عند الحديث عن "اضطراب طيف التوحد"، يتبادر إلى الأذهان غالباً أنه حالة يواجه فيها من يعاني من هذا الاضطراب صعوبة في بناء وتطوير العلاقات الاجتماعية والتواصل المباشر، وقد يذهب بنا العقل إلى تصور واقع انعزالي تقييدي غير مفهوم يحيط بهذا الاضطراب.
وفي الواقع، هذه واحدة من الصور النمطية التي منحت عيد الشمري، وهو من ذوي الأداء العالي من طيف التوحد، دافعاً كبيراً لإثبات العكس، ليؤكد للعالم أن ذوي التوحد أشخاص موهوبون، غير أن مواهبهم تحتاج إلى أن تغرس في أرض خصبة وطيبة لتثمر نجاحات وإنجازات.
في هذا الحوار الملهم، بمناسبة اليوم العالمي للتوحد، يتحدث الفنان التشكيلي والاختصاصي التوعوي السعودي عيد الشمري عن رحلته مع "التوحد"، وكيف حوّله إلى صديق في المسيرة وليس عائقاً، مستعرضاً علاقته بالريشة والألوان، وكيف سخّر منصات التواصل الاجتماعي لتكون منبراً لنشر الوعي والرسالة.
البحث عن مكامن القوة
كيف حوّل عيد الشمري تجربته مع التوحد من "اضطراب" إلى "حافز"؟
لم أكن أركز على نقاط ضعفي، بل كنت أبحث في أعماقي عن مكامن القوة، ورغم امتلاكي القدرة على التغيير، فإنني كنت أفتقد الطريق وأشعر بالشتات. وحينما رأيت أقراني يعانون مما عانيته، استُثيرت تلك القوة في داخلي؛ فقررت أن أحول معاناتنا المشتركة إلى دافع لمساعدة الأهالي على فهم أبنائهم من واقع أعيشه يومياً. هذا العطاء منحني ثقة بالغة بنفسي، ورأيت أثره في تحسين حياة الآخرين، لتصبح التوعية رسالتي السامية وهدفي الأول منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري.

متى أدركت لأول مرة علاقتك بالريشة والألوان؟
لم أكن أدرك أن بداخلي موهبة محبوسة لسنوات، لولا فضل الله، ثم والدي؛ الذي اكتشفها بالصدفة. حين أمسكتُ الفرشاة لأول مرة في عمر التاسعة، انطلقت شرارة الإبداع التي أبهرت والدي، ليتساءل بدهشة: متى تعلم الرسم؟ وهل كان يدرك حقاً أنه فنان؟ ولو لم تتدخل تلك الصدفة، تُرى ماذا كان سيحل بهذه الموهبة؟
الفن كلغة تواصل

هل هناك لون أو منظر مفضّل يُشعرك براحة كبيرة عندما تضعه على اللوحة؟
أحب منظر أمواج البحر والأفق، والتقاء السماء بكثبان الرمال في مشهد جمالي، كما يستهويني اللون الأزرق.
هل يساعدك الرسم على الهدوء عندما تشعر بالانزعاج من الضجيج حولك؟
أنا والضجيج أصحابٌ لا نفترق، فالضجيج يعيش بداخلي وينظمه الرسم والكتابة، فكلاهما مكملان للآخر؛ فتخيل شريحة نانو بحجم دماغ نملة تدير طائرة إيرباص A380! هكذا أتعامل مع الضجيج.

كيف أسهم الفن في تطوير مهاراتك في التواصل والحديث أمام الجمهور؟
الفنُ وحده لم يخدمني في التواصل مع الآخرين، بل ساعدني لأعبّر عن مشاعري، وبناء لغة تواصل، والحديث عنه أمام الجمهور.
ما هي الرسالة التي تريد أن تقولها للعالم من خلال فنك؟
لا يمكن للآخرين أن يدركوا مدى ارتباط الفن بالتوحد، وما هي جسور التواصل التي يبنيها الفن، والمفاتيح المخفية لفتح بوابة جسر التواصل معنا، فلا بد من المزيد من التوعية لفهم التوحد أولاً، ثم ربطه بالفن ثانياً.
بالحديث عن الألوان وعلاقتها بالتوحد اقرأوا: تأثيرات 10 ألوان على ديكور منزل طفل التوحد مدعمة بدراسات
الخرافات كثيرة والتوعية هي الحل

ما الذي دفعك لمشاركة أفكارك وتجربتك مع الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي؟
إن ما دفعني للمشاركة ونقل تجربتي هو الواقع الذي أعيشه وأعانيه؛ فكيف بمن لا ينطق من أقراني ولا يستطيعون التعبير؟ فمن رَحِم هذه المعاناة ولدت موهبتي، لأمضي بها قدماً في مجال التوعية.

ما هي "الخرافة" أو الفكرة الخاطئة عن التوحد التي تتمنى أن يصححها الناس؟
الخرافات كثيرة، والخزعبلات لن تتوقف عند شيء محدد؛ فهي تتطور وتبحث عن نقاط الضعف. ومتى ما تمت التوعية ونشرها على نطاق واسع، نستطيع مكافحة الخرافات والتصدي لها.
بالدعم والدمج نحقق المستحيل


كيف يمكن للمجتمع سواء في المدرسة أو العمل أن يكون مكاناً أفضل لذوي التوحد؟
إن ذوي التوحد بحاجةٍ ماسة للاندماج في المجتمع، وتسخير كل السُبل والوسائل لدمجهم، مع ضرورة تقبّل الاختلاف بيننا وبين بقية الاضطرابات؛ فنحن الاضطراب الوحيد في العالم الذي لا يتشابه أفراده، تماماً كما هي ذرات الرمال.
في اليوم العالمي للتوحد، ما هي أهم نصيحة تحب تقديمها لكل موهوب من ذوي التوحد يريد أن يبدأ مسيرة ناجحة؟
رسالتي لكم هي: طوّروا مهاراتكم واستعينوا بالآخرين؛ فأنا أعلم بأنكم قادرون على تحقيق المستحيل، ولكننا بحاجة للمساعدة لتنظيم أفكارنا ومهاراتنا وقدراتنا، فلنمنح الآخرين فرصة لمساعدتنا، لنصبح منتجين وقادرين على تحقيق أهدافنا.
وأخيراً، تعرفوا إلى أخطاء شائعة يرتكبها الأهل مع طفل التوحد
