مرحلة المراهقة واحدة من أشد المراحل تعقيداً في حياة الإنسان، كما أنها من أكثر المراحل التي تضع الأهل، خاصة الأمهات، أمام تساؤلات مقلقة؛ مثل: هل من الطبيعي أن يُخفي ابني أو ابنتي بعض الأمور؟ وهل وجود أسرار دليل على الانحراف أم خطوة طبيعية نحو الاستقلال؟ وأين ينتهي حق الأهل في المعرفة؟ ومتى تبدأ خصوصية المراهق؟
للإجابة، كان اللقاء مع الدكتورة أمل عبد الله، أستاذة التربية والصحة النفسية، التي تقدم فهماً اجتماعياً وأسرياً متوازناً لهذه المرحلة، وتتحدث عن أسرار المراهقين، بعيداً عن التهويل أو التراخي، مع توضيح دور الأهل في بناء علاقة صحية قائمة على الفهم والثقة، من خلال عدة محاور تفصيلية.
المراهقة ليست حرب أسرار

المراهقون لا يحتاجون آباءً يعرفون كل شيء، بل يحتاجون آباء يمكنهم اللجوء إليهم عند الحاجة من دون خوف أو خجل، وفهم المراهقة لا يعني التخلي عن الدور التربوي، بل ممارسته بوعي وحوار وحدود صحية.
عندما يكون الأهل حاضرين بلا اقتحام، مستمعين بلا أحكام، وداعمين بلا ضغط؛ تتحول الأسرار من جدران صامتة إلى جسور ثقة حقيقية تمتد لسنوات طويلة.
المراهقة مرحلة نفسية وتطورية
المراهقة ليست مجرد انتقال جسدي من الطفولة إلى الرشد، بل هي مرحلة نفسية واجتماعية عميقة؛ يسعى فيها المراهق إلى بناء هوية مستقلة عن أسرته، واختبار الحدود المفروضة عليه، وإثبات ذاته بعيداً عن سلطة الوالدين؛ حيث يبدأ المراهق في إعادة تعريف علاقته بذاته وبالآخرين، ويصبح أكثر وعياً بمساحته الشخصية ورغبته في التحكم بحياته الخاصة.
من هنا يظهر ما يُعرف بالإخفاء الجزئي للأسرار، وهو سلوك شائع في هذه المرحلة، وهذا الإخفاء لا يعني بالضرورة كذباً أو انحرافاً، بل يعكس حاجة طبيعية إلى الخصوصية، فالمراهق لا يُخفي أسراره لأنه يرفض أهله، بل لأنه يحاول أن يشعر بأنه كيان مستقل له عالمه الخاص، ومع تطور النضج العقلي والعاطفي؛ تنمو الحاجة إلى الخصوصية، وتصبح مرتبطة مباشرة بالشعور بالاستقلال والثقة بالنفس، لا بالتمرد أو القطيعة الأسرية.
هل من حق الآباء معرفة أسرار الأبناء المراهقين؟
- هذا السؤال يعدّ من أكثر الأسئلة حساسية داخل الأسرة، والإجابة عنه لا يمكن أن تكون مطلقة، فحق المعرفة لدى الأهل يرتبط بطبيعة ما يُخفى، وليس بمبدأ الإخفاء نفسه. عندما يكون الأمر متعلقاً بسلامة المراهق الجسدية، مثل تعاطي مواد ضارة، أو إيذاء الذات، أو التعرض للعنف؛ يصبح تدخل الأهل واجباً لا جدال فيه، الأمر ذاته ينطبق على السلامة النفسية؛ كالاكتئاب الحاد، أو العزلة القاسية، أو أي سلوك قد يهدد مستقبل المراهق وقيمه الأساسية.
- في المقابل، هناك مساحات يجب على الأهل احترامها؛ مثل الصداقات العادية، والمشاعر الشخصية، والتجارب اليومية غير الخطِرة، بينما التدخل المستمر في هذه التفاصيل قد يُشعر المراهق بأن ثقته تُنتهك، وأنه مراقَب لا مُحتضَن، وهو ما يدفعه غالباً إلى مزيد من الإخفاء بدلاً من المصارحة. واحترام هذه المساحة لا يعني الإهمال، بل يدل على وعي الأهل بدورهم وحدودهم.
أين يتوقف تدخل الأهل؟
وهنا يطرأ سؤال: هل أسرار المراهقين تهدد علاقة الآباء بأبنائهم المراهقين؟ الحدود الصحية في التعامل مع المراهق تقوم على مبدأ واضح؛ معرفة المعالم العامة لحياته من دون التورط في التفاصيل الدقيقة.
يحتاج الأهل إلى الاطمئنان على القيم التي يتبناها المراهق، وعلى سلوكياته الكبرى، وأي تغيرات غير اعتيادية قد تطرأ على تصرفاته أو مزاجه.
لكن التفتيش، والتجسس، وقراءة محتوى الجوال أو اليوميات بالقوة، والمراقبة السرية، كلها ممارسات تُشعل الخلافات وتُضعف الثقة بدلاً من تعزيزها، والفرق بين الاطمئنان والسيطرة؛ الأول يخلق علاقة يسودها الشعور بالأمان، والثانية تولّد مقاومة وانغلاقاً.
المصارحة والوضوح والحوار
للعلم: المصارحة لا تُفرض على المراهق، بل تُبنى تدريجياً؛ عبر شعوره بأن رأيه محترم، وأن اعترافه لن يقوده إلى العقاب أو الإدانة.
عندما يشعر المراهق بالأمان العاطفي؛ يصبح أكثر استعداداً للكلام، حتى عن الأمور الحساسة.
الحوار المفتوح يقلل من الأسرار الخطِرة، ويبني جسر ثقة طويل الأمد بين الأهل وأبنائهم.
الحوار الآمن بين الآباء والمراهقين يحتاج إلى أسس واضحة، أهمها الاستماع من دون استجواب، وتجنّب التهديد أو التخويف، والفصل بين الخطأ والشخص، والاعتراف بمشاعر المراهق حتى في حال رفض سلوكه.
بهذه الطريقة، يتحول الحوار من أداة رقابة إلى مساحة دعم حقيقية.
ما أجمل الصمت الواعي والتدخل عند الخطر!

ليس كل صمت ضعفاً، ففي بعض الأحيان يكون الصمت المدروس والمراقبة الهادئة أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة، هذا النوع من الصمت يمنح المراهق مساحة للتجربة والتعلم، ويُشعره بأن الأهل موجودون كدعم لا كملاحقة.
لكن هذا الصمت له حدود، فعندما تظهر علامات خطر واضحة، مثل تغير حاد في السلوك، أو انسحاب اجتماعي مفاجئ، أو عدوانية غير معتادة، أو تدهور دراسي شديد، يصبح التدخل ضرورة ولا يمكن تجاهلها. التوازن هنا هو المفتاح: مساحة للنمو، ويقظة عند الخطر.
تدخل الأهل ورفض المراهق
رفض المراهق لتدخل الأهل في شؤونه الخاصة أمر طبيعي في مرحلة البحث عن الاستقلال والدفاع عن المساحة الشخصية.
هذا الرفض لا يعني بالضرورة قلة احترام، بل يعكس حاجة داخلية لإثبات الذات، في المقابل غالباً ما يكون تدخل الأهل نابعاً من قلق حقيقي وخوف صادق، لا من رغبة في السيطرة.
والمشكلة تبدأ عندما يتجاوز هذا التدخل حدّه الطبيعي، فيتحول إلى ضغط دائم يولّد عناداً، ويكسر جسور التواصل، ويدفع المراهق إلى الانغلاق.
المعادلة الصحية لا تقوم على الانسحاب الكامل ولا على التدخل الخانق، بل على حضور داعم للأهل وحدود مرنة تسمح بالتواصل من دون خنق.
دور الأم
- في كثير من البيوت تكون الأم الأقرب عاطفياً إلى الأبناء، والأقدر على فتح باب الحديث معهم. هذا القرب يمنحها دوراً محورياً في تحويل العلاقة من صراع إلى احتواء.
- دور الأم لا ينبغي أن يكون استجوابياً، بل يجب أن يكون قائماً على الإنصات والفهم، وعندما تشعر الأم أن ابنها أو ابنتها قادران على الحديث معها من دون خوف من المحاسبة؛ تتحول إلى ملاذ آمن حقيقي.






