يتخذ التعلم أشكالاً عديدة. أحياناً، يتعلم الأطفال من خلال تلقينهم المعلومات بشكل مباشر. ومع ذلك، فإنهم يتعلمون في الغالب من خلال مراقبة الحياة اليومية؛ إذ تؤثر الأسرة بشكل كبير على تعلم الطفل وتفاعله الاجتماعي؛ لأنها تمثل مجموعته الاجتماعية الأساسية.
ينمو طفلك بسرعة كبيرة جسدياً وعاطفياً واجتماعياً وفكرياً خلال هذه الفترة. إذا كنتِ تبنين مبنًى ضخماً؛ فستحتاجين إلى أساس متين ليظل شامخاً وقوياً لسنوات. سيواجه المبنى صعوبة في الثبات دون أساس قوي. وبالمثل، إذا لم تكن أسسنا متينة؛ فستجدين صعوبة أكبر في النجاح في علاقاتنا وعملنا وصحتنا وحياتنا الشخصية. وفي نهاية المطاف، تُشكل الأسرة الطفل وتؤثر في قيمه ومهاراته وتنشئته الاجتماعية وأمنه خلال فترة نموه في مرحلة الطفولة. إليكِ حقائق عن تأثير الأسرة في سلوك الأطفال، كما يؤكدها الخبراء والمتخصصون.
القيم الأخلاقية للأسرة تؤثر في سلوك الأطفال

القيم تعني فهم الصواب والخطأ. لدى المجتمع معايير وقيم عامة إلى جانب المعايير والقيم الشخصية. لفهم ما يقدره المجتمع؛ انظري إلى من يحترمه. يُظهر الناس احتراماً أكبر للأفراد والأشياء التي يقدرونها. إذا عاملت الناس بعدم احترام؛ فسيلاحظ طفلك ذلك. الأطفال كالإسفنج يمتصون كل شيء؛ غالباً ما ننسى أنهم يراقبوننا.
يتفق الكثيرون منا على أهمية غرس قيم الاحترام والتعاطف والإنصاف وتعليم المسؤولية لأطفالنا. ويُعَدُّ الحديث عن القيم السليمة وغير السليمة وسيلةً ممتازةً لتعليم الطفل القيم. حتى في سن مبكرة؛ فإن تكليف الطفل ببعض المسؤوليات، مثل تنظيف المائدة أو مواساة صديق أو أخ مريض، يُعلمه أهمية هذه القيم. كما أن شرح أهمية القيم يُساعد الطفل على فهم عواقبها.
في عالمنا المعاصر الذي تهيمن عليه وسائل الإعلام، قد يكون من المناسب حجب بعض هذه الوسائل عن طفلك. على سبيل المثال، قد لا يتعلم طفل في الرابعة من عمره القيم الحميدة من الأفلام المصنفة للكبار. يستطيع البالغون التمييز بين الصواب والخطأ بسهولة أكبر، في حين لا يزال الأطفال الصغار في طور اكتشاف ذلك؛ لذلك أنتم بوصفكم عائلة، يجب عليكم غرس القيم الأساسية في أبنائكم. يتطلب هذا جهداً كبيراً؛ إذ عليكم تعليم هذه القيم من خلال الشرح والتطبيق العملي، وسينظر إليكم الأطفال بوصفكم قدوة في تطبيقها. سيلاحظ طفلكم ما إذا كنتم تتصرفون كما هو متوقع، وسيراقب سلوككم ليقيس سلوكه. وعندما يحدث خطأ ما، عليكم أن تتصرفوا بهدوء واتزان؛ فهو أمر بالغ الأهمية.
يكتسب الطفل المهارات من العائلة
بمجرد ولادة طفلك، يبدأ في تعلم المهارات الحركية واللغوية والمعرفية والعاطفية، التي يتم تعليمها بشكل أساسي من قبل الأسرة. حتى لو كان طفلك في دار حضانة؛ فإن عمل الوالدين في المنزل يكون أكثر فاعلية من الساعات القليلة التي يقضيها تحت رعاية شخص آخر، سيتعلم طفلك الجلوس والمشي والجري والتسلق وحمل الملعقة، وغير ذلك. تبدو هذه المهارات طبيعية بالنسبة لنا، ولكن يجب صقلها في سن مبكرة؛ ما يعزز استقلالية طفلك، وهو أمر ضروري لنموه.
كما تُعَدُّ مهارات اللغة لدى الأسرة أساسية في نمو الطفل. فإذا لم تتحدثي مع طفلك وتُعلميه لغتك؛ فلن يتعلمها، إذ تُعَدُّ المهارات العاطفية من أهم المهارات الأساسية لنمو الطفل؛ فهي ضرورية طوال حياته، لأنها تُعلمه التعاطف والرحمة تجاه الآخرين، وكيفية التعامل مع تقلبات الحياة، ومن دون هذه المهارات، لن يتمكن الطفل من التعامل مع النتائج السلبية، وقد يتخذ قرارات مدمرة في المستقبل.
للمساعدة في تنمية مهارات طفلك العاطفية، علميه الابتسام والتلويح وهو رضيع، والمشاركة عندما يكبر. في العائلات الكبيرة، يمكن لشخص واحد أن يكون له دورٌ بالغ الأهمية في تنمية مهارات الطفل؛ لأن هذا الدور يُوزَّع على أفراد الأسرة.
ركزي على المشاعر الأساسية لطفلك وهو صغير جداً. يساعد أيضاً تسمية المشاعر ووصفها طفلك على فهمها. وبمجرد وضع هذا الأساس، يستطيع الأطفال تعلم كيفية الاستجابة لمشاعرهم والتعامل معها.
كيف تؤثر العلاقة بين الوالدين في تشكيل شخصية الطفل؟ إليك 5 حقائق
تأثير التنشئة الاجتماعية في سلوك الطفل

عندما تصطحبين طفلك إلى المنزل لأول مرة، من المستشفى بعد الولادة، ستصبح عائلتك مجموعته الاجتماعية. الآباء هم المعلمون الأوائل. سيتعلم طفلك لاحقاً كيفية معاملة الآخرين من خلال تفاعلاتك. من خلال التنشئة الاجتماعية العائلية، سيتعلم الثقة، وعندما يكبر قليلاً سيتعلم البحث عن الصداقات، وإيجاد الراحة مع الآخرين.
علينا أن نعلمه بناء العلاقات والحفاظ عليها، بدءاً من الأسرة؛ لذلك يبدو من الضروري تزويده بأدوات تنمية مهارات التواصل الاجتماعي عند الطفل قبل إدخال التكنولوجيا، إذ يساعده ذلك على تجنب الآثار السلبية الشائعة.
كما يُعَدُّ التفاعل المباشر وجهاً لوجه أمراً بالغ الأهمية في نمو الطفل؛ فهو يحتاج إلى استجابات فورية، وتعبيرات وجه، وإشارات، ونبرة صوت لا نتلقاها عبر الرسائل النصية أو تطبيقات المراسلة الإلكترونية. هذا ما يتطلع إليه طفلك منك. لذا؛ احرصي على أن يضع أفراد الأسرة هواتفهم جانباً ويقضوا بعض الوقت بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي، فهذا يضمن استمرار التواصل الشخصي مع طفلك. حتى مجرد التحدث معه في أثناء العشاء عن يومه يُعزز مهاراته في التواصل المباشر.
الأسرة تعطي الأمان الذي يؤثر في سلوك الطفل
يستمد طفلك إحساسه الأساسي بالأمان من عائلته؛ فهو يعتمد عليك لتلبية احتياجاته الأساسية، مثل المأوى والطعام والملابس. كما يوجد أمان عاطفي في المنزل لن يجده طفلك في أي مكان آخر. بمجرد ذهاب الطفل إلى المدرسة، سيتعلم المهارات العامة والاجتماعية، لكن طفلك يتعلم أن يكون على طبيعته ويعبر عن نفسه بشكل كامل في المنزل. إن خلق بيئة آمنة ومنفتحة أمر حيوي لنموه.
بصفتك أحد الوالدين، يمكنك مساعدة طفلك على الشعور بالأمان من خلال توفير الاستقرار والتنظيم عبر وضع جدول زمني. سيعرف طفلك أنه سيأكل ويستحم وينام كل يوم في وقت محدد. سيشعره هذا الجدول بالراحة؛ لعلمه أن احتياجاته ستُلبى، ما يسمح له بالتركيز على تنمية مهارات جديدة.
الشعور بالأمان لدى طفلك صفة إيجابية تدوم مدى الحياة. وبناء الثقة بينك وبين طفلك يتم بهذه الطريقة أيضاً؛ فعندما يشعر طفلك بأنه يستطيع الوثوق بالآخرين، سيكون أكثر ارتياحاً في تعبير الطفل عن مشاعره. وتتحقق الثقة من خلال الارتباط الآمن عندما تُلبى احتياجاته الأساسية والعاطفية.
تخيلي أن يكبر من دون ثقة أو ارتباط أو أمان! ولمنع حدوث ذلك؛ ركزي على الصفات الأساسية التي تضمن سلامة طفلك، مثل الاعتمادية والاتساق والاحترام والاستجابة. وبصفتك أماً، من الضروري أن تدركي احتياجات طفلك وكيف يعبر عنها. كل شخص يعبر عن نفسه بطريقة مختلفة، والأطفال ليسوا متشابهين أيضاً.
الوجبات العائلية وأثرها في سلوك الطفل

لقد ثبت أن تناول الوجبات معاً بوصفكم عائلة له فوائد غذائية واجتماعية وشخصية للأطفال والمراهقين. يرتبط تناول الوجبات العائلية بشكل متكرر بزيادة استهلاك الفاكهة والخضروات، وتحسن الحالة التغذوية، وانخفاض خطر الإصابة بالسمنة لدى المراهقين بالإضافة إلى ذلك، يرتبط تكرار تناول الوجبات العائلية بزيادة التواصل الأسري وتحسين العلاقة بين الوالدين والطفل.
يعبر المراهقون الذين يتناولون الطعام مع عائلاتهم، على وجه الخصوص، عن شعورهم بمزيد من الحب والدعم من والديهم مقارنةً بأولئك الذين لا يتناولون الطعام مع عائلاتهم، كما يرتبط تكرار تناول الوجبات العائلية بارتفاع تقدير الذات، وصورة أفضل للجسم، وانخفاض السلوكيات الخطرة، فضلاً عن انخفاض الاكتئاب والقلق والتوتر والأفكار السيئة
الصحة النفسية للعائلة وأثرها في سلوك الطفل
في المراحل المبكرة من النمو، يُعَدُّ التقليد، كما سبق أن ذكرنا، أول وسيلة يتعلم بها الطفل كيفية التفاعل مع بيئته. يتعلم الأطفال، من دون قصد، كيفية الاستجابة للضغط أو الصراع من خلال مراقبة سلوكيات أسرهم. وعلى مدار حياة الإنسان، يميلون إلى محاكاة هذه السلوكيات في علاقاتهم الشخصية. قد يكون هذا السلوك المكتسب إيجابياً إذا تمت محاكاة التواصل الفعَّال، وحل النزاعات، ومهارات التأقلم الصحية. ولكن قد يُنظر إلى هذا السلوك المكتسب على أنه سلبي إذا تمت محاكاة العنف الأسري، أو الجدال الحاد، وغيرها من المشكلات داخل العائلة.
لكن يمكن أن تتأثر الصحة النفسية بالصدمات والفقر، والنفوذ، أو الامتيازات، وهي تؤثر بشكل كبير في شخصية الأطفال؛ فالأسر التي تعزز التواصل الصحي وتُظهر الحب والتشجيع والحنان، يكون لها تأثير إيجابي في الصحة النفسية للطفل وعلاقاته مع الآخرين. في المقابل، فإن الأسر التي تعاني من ضغوطات متزايدة أو تفتقر إلى الأمان والتقدير والدعم العاطفي، يكون لها تأثير سلبي في الصحة النفسية للطفل.
كيف تؤثر البيئة العائلية في صحة الطفل النفسية؟
تقدير الذات عند الأسرة وأثره في سلوك الطفل

لا تجعلي طفلك يشعر بالذنب، أو يكون منتقداً لنفسه، بدلاً من ذلك كوني أكبر داعميه، واعلمي أن طفلك إذا أجرى حديثاً سلبياً مع نفسه؛ فسيسأل نفسه أيضاً: "ماذا ستقول أمي لو سمعتني أتحدث إلى نفسي هكذا؟" يُمكن للدعم الاجتماعي الذي يتلقاه طفلك منك أن يُسهم في تعزيز الطفل شعوره باحترام الذات . بالإضافة إلى ذلك، فإن تهيئة بيئة من التشجيع والتفاؤل والأمان قد تُعزز تقدير الذات وتُساعد في تشكيل نظرة طفلك لنفسه، وتعاطفه مع الآخرين. في المقابل، يُمكن أن يؤدي نقص الدعم الاجتماعي إلى شعور الطفل بعدم الأمان وعدم الثقة بنفسه في العمل والمدرسة وفي أي مكان آخر.
واعلمي أن علاقة الطفل مع الآخرين ترتبط بطبيعة علاقاتك أنت، وهذا بدوره قد يؤثر في اختياره لشريكة أو شريك حياتها مستقبلاً، وقيمنا في العلاقات؛ فطبيعة العلاقات في الصغر، تدعم الزواج والحب في المستقبل.






