بالتزامن مع الاحتفاء بـ اليوم العالمي للمسرح، تتجدد الحكايات التي صنعت مجد هذا الفن العريق، ويبرز اسم فيروز بوصفها واحدة من أبرز أيقونات المسرح الغنائي في العالم العربي، حيث نجحت، بصوتها الاستثنائي وحضورها الآسر، في ترسيخ تجربة فنية متكاملة تجاوزت حدود الغناء إلى فضاء المسرح، بالشراكة مع الأخوان عاصي ومنصور رحباني.
لم تكن هذه التجربة مجرد تعاون فني عابر، بل مشروع ثقافي متكامل أعاد تعريف المسرح الغنائي العربي، من خلال المزج بين الشعر والموسيقى والدراما والاستعراض، في صيغة فنية متماسكة صنعت وجدان أجيال متعاقبة، ولا تزال أعمالها حاضرة بقوة حتى اليوم.
مسرح فيروز والرحابنة.. مشروع فني أعاد صياغة الواقع بلغة الخيال
شكّلت أعمال فيروز والرحابنة حالة فنية فريدة، حيث لم تعتمد على السرد التقليدي، بل قدمت عوالم متخيّلة تعكس بعمق الواقع الاجتماعي الذي عاشه لبنان والمنطقة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
ابتكر الرحابنة مدنًا افتراضية وشخصيات رمزية، وجعلوا من المسرح مساحة لطرح قضايا كبرى وواقع معاش في إطار شاعري بسيط يصل إلى الجمهور بسهولة وعمق في آنٍ واحد.
كما تميزت هذه الأعمال باستخدام تقنيات مسرحية متقدمة في حينها، من حيث الإضاءة والديكور، إلى جانب الأغاني التي لم تكن مجرد فواصل، بل جزءًا أصيلًا من السرد الدرامي، تحمل الفكرة وتدفع الحدث.
مسرحيات فيروز.. محطات مفصلية صنعت أسطورة المسرح الغنائي
قدّمت فيروز مجموعة من المسرحيات الغنائية التي شكّلت العمود الفقري لمسيرتها المسرحية، بداية من "جسر القمر" (1962) التي مثّلت الانطلاقة الفعلية، مرورًا بـ "الليل والقنديل" (1963)، و"هالة والملك" (1967)، وصولًا إلى أعمال أكثر نضجًا مثل "جبال الصوان" (1969) و"يعيش يعيش" (1970).
وتوالت النجاحات عبر مسرحيات بارزة مثل "صح النوم" (1971)، و"ناطورة المفاتيح" (1972)، و"المحطة" (1973)، و"لولو" (1974)، و"ميس الريم" (1975)، وصولًا إلى العمل الضخم "بترا" (1977)، الذي يُعد من أبرز الإنتاجات المسرحية العربية من حيث الرؤية والطرح.
وقد تميزت هذه الأعمال بتكامل عناصرها الفنية، حيث لم تكن الأغنية منفصلة عن الحدث، بل كانت أداة تعبير درامي، ما جعل هذه المسرحيات نموذجًا متقدمًا للمسرح الغنائي العربي.
قد تحبين قراءة.. فيروز وابنها زياد الرحباني: من “سألوني الناس” إلى “كيفك إنت”... دايماً بالآخر في وقت فراق
أبرز المسرحيات.. عندما يتحول الغناء إلى سرد درامي حي
مسرحية "هالة والملك".. كوميديا رمزية
في هذه المسرحية التي عُرضت عام 1967، قدمت فيروز شخصية "هالة"، الفتاة البسيطة التي ترفض الانخراط في الفساد داخل مملكة خيالية. ومن خلال قالب كوميدي خفيف، نجح عاصي الرحباني ومنصور الرحباني في تسليط الضوء على مفاهيم الطمع والنفاق.
وقدّمت فيروز خلال العمل مجموعة من الأغاني التي عكست ملامح الشخصية، حيث مزجت بين البراءة والحزن، في أداء غنائي يحمل أبعادًا درامية واضحة.
مسرحية "جبال الصوان".. صرخة في وجه القهر
هذه المسرحية قدمت عام 1969 لتعكس صورة رمزية عن معاناة الشعوب. وجسدت فيروز شخصية "غربة"، التي تتحول إلى صوت للأمل.
تميّز العمل بأغانيه الوطنية التي ارتبطت بالذاكرة العربية، حيث لم يكن الغناء مجرد تعبير جمالي، بل أداة تعكس التمسك بالأرض والهوية.
مسرحية "يعيش يعيش".. نقد ساخر للواقع الاجتماعي
في عمل عُرض عام 1970، قدّم الرحابنة رؤية نقدية للواقع الاجتماعي في المنطقة من خلال أحداث تدور في بلد خيالي. لعبت فيروز دور "هيفا"، الفتاة التي تنقل ببراءتها صورة الواقع المتصدع.
وقد حملت أغاني المسرحية أبعادًا إنسانية عميقة، خاصة تلك التي تناولت الطفولة والحرب، لتُبرز قدرة المسرح الغنائي على التعبير عن القضايا الكبرى بلغة بسيطة ومؤثرة.
مسرحية "ناطورة المفاتيح".. عن الهجرة والحنين
تناولت المسرحية، التي عُرضت عام 1972، قضية الهجرة التي شهدها لبنان، حيث أدت فيروز دور "زاد الخير"، التي ترفض مغادرة وطنها رغم الظروف القاسية، وقدّمت المسرحية معالجة إنسانية مؤثرة لفكرة الرحيل، حيث تحولت "المفاتيح" إلى رمز للذاكرة والعودة، في واحدة من أكثر الأعمال عمقًا على المستوى العاطفي.
مسرحية "ميس الريم".. دعوة للمصالحة
في عام 1975، ومع تصاعد التوترات في لبنان، جاءت هذه المسرحية لتعكس واقع الانقسام الاجتماعي، من خلال قصة تدور في قرية تشهد صراعًا داخليًا، وجسدت فيروز شخصية "زيون"، التي تحاول رأب الصدع بين الأهالي، وقد حملت أغاني العمل رسائل واضحة تدعو إلى التسامح ونبذ الخلاف، ما منح المسرحية بُعدًا إنسانيًا يتجاوز سياقها الزمني.
من الطفولة إلى الأسطورة.. كيف بدأت حكاية فيروز؟
وُلدت فيروز باسم نهاد وديع حداد في لبنان، وظهرت موهبتها الغنائية منذ الطفولة، قبل أن يكتشفها الموسيقي محمد فليفل، الذي كان له دور في انضمامها إلى الإذاعة اللبنانية.
ومن خلال هذه الانطلاقة، بدأت رحلتها نحو النجومية، لتتعاون لاحقًا مع الأخوان رحباني، في شراكة فنية استثنائية امتدت لعقود، وأسفرت عن إرث فني ضخم، لم يقتصر على الأغنية، بل شمل المسرح الذي أصبح أحد أهم أعمدة تجربتها.
فيروز على المسرح.. صوتٌ تحوّل إلى ذاكرة أمة
لم يكن حضور فيروز على المسرح مجرد أداء غنائي، بل كان تجربة إنسانية متكاملة، جعلت منها رمزًا فنيًا يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا. فقد استطاعت، من خلال المسرح الرحباني، أن تُعبّر عن قضايا الإنسان العربي، وأن تحوّل الأغنية إلى خطاب ثقافي وفني عميق.
وبينما تستمر الأجيال في اكتشاف هذا الإرث، يبقى اسم فيروز حاضرًا كواحد من أهم أعمدة المسرح الغنائي العربي، وتجربتها مع الرحابنة نموذجًا فريدًا لكيف يمكن للفن أن يصنع تاريخًا لا يُنسى.
اقرئي أيضاً.. فيروز والمسرح.. مسيرة استثنائية جعلتها أسطورة المسرح الغنائي
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».
