الصيام يمثل تغيراً بيولوجياً ملحوظاً في إيقاع الجسم؛ إذ تختلف أنماط النوم، وتختلف مستويات الطاقة، كما تقل ساعات تناول الطعام والشراب. كل هذا بالتأكيد يؤثر على الحالة الذهنية.
لهذا السبب ينصح الخبراء الشباب بضرورة إعادة ترتيب أوقات العمل الذهني، وهنا تشير أبحاث علم الأعصاب والتمثيل الغذائي إلى أن جودة الأداء العقلي أثناء الصيام، تتعلق قبل كل شيء بتوقيت المهام وإدارة الطاقة، وليس بالصيام نفسه. اختيار الوقت المناسب يمكن أن يحافظ على الإنتاجية، وأحياناً يعززها.
وفي هذا الصدد، التقت "سيدتي" مريم بواطنه، اختصاصية تغذية، ومدربة في التشافي العاطفي والأسري، للحديث عن أوقات العمل الذهني المناسبة خلال الصيام.
إعداد: إيمان محمد
ضبط الإيقاع اليومي في رمضان
قبل تحديد الأوقات المناسبة للعمل الذهني، تقول المدربة مريم إن الدماغ يعتمد على إيقاع يومي داخلي (Circadian Rhythm) ينظم اليقظة والانتباه وإفراز الهرمونات. بشكل طبيعي، يصل هرمون الكورتيزول (المسؤول عن اليقظة) إلى أعلى مستوياته خلال الساعة الأولى بعد الاستيقاظ، مما يجعل هذه الفترة ذهبية للتركيز.
حتى مع تغير موعد النوم في رمضان، يبقى هذا القانون البيولوجي ثابتاً، وهو "أفضل أداء ذهني يحدث خلال الساعات الأولى بعد الاستيقاظ"، وتوضح "حين يكون الدماغ في أعلى مستويات صفائه ووظائفه التنفيذية".

الأوقات المناسبة للعمل الذهني
حددت المدربة مريم الأوقات المناسبة للعمل أو المذاكرة، وفقاً للحالة الذهنية خلال صيام رمضان، وجاءت كالتالي:
بعد السحور مباشرة: التركيز العميق
تقول المدربة : "تعد الفترة التي تلي السحور مباشرة، خصوصاً لمنْ حصلوا على نوم كافٍ، الأكثر قابلية للعمل الذهني العميق". وأرجعت السبب إلى:
- يكون مستوى الجلوكوز في الدم مستقراً.
- مخازن الجليكوجين لم تستنفد بعد.
وهنا تشير المختصة إلى أن أبحاث التغذية العصبية تؤكد أن وجبات السحور المرتكزة على البروتين والدهون الصحية -مثل البيض، الألبان، المكسرات، الأفوكادو- توفر طاقة بطيئة وثابتة الامتصاص، ما يقلل الهبوط المفاجئ في التركيز.
أنسب المهام هذه الفترة:
- الكتابة العميقة.
- الدراسة التحليلية.
- التخطيط الاستراتيجي.
- أعمال تتطلب إبداعاً ذهنياً.
هذه الفترة تستمر عادة بين ساعتين إلى ثلاث ساعات.
من بعد الفجر حتى منتصف الصباح: استقرار التركيز
تستكمل الممدربة مريم خطتها للعمل الذهني، وتقول "يمتد الأداء الجيد حتى حوالي العاشرة أو الحادية عشرة صباحاً". خلال هذه الساعات:
- لا يكون الجفاف قد وصل إلى مستوى مؤثر بعد.
- الانخفاض في الجلوكوز لم يبدأ تأثيره الحقيقي.
- درجة اليقظة لا تزال مرتفعة بفضل إيقاع الجسم.
وهنا تسترشد المختصة بدراسات أشارت إلى أن فقدان 1–2% فقط من الماء يمكن أن يؤثر في الانتباه وسرعة المعالجة، لكن هذا عادة يحدث لاحقاً في النهار أثناء الصيام، وليس في الساعات الأولى.
أنسب مهام هذه الفترة:
- الاجتماعات المهمة.
- إتمام التقارير.
- التفكير التحليلي المتوسط.
جميعها مهام تتطلب دقة ذهنية جيدة ولكن ليست منهكة.

ما قبل الإفطار نقطة الهبوط الطبيعية
وتقول المختصة إنه في الساعات الأخيرة من الصيام، يبدأ الكثيرون بالشعور ببطء عقلي وانخفاض في الطاقة. للأسباب التالية:
- انخفاض الجلوكوز.
- بداية الجفاف التراكمي.
- نقص الكافيين لدى المعتادين عليه.
- انخفاض القدرة على ضبط الانتباه نتيجة الإرهاق.
وهذا يجعل هذه الفترة أقل مناسبة للمهام المعرفية الثقيلة، وبدل مقاومة هذا الهبوط الطبيعي، يستحسن تخصيصها لأعمال خفيفة، وممارسة رياضة المشي منخفضة إلى متوسطة الشدة.
أنسب مهام هذه الفترة:
- الأعمال الروتينية.
- المراجعة البسيطة.
- ترتيب الملفات أو البريد الإلكتروني.
- المهام الإدارية غير الإبداعية.
بعد الإفطار عودة تدريجية للنشاط
وهنا توضح المختصة "يشعر كثيرون بأنهم سيعودون مباشرة إلى نشاطهم الذهني بعد الإفطار؛ إلا أن الجسم يوجه جزءاً من تدفق الدم نحو الجهاز الهضمي، مما يسبب خمولاً مؤقتاً يدوم بين 45 و90 دقيقة".
لكن بعد استقرار مستويات الجلوكوز وترطيب الجسم، يعود النشاط تدريجياً. وتشير أبحاث حول الصيام المتقطع إلى احتمال ارتفاع عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) الذي يدعم المرونة العصبية، ويسهم في صفاء الذهن.
أنسب مهام الفترة المسائية:
- المذاكرة المتوسطة.
- التخطيط.
- التعلم الهادئ.
- القراءة.
علاقة النوم بالعمل الذهني
بعد تقسيم اليوم لأوقات نشاط ذهني وأخرى انخفاض في هذا النشاط، أوضحت المدربة مريم أن ثمة علاقة وثيقة بين النشاط الذهني والنوم، وتقول "لا يمكن الحديث عن الأداء الذهني دون الإشارة إلى النوم"، وتؤكد أن الحرمان الجزئي من النوم يُضعف الذاكرة قصيرة المدى، ويقلل الانتباه، ويبطئ المعالجة الذهنية. في رمضان، يتجزأ النوم، لكن الحفاظ على مجموع 7 ساعات -ليلاً بالإضافة إلى قيلولة- يبقى أساسياً لاستقرار الأداء العقلي.
اقرئي أيضاً ما مستوى وعيك الذاتي؟.. طريقك نحو النضج وفهم الذات





