواصل اليومي والعلاقة الحميمة، كما قد يتأثر الزوج بالتقلّبات المزاجية للزوجة الحامل من دون وجود وعي متبادل بطبيعة هذه المرحلة، ما يعمّق إحساس الأب الزوج بالوحدة.
مظاهر اكتئاب الزوج أثناء الحمل
نفسياً: قد يعاني الزوج من حزن مستمر أو قلق مفرط، مع سرعة انفعال وشعور دائم بالذنب أو العجز، إضافة إلى فقدان الاهتمام بالحياة الأسرية أو بالمستقبل.
سلوكياً: قد ينسحب عاطفياً أو يلتزم الصمت لفترات طويلة، أو يفرط في العمل هرباً من التوتر داخل المنزل، كما قد يعاني من اضطرابات في النوم وضعف في التركيز، يظهر أحياناً على شكل إهمال أو لا مبالاة.
جسدياً: قد يشتكي من إرهاق مستمر أو صداع وآلام عضلية من دون سبب عضوي واضح، إلى جانب تغيّرات في الشهية، وغالباً ما تقرأ هذه الأعراض على أنها برود أو تقصير، بينما هي في الواقع مؤشرات لضغط نفسي يحتاج إلى احتواء.
طرق للتعامل مع اكتئاب الزوج الأب:
- اعتراف الزوج -نفسه- بالمشاعر وعدم إنكارها؛ وفهم أن القلق والخوف في مرحلة الانتقال إلى الأبوة أمر طبيعي يخفّف من حدّة الشعور بالذنب.
- التحدّث مع شخص موثوق، سواء كان صديقاً أو فرداً من العائلة، قد يشكّل متنفساً مهماً، وفي بعض الحالات يكون اللجوء إلى مختص نفسي خطوة ضرورية.
- يلعب الحوار الصادق دوراً أساسياً، ذلك على المستوى المشترك بين الزوجين؛ مثل مشاركة المخاوف والتوقعات حول الأبوة، والتخطيط المشترك للمستقبل، ما يساعد على تحويل الحمل من عبء فردي إلى تجربة مشتركة.
- ممارسة نشاط بدني منتظم، وتنظيم الوقت بين العمل والأسرة، والاهتمام بالنوم وتقنيات الاسترخاء، كلها عوامل تساهم في تخفيف التوتر وتحسين الصحة النفسية من الناحية الحياتية.
أهمية الدعم للزوجة وللزوج.. نفسياً

- دور الزوجة هنا لا يتمثّل في العلاج، بل في الفهم والاحتواء، إدراك أن الزوج قد يعاني نفسياً حتى وإن لم يُظهر ذلك بوضوح ويصرح به.
- يمكنك فتح مساحة آمنة للحوار بدون تقليل من مشاعره أو مقارنته بغيره، وتشجيعه على التعبير والمشاركة في تجربة الحمل، ما يعزّز شعوره بالشراكة معك.
- كما أن دعم فكرة اللجوء إلى المساعدة النفسية عند الحاجة، والحفاظ على روح التعاون بدل تقسيم الأدوار بشكل صارم، يساهمان في خلق بيئة أكثر توازناً للأسرة.
تأثير اكتئاب الزوجين على الجنين

نعم.. البيئة النفسية داخل الأسرة خلال الحمل تلعب دوراً مهماً في سلامة هذه المرحلة، وعالمياً هناك نحو 10% من النساء الحوامل يعانين من اضطرابات نفسية، أبرزها الاكتئاب، وهو ما قد يؤثر على الحمل إذا لم تتم معالجته.
كذلك اكتئاب الأب؛ فهو لا يكون معزولاً، بل قد ينعكس بشكل غير مباشر من خلال توتر العلاقة الزوجية أو ضعف الدعم النفسي للأم.
من جهة أخرى تتأثر السنوات الأولى من حياة الطفل بشكل مباشر بالصحة النفسية للوالدين، وهذا الاستقرار العاطفي داخل الأسرة يُعدّ أساساً لنمو الطفل السليم وبناء علاقة آمنة معه بعد الولادة.
*ملاحظة من "سيدتي": قبل تقديم هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.






