mena-gmtdmp

لمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد.. كيف يتعايش البالغون مع "طيف الاختلاف"؟

العلاج المعرفي السلوكي من أهم خطوات التكيُّف مع التوحد- المصدر freepik
العلاج المعرفي السلوكي من أهم خطوات التكيُّف مع التوحد- المصدر freepik

يصادف 2 أبريل من كلّ عام اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، وهو فرصة لمزيد من التوعية بالمرض والوقوف عند أحدث طرق العلاج. وعند الحديث عن التوحد؛ فإن عادة الرسائل والدراسات تنصبّ على الأطفال والاكتشاف المبكر. بينما التوحد مرض يصيب الكبار ويستمر معهم، وهذه النقطة هي مرتكز حديثنا.
التقت «سيّدتي» مع الدكتورة دينا الجابري، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، للحديث عن "التوحد عند البالغين"، وتوضيح كيفية التعايش معه وإدارته، وما إذا كان هناك سبل للشفاء.
وكشفت الجابري خلال حديثها، الرؤى الحديثة للطب النفسي تجاه التوحد عند الكبار، وكيف يمكن تحويل هذا التحدي إلى استقرار، عبْر إستراتيجيات الإدارة الذاتية وتفهُّم مفهوم "التنوُّع العصبي".

هل يمكن أن يتعافى الكبار من التوحد؟

بدأت الدكتورة دينا الجابري حديثها بتصحيح مفهوم جوهري في الطب النفسي المعاصر، وقالت: "التوحد عند الكبار لا يُنظر إليه كمرض عضوي أو خلل يحتاج إلى علاج جذري أو يمكن أن ننتظر الشفاء التام منه". وأوضحت: "في الطب النفسي الحديث، التوحد هو طريقة مختلفة تماماً في عمل المخ، وهي سمة مستمرة طوال حياة الإنسان. لذلك، الهدف من الدعم النفسي والاجتماعي ليس تغيير الشخص ليصبح نسخة مماثلة للآخرين؛ بل مساعدته على أن يعيش حياة أفضل، راضياً عن نفسه وقادراً على الاعتماد على ذاته".

الدكتورة دينا الجابري أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس

التوحد ومفهوم "التنوُّع العصبي"

وتطرح أستاذ الطب النفسي مفهوم "التنوُّع العصبي" والذي يجب أن يغيّر النظرة إلى المصابين بالتوحد. وقالت للتوضيح: "هذا المفهوم أو التصنيف الطبي يدعو المجتمع للتعامل مع المصابين بالتوحد، ليس كأفراد أقل كفاءة؛ بل كأشخاص يفكرون ويتفاعلون مع العالم بطريقة مختلفة. لأن الهدف النهائي هو الوصول إلى جودة الحياة التي تضمن لهم الاستقرار النفسي والاجتماعي".

إستراتيجيات التعايش في العمل والعلاقات الاجتماعية

أكّدت د. دينا الجابري أن البالغين المصابين بطيف التوحد، يحتاجون إلى أدوات عملية ملموسة لمواجهة تعقيدات الحياة اليومية؛ خاصة في بيئات العمل والعلاقات الاجتماعية التي تعتمد على التلميحات والذكاء العاطفي.

بيئة العمل

لتحقيق أقصى إنتاجية وتقليل التوتر في العمل، تنصح الطبيبة بضرورة توفير بيئة تتسم بالوضوح:

  • وضوح التعليمات: يفضّل أن تكون الأوامر والمهام الوظيفية مكتوبة ومباشرة، بعيدة عن التأويل أو التلميح.
  • تجزئة المهام: تقسيم المشاريع الكبيرة إلى خطوات صغيرة محددة يسهل إنجازها.
  • التحكم في المثيرات الحسية: تقليل مستويات الضوضاء والزحام في المكتب قدر الإمكان؛ لأن الجهاز العصبي لمصابي التوحد، قد يكون شديد الحساسية للمؤثرات الخارجية.
  • الروتين التنظيمي: الالتزام بجدول يومي ثابت، واستخدام أدوات التنظيم مثل: تطبيقات التذكير والملاحظات المكتوبة، يقلل بشكل كبير من نوبات القلق.

العلاقات الشخصية

التحدي الأكبر لأيّ شخص مصاب بالتوحد، يكمن في "التواصل غير اللفظي". وهنا نصحت د. دينا بضرورة تعلُّم مهارات التواصل المباشر، مثل: كيفية التعبير عن الرأي بوضوح تام، وطلب الاحتياجات الشخصية بشكل مباشر؛ لأن الاعتماد على فهم تلميحات الآخرين، يمثل عبئاً ذهنياً كبيراً عليهم.

التوحد قد يصيب البالغين بالاكتئاب- المصدر freepik

مضاعفات تشخيص التوحد في سن متأخر

ترى د. دينا الجابري أن الكبار المصابين بالتوحد، يواجهون تحديات وتبعات نفسية خطيرة. وقالت: "هؤلاء الأشخاص عاشوا سنوات طويلة وهم يدركون أنهم مختلفون، أو يواجهون صعوبات في الاندماج من دون أن يجدوا تفسيراً علمياً لذلك". وقالت إن لهذا التأخير مضاعفات تشمل:

الاكتئاب المزمن

قد يصاب بعضهم بالاكتئاب المزمن نتيجة الشعور المستمر بالإحباط والفشل في تحقيق التوقعات الاجتماعية التقليدية.

تدنّي تقدير الذات

حيث يشعر الشخص بأنه مخطئ أو غير كافٍ بسبب عدم فهمه لطبيعة جهازه العصبي.

اضطرابات القلق والرُهاب الاجتماعي

التجنُّب المستمر للمواقف الاجتماعية الصعبة، قد يتحول مع الوقت إلى رُهاب اجتماعي حقيقي.

وتحذر أستاذ الطب النفسي من فخ "العزلة الرقمية"؛ قائلة: "نمط الحياة الحديث، الذي يتيح العمل من المنزل وقضاء ساعات أمام ألعاب الكمبيوتر، قد يغري الشخص المصاب بالتوحد بالانسحاب من العالم الحقيقي؛ لأنه يجد فيه راحته المؤقتة. لكن هذا الانسحاب يَزيد من فجوته الاجتماعية ويفاقم أعراض الاكتئاب بمرور الوقت".اقرأي أيضاً كيف تحمي نفسك من التوتر وتأثيره على صحتك؟

إستراتيجيات تأهيل البالغين من مرضى التوحد

تختلف برامج تأهيل الصغار مقارنةً بالبالغين المصابين بالتوحد؛ حيث تشرح د. دينا الجابري، أن البرامج التأهيلية تختلف باختلاف المرحلة العمرية:

عند الأطفال

ينصبّ التركيز على التنمية الأساسية؛ أيْ تعليم الطفل الكلام، مهارات التواصل الأولي، والسلوكيات اليومية البسيطة؛ لأن الدماغ لايزال في مرحلة التشكُّل.

عند البالغين

الهدف هو "الاستقلالية الواقعية". هنا لا نحاول تدريب الشخص على مهارات نمائية؛ بل نساعده على التكيُّف مع متطلبات العمل، بناء علاقات ناضجة، وإدارة شؤونه المالية وحياته المستقلة. كما يتميز دعم البالغين بأنه تشاركي؛ حيث يكون الشخص هو صاحب القرار الأول في وضع خطة حياته.

العلاج المعرفي السلوكي للبالغين

تَعتبر د. دينا الجابري أن العلاج المعرفي السلوكي هو أهم خطوة في رحلة البالغين المصابين بالتوحد؛ خاصة في التعامل مع القلق والاكتئاب المصاحب.

  • للأشخاص ذوي القدرات اللغوية العالية: يساعدهم الـ علاج المعرفي السلوكي على فهم الروابط بين أفكارهم ومشاعرهم، وكيفية تغيير الأنماط الفكرية التي تسبب لهم التوتر.
  • للحالات التي تعاني من صعوبات في التواصل: يتم تعديل العلاج ليكون أكثر عملية، عبْر استخدام الصور، والتدريب السلوكي المباشر، والخطوات الواضحة بدلاً عن النقاشات الفلسفية المجردة.

هل يحتاج المصاب بالتوحد لمتابعة طبية مدى الحياة؟

تختم الدكتورة دينا الجابري الحوار برسالة تفاؤل؛ موضحةً أن التوحد لا يعني بالضرورة البقاء في المستشفى أو لدى عيادات الأطباء. بينما تقول: "الأمر يختلف من حالة لأخرى. هناك الكثير من البالغين يصلون لمرحلة الاستقرار المستقل؛ حيث يديرون حياتهم ووظائفهم بنجاح من دون حاجة لتدخُّل طبي مستمر".
وتشدد: "المتابعة الطبية تصبح ضرورية فقط في حالات معيّنة، مثل: وجود اضطرابات مصاحبة كـ ADHD، أو عند المرور بأزمات نفسية حادة كالقلق والاكتئاب. الهدف هو أن يكون الدعم مرناً ومتاحاً عند الطلب؛ لضمان استمرارية جودة الحياة والاستقلال".