mena-gmtdmp

الدكتورة رانية خوقير: الأزياء التراثية ليست مجرد موروث شكلي بل ذاكرة حيّة تختزن تفاصيل المجتمع

تصاميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة
تصاميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

في لقاءٍ يتقاطع فيه الشغف بالمعرفة مع حسّ الإبداع، نقترب من تجربة الدكتورة رانية فاروق جميل خوقير، الحاصلة على دكتوراه في تصميم الأزياء من جامعة أم القرى، والمتخصصة في تاريخ الأزياء والتطريز، والتي استطاعت أن تؤسس حضوراً لافتاً كخبيرة في التراث ورائدة أعمال في مجال تصميم وصناعة الأزياء التراثية، إلى جانب دورها كمدربة معتمدة تنقل هذا الإرث للأجيال الجديدة.

من خلال هذا الحوار، تكشف لنا الدكتورة رانية عن رؤيتها العميقة للأزياء التراثية بوصفها أكثر من مجرد قطع ملابس، بل كهوية حيّة تنبض بتاريخ المجتمع وتفاصيله، وتُعاد صياغتها اليوم بلغة معاصرة تواكب التحولات الثقافية في المملكة. بين التوثيق والإبداع، وبين الأصالة والتجديد، تأخذنا في رحلة لفهم كيف يتحول التراث من ذاكرة محفوظة إلى قوة تصميمية فاعلة في المشهد العالمي، دون أن يفقد جذوره أو رمزيته.

العلاقة بين الأزياء التراثية والهوية الثقافية

بصفتكِ خبيرة في التراث وتحملين دكتوراة في تاريخ الموضة، كيف تنظرين إلى العلاقة بين الأزياء التراثية والهوية الثقافية في السعودية اليوم؟

الدكتورة رانية خوقير - الصورة من المصممة

الأزياء التراثية ليست مجرد مظهر بصري أو موروث شكلي، بل هي في جوهرها ذاكرة حيّة تختزن تفاصيل المجتمع وتحولاته. في السعودية، تحمل كل منطقة سرديتها الخاصة التي تتجلى في القصّات والزخارف، وحتى في طريقة اختيار الألوان والخامات.

اليوم، ومع الحراك الثقافي الكبير الذي تعيشه المملكة، لم يعد التراث يُقدَّم بوصفه ماضياً فقط، بل كهوية متجددة تُقرأ من جديد وتُعاد صياغتها بلغة معاصرة تصل إلى العالم دون أن تفقد أصالتها. نحن أمام مرحلة يتحول فيها التراث من "ذاكرة محفوظة" إلى "هوية مُنتِجة" وفاعلة في المشهد الثقافي العالمي.

كيف انعكست بداياتكِ في عالم تصميم الأزياء على اختياركِ التخصص في التراث والعبايات تحديداً؟ وهل كان هذا التوجه قراراً أم نتيجة شغف؟

كانت البداية أقرب إلى حالة وجدانية منها إلى قرار مهني. كنت أرى في التفاصيل الصغيرة من نقوش الأقمشة القديمة إلى أساليب التطريز التقليدي لغة مختلفة، تحكي تاريخاً لا يُقال بالكلمات. هذا الشغف المبكر تطوّر مع الوقت، ومع الدراسة الأكاديمية في تاريخ الأزياء، إلى مسار واضح ومحدد.

اختياري للعباية تحديداً جاء لأنها ليست مجرد قطعة ملابس، بل مساحة ثقافية متجددة تعكس الهوية اليومية للمرأة السعودية، وفي الوقت نفسه تمنح المصمم فرصة لإعادة التفسير دون كسر روح الأصالة فيها.
قد يهمكِ أيضاً: سيدتي X فنون التراث 

مشهد الموضة في السعودية

في ظل التطور السريع لمشهد الموضة في السعودية، كيف توازنين بين الحفاظ على أصالة التراث وتقديم تصاميم معاصرة؟

تصاميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة
تصاميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

 

أرى أن التوازن الحقيقي لا يقوم على "المحافظة الشكلية"، بل على "الفهم العميق". عندما نفهم فلسفة القطعة التراثية وسياقها الاجتماعي، نستطيع أن نُعيد تقديمها بطريقة معاصرة دون أن نفقد روحها.

في عملي، أتعامل مع التراث باعتباره مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل، من خلال تحديث القصّات، وتطوير الخامات، وإعادة توزيع العناصر البصرية بما يناسب الذائقة الحديثة، سواء في أزياء ليلة الحناء، أو الجلابيات، أو أزياء المناسبات والحفلات التراثية.

كما أن التحول الثقافي في المملكة اليوم، في ظل رؤية السعودية 2030، والدعم الكبير من وزارة الثقافة وهيئة الأزياء، خلق بيئة خصبة تسمح للمصمم بأن يجرّب ويبتكر، ويقدّم التراث بروح عالمية دون أن ينفصل عن جذوره.

ما الذي يميز المجموعات التراثية الناجحة؟ الالتزام الحرفي بالتفاصيل القديمة أم إعادة تفسيرها بأسلوب حديث؟

تصميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

المجموعة الناجحة ليست تلك التي تنقل الماضي كما هو، بل تلك التي تفهمه ثم تعيد قراءته. التوثيق يحتاج إلى دقة ووفاء، لكن التصميم يحتاج إلى حس إبداعي قادر على تحويل هذه المراجع إلى لغة بصرية معاصرة.

المسألة ليست استنساخاً للتراث، بل حوار معه، وكلما كان هذا الحوار أعمق، جاءت النتيجة أكثر صدقاً وتأثيراً.

حدّثينا عن أحدث مجموعاتكِ التراثية، مصادر الإلهام، والخامات، والرسالة التي تحملها؟

وُلدت أحدث مجموعاتي من فكرة "التمازج الثقافي"، أو ما يمكن تسميته بـ Mix & Match بين مناطق متعددة من المملكة، خصوصاً أزياء المنطقة الغربية وما تحمله من ثراء بصري، مع عناصر من مدارس تراثية أخرى.

عملت على المزج بين أساليب تنفيذ الزخرفة، من حيث القصّات والخامات والزخارف والألوان؛ فتم توظيف التطريز اليدوي والآلي التقليدي مع خامات حديثة مثل الكريب، والشيفون، والتول، في محاولة لخلق توازن بين الخفة البصرية والعمق التراثي.

أما الرسالة، فهي أن التراث ليس ثابتاً أو جامداً، بل مساحة قابلة للحياة والتجدد، ويمكن أن يتحول إلى لغة تصميم عالمية إذا قُدِّم برؤية واعية، مع الحفاظ على الهوية.

كيف ترين دور العباية اليوم كقطعة تراثية متجددة؟ وهل ما زالت تحمل نفس الرمزية الثقافية؟

العباية اليوم تعيش حالة تطور طبيعية تعكس تحولات المجتمع نفسه. فهي ما زالت تحتفظ برمزيتها الثقافية العميقة، لكنها في الوقت ذاته أصبحت جزءاً من مشهد الموضة العالمي.

ما يميز العباية السعودية تحديداً هو قدرتها على الجمع بين الحشمة والهوية من جهة، والانفتاح الجمالي من جهة أخرى، وهذا ما جعلها تنتقل من كونها قطعة محلية إلى عنصر حاضر في منصات الموضة الدولية.

أزياء ليلة الحناء والاحتفالات التراثية

تشهد أزياء ليلة الحناء والاحتفالات التراثية حضوراً لافتاً في المشهد المعاصر، كيف تقرئين هذا التحوّل؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة؟

هذا الحضور المتجدد يعكس حالة وعي ثقافي متصاعد بأهمية الهوية؛ حيث لم تعد الأزياء التراثية حبيسة المناسبات التقليدية، بل أصبحت جزءاً من مشهد الأناقة المعاصرة. أزياء ليلة الحناء تحديداً تمثل مساحة ثرية للتعبير، لما تحمله من رمزية وخصوصية ثقافية متجذرة في الذاكرة الاجتماعية.

التوازن بين الأصالة والحداثة يتحقق عبر احترام البنية الأساسية للزي، سواء في القصّات أو الزخارف أو التقنيات الحرفية، مع إدخال معالجات تصميمية حديثة تمنح القطعة مرونة في الحضور والتوظيف. وهنا يأتي دور المصمم والباحث معاً في إعادة تقديم التراث برؤية معاصرة لا تُفرّغ المضمون من قيمته.

ولا يمكن إغفال الدور المتنامي الذي تلعبه هيئة الأزياء في دعم هذا التوجه، عبر تمكين المصممين، وإبراز الأزياء التراثية كجزء من الهوية الوطنية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

دور الأكاديمي في حفظ الأزياء التراثية

بصفتكِ أكاديمية متخصصة، كيف يسهم العمل الأكاديمي في حماية الأزياء التراثية من الاندثار وإعادة تقديمها للأجيال؟

تصميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

العمل الأكاديمي يشكّل خط الدفاع الأول لحماية التراث، من خلال التوثيق العلمي، والدراسات التحليلية التي تربط الأزياء بسياقاتها التاريخية والاجتماعية. فالأزياء ليست عنصراً جمالياً فقط، بل وثيقة ثقافية تعكس تحولات المجتمع.

في تجربتي، حرصت على الإسهام في هذا الجانب من خلال تأليف كتابي حول الأزياء التقليدية للنساء في المملكة العربية السعودية (قبيلة حرب)، والذي يُعد محاولة جادة لتوثيق هذا الإرث بأسلوب علمي. كما أن مشاركتي في ورش العمل والدورات التدريبية مكّنتني من نقل المعرفة بشكل تطبيقي، وتعزيز وعي الجيل الجديد بقيمة هذا الموروث.

وأعمل حالياً على كتاب جديد قيد الإنجاز، يركّز على قراءة التحولات المعاصرة في الأزياء التراثية، في ظل الانفتاح الثقافي الذي تعيشه المملكة.

لكِ حضور فاعل في مجالات التحكيم والتدريب والتعاون الأكاديمي، كيف ترين أثر هذه الشراكات على تطوير قطاع الأزياء التراثية؟

تصميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

التعاون بين الأكاديمية والقطاع المهني يمثل حجر الزاوية في تطوير منظومة الأزياء التراثية؛ حيث يخلق بيئة تكاملية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. من خلال مشاركتي في لجان التحكيم والبرامج التدريبية، سعيت إلى دعم المواهب الشابة وتوجيهها نحو فهم أعمق للتراث كقيمة وهوية، وليس فقط كمصدر إلهام جمالي.

كما أن العمل مع مجموعة من الجهات الأكاديمية يثري التجربة المهنية، ويسهم في رفع معايير الجودة في التعليم والتدريب، ويعزز من حضور الأزياء التراثية في المشهد الثقافي والاقتصادي، بما يتماشى مع تطلعات رؤية السعودية 2030 في دعم الصناعات الإبداعية وتمكين الكفاءات الوطنية.

التحديات والمستقبل

ما أبرز التحديات التي واجهتكِ في توثيق العناصر التراثية وتحويلها إلى تصاميم معاصرة؟

تصميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة

يكمن التحدي الأول في التوثيق نفسه، خاصة أن جزءاً كبيراً من التراث غير مكتوب، ويعتمد على الذاكرة الشفوية أو الممارسة المجتمعية، ما يتطلب بحثاً ميدانياً ومقارنات دقيقة بين المصادر.

أما التحدي الثاني، فهو تحويل هذه الرموز البصرية إلى تصميم قابل للارتداء اليومي دون أن يفقد هويته الأصلية، وهو توازن دقيق بين الوظيفة والجمال والرمزية الثقافية.

ما رؤيتكِ المستقبلية لمشاريعكِ؟ وكيف تطمحين لنقل الأزياء التراثية السعودية إلى العالمية؟

أطمح إلى بناء مشروع متكامل لا يقتصر على التصميم فقط، بل يجمع بين التوثيق، والإبداع، ونقل المعرفة. الهدف هو تقديم الأزياء التراثية السعودية كمنظومة ثقافية متكاملة يمكن قراءتها عالمياً، وليس كمنتج بصري فقط.

في المستقبل، أرغب في تطوير مجموعات تحمل روح التراث السعودي بلغة تصميمية عالمية، قادرة على الوصول إلى المتلقي الدولي دون وسيط، مع الحفاظ الكامل على الهوية الأصلية لكل قطعة.
تابعي أيضاً: خلال جلسة حوارية ناقشت تعاون "فنون التراث" وعلامة "فيفيان وستوود" الأميرة نورة الفيصل: لدينا شيء مختلف نقدمه للعالم

 

تصميم من الدكتورة رانية خوقير - الصورة من العلامة