في «اليومِ العالمي للكتاب وحقوقِ المؤلِّف» لا تبدو القراءةُ فعلاً فردياً، وإنما رحلةٌ طويلةٌ، تعبرُ الزمنَ، وتُلامسُ أرواحَ مَن كتبوا الخلودَ بالحبر. ومن بين هؤلاء الكُتَّابِ، يبرزُ اسمُ فيكتور هوغو Victor Hugo، فهو قنديلٌ لا ينطفئ في ذاكرةِ الأدب، كيف لا وفي كلماته تتقاطعُ الثورةُ، والحريَّةُ، والمرأةُ، والحبُّ، لتُصبح مؤلَّفاته نبضاً حياً في مكتباتِ العالم. وفي قلبِ باريس، وبين أروقةِ ساحةِ «فوج» العريقة، يقفُ منزله الذي تحوَّلَ إلى متحفٍ، وشاهدٍ صامتٍ على حياةٍ صاخبةٍ بالإبداع. هنا، لا ندخلُ مجرَّد مكانٍ عادي، بل نعبرُ إلى ذاكرةٍ حيَّةٍ: نوافذُ مشرَّعةٌ على التاريخ، وجدرانٌ تنبضُ بأصداءِ قرنٍ مضى، وقطعُ أثاثٍ تهمسُ جميعاً بحكايةٍ لا تُمحى. نعم، هوغو سكن في أكثر من زاويةٍ من فرنسا، لكنْ هذا البيتُ تحديداً يحتفظُ بروحه كما لو أنه لم يُغادره قط. بين غرفه، تتجسَّدُ عبقريَّةُ الكاتب، ليس فقط في كلماته، بل وأيضاً في تفاصيلِ حياته اليوميَّة. إذاً، هي ليست زيارةً إلى متحفٍ، وإنما ضيافةٌ في حضرةِ الأدبِ حيث يُصبح المكانُ كتاباً مفتوحاً، نمشي بين صفحاته.
الأديب فيكتور هوغو

وُلِدَ فيكتور هوغو في 26 فبراير 1802. كان كاتباً، وشاعراً، وروائياً، بل إنه يُعدُّ من أهمِّ أدباءِ فرنسا في الحقبةِ الرومانسيَّة حيث تُرجِمَت أعماله إلى أغلبِ اللغات. وتبرزُ من مؤلَّفاتِ الكاتبِ روايتا «أحدب نوتردام» 1831، و«البؤساء» 1862، كما ألهمت إبداعاته عديداً من الأعمالِ الموسيقيَّةِ سواء خلال حياته، أو بعد وفاته، بما في ذلك أوبرا «ريجوليتو» Rigoletto، إضافةً إلى المسرحيَّاتِ الموسيقيَّةِ مثل «البؤساء»، و«نوتردام دو باريس».
وأنتج هوغو أكثر من 4000 رسمةٍ في حياته، وقد كان ملكياً ملتزماً عندما كان صغيراً، لكنَّ آراءَه تغيَّرت مع مرورِ العقود، وأصبح مؤيِّداً متحمِّساً للجمهوريَّة حيث خدمَ في السياسةِ بوصفه نائباً وعضواً في مجلسِ الشيوخ. وتطرَّقت أعمالُ فيكتور إلى معظم القضايا السياسيَّةِ، والاجتماعيَّةِ، والاتِّجاهاتِ الفنيَّةِ في عصره، وتوفي في 22 مايو 1885 عن عمرٍ يناهزُ الـ 83 عاماً، وأقيمت له جنازةٌ رسميَّةٌ بمقبرةِ العظماء في باريس، حضرها أكثر من مليونَي شخصٍ، وهي الأكبرُ في تاريخِ فرنسا. وقد سكن الكاتبُ بأماكنَ عدة في فرنسا، لا سيما في باريس، أشهرها ساحةُ «فوج» حيث يُوجد منزله الذي تحوَّلَ إلى متحفٍ، يحملُ اسمه.
حيث يسكن الأدب

في قلبِ باريس Paris، عند العنوانِ الهادئ 6, Place des Vosges 75004، يقفُ منزلُ فيكتور هوغو Victor Hugo وكأنَّه صفحةٌ مفتوحةٌ من روايةٍ لا تنتهي. بابٌ، يُفضي بنا إلى زمنٍ، كانت فيه الكلماتُ تُصاغُ كأقدارٍ. ندخلُ، فنجدُ أنفسنا أمام مشهدٍ عامٍّ، يغمره السكونُ المترف. غرفةُ الاستقبال، المكسوَّةُ بأقمشةِ الداماسك الحمراء، لا تكتفي بأن تكون مكاناً، إنها تستحضرُ روحَ ذلك العصرِ حيث كانت العقولُ الكبرى في الأدبِ، والفنِّ، والسياسة تلتقي حول رائدِ الحركةِ الرومانسيَّةِ فيكتور هوغو في حواراتٍ، تُشبه الشراراتِ الأولى للأفكارِ العظيمة.
على الجدرانِ، تتدلَّى أعمالٌ فنيَّةٌ، كانت شاهدةً على تلك اللقاءات: بورتريهاتٌ عائليَّةٌ بريشةِ Louis Boulanger، وAuguste de Châtillon، وتمثالٌ نصفي رخامي للشاعر، نحته David d’Angers. كأنَّ الحجرَ نفسه تعلَّمَ كيف ينطقُ باسمه. تلك القطعُ لا تُزيِّن المكانَ فحسب، بل وتروي أيضاً قِصَّةَ صعوده من شاعرٍ إلى عضوٍ في أكاديمية اللغة الفرنسية Académie Française، ثم إلى مقامِ «نظير فرنسا»، وهو لقب يُعطى لأكبرِ نبلاء فرنسا، في النظام الملكي القديم، حيث تتحوَّلُ الكلمةُ إلى سلطةٍ، والخيالُ إلى مجدٍ. وهناك كذلك لوحةٌ تروي حكاية هوغو الشهيرة Inez de Castro، هي هديَّةٌ من دوقِ ودوقةِ أورليان، تهمسُ بعلاقةِ هوغو بالعائلةِ الملكيَّة الفرنسية، وتُضيف بُعداً آخرَ لهذا المكانِ الذي لا يعيشُ في الأدبِ وحده، بل وأيضاً في تقاطعاتِ التاريخِ، والسُّلطةِ، والعاطفة. أمَّا اللوحاتُ الأخرى، فليست مجرَّد صورٍ، وإنما ظلالٌ لنصوصٍ، وُلِدَت هنا. أعمالٌ، كُتِبَت في هذا الفضاءِ ذاته، وكأنَّ الجدرانَ كانت تحفظُ صدى كلماتها قبل أن تُدوَّن.
تابعي أيضًا في اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف.. ريو دي جانيرو عاصمة عالمية للكتاب وطرق جذّابة لمشاركة الاحتفال
العشق للفن الصيني

في هذه الغرفةِ، التي تُعرَفُ باسمِ «الغرفةِ الصينيَّة»، لا ندخلُ مجرَّد مساحةٍ داخلَ منزلٍ، بل نعبرُ بوَّابةً خفيَّةً نحو زمنِ المنفى حين حمل فيكتور هوغو روحَه إلى جزيرةِ Guernsey، ونسجَ هناك عالماً موازياً من الخيالِ والحنين. هنا، يكشفُ لنا هوغو وجهاً أقلَّ تداولاً من عبقريَّته، ليس فقط كاتباً وشاعراً، بل وأيضاً فناناً، يصوغُ الفضاءَ كما يصوغُ الكلمات. وفي تفاصيلِ هذا المكان، تتجلَّى موهبته بوصفه مصمِّماً داخلياً حيث تتحوَّلُ الجدرانُ إلى قصائدَ صامتةٍ، والأثاثُ إلى شذراتٍ من ذاكرةٍ حيَّةٍ. تتراقصُ أمامنا ألواحٌ صينيَّةُ الطابع، صمَّمها Hugo بين عامَي 1863 و1864، ونُفِّذت بمساعدةِ الحِرفي Tom Gore الذي شاركه ترميمَ منزلِ Hauteville. هذه الألواحُ لا تكتفي بأن تكون خلفيَّةً، بل وتفتحُ أيضاً مسرحاً بصرياً حيث يتناثرُ الخزفُ على الجدرانِ والرفوف مثل نجومٍ صغيرةٍ في سماءٍ من الحكايات. وتكتملُ هذه اللوحةُ بأناقةٍ هادئةٍ مع طاولةِ زينة السيدة هوغو Madame Hugo وكراسيها القادمةِ من غرفةِ نومها في Hauteville، لتُضيفَ لمسةً أنثويَّةً شفَّافةً، تُقابلها قطعةٌ استثنائيَّةٌ: طاولةٌ بأربعِ محابرَ، تعودُ إلى أسماءٍ أدبيَّةٍ لامعةٍ، منها Alphonse de Lamartine، وAlexandre Dumas، وGeorge Sand، وVictor Hugo نفسه.
الأثاث القوطي

في غرفةِ الطعام حيث تمتدُّ الطاولةُ وكأنَّها قصيدةٌ منحوتةٌ من خشبٍ وذاكرةٍ، نقتربُ أكثر من عالمِ Victor Hugo الداخلي. إنه عالمٌ لا يكتفي بالكلمات، بل ويُعيد تشكيلَ الأشياءِ كما لو كانت جُملاً، تُكتَبُ من جديدٍ. لقد كان شغفه بالأثاثِ القوطي، الذي بدأ بشقَّته في Place Royale، يزدهرُ هنا بكلِّ جرأةٍ، ثم يبلغُ ذروتَه بمنزلِ Hauteville Drouet. هو لم يكن يكتفي بالاقتناء، بل كان يُعيد أيضاً ابتكارَ الزمنِ نفسه عبر جمعِ قطعٍ من عصورِ Haute Époque وRenaissance، ثم تفكيكها، وإعادةِ تركيبها وفق خياله، وكأنَّ التاريخَ بين يديه مادةٌ حيَّةٌ قابلةُ لإعادةِ السرد. وبناءً على رسوماته، عملَ فريقٌ من نجَّاري Guernsey بقيادةِ Pierre Mauger على تحويلِ رؤاه إلى واقعٍ: من بابٍ يتحوَّلُ إلى طاولةٍ إلى صندوقٍ يُصبح مقعداً، أو خزانةً جانبيةً، مروراً ببكراتٍ تتحوَّلُ إلى حلقاتٍ للشموع، وأرجلِ طاولاتٍ، ترتفعُ مثل أعمدةٍ، وتمنحُ الأثاثَ مهابتَه القوطيَّة. هنا، لا شيء يبقى على حاله، فكلُّ قطعةٍ تحملُ توقيعَ شاعرٍ، يرى في التفاصيلِ لغةً أخرى. وفي زاويةٍ من الغرفة، يقفُ مكتبٌ شاهداً على قِصَّةِ حبٍّ صامتةٍ. إنه المكتبُ الذي كتبَ عليه Hugo الجزءَ الأوَّلَ من «أسطورة العصور». أمَّا اللوحاتُ والمنحوتاتُ التي تُكمل المشهد، فهي لا تُزيِّن المكانَ فحسب، بل وتستحضرُ أيضاً أصداءَ المنفى حيث وُلِدَت أعماله الكبرى: «البؤساء»، و«عمّال البحر»، و«الرجل الضاحك». وكأنَّ الغرفةَ كلّها تنبضُ بتلك اللحظاتِ التي امتزجَ فيها الألمُ بالإبداع، وتحوَّلَ المنفى إلى وطنٍ من الكلمات.
إليك كتّاب عالميون غيّروا عالم كتاب الطفل.. كيف أثرت قصصهم في أجيال متعاقبة؟
غرفة الإبداع

ندخلُ إلى غرفةِ المكتب كما لو أننا نعبرُ عتبةَ الذاكرةِ حيث تتقاطعُ العزلةُ مع المجد، ويهمسُ المكانُ بسيرةِ فيكتور هوغو بعد عودته من المنفى عامَ 1870. هنا، يتوسَّطُ المشهدَ مكتبٌ قائمٌ، اختاره هوغو في أعوامه الأخيرة، وكأنَّه مرساةٌ أخيرةٌ لرحلةِ فكرٍ لم تهدأ. حوله، تتجلَّى ملامحه الخالدةُ في بورتريه أيقوني بريشةِ Léon Bonnat، بينما يقفُ تمثالُ Buste Héroïque للفنَّانِ Auguste Rodin بوصفه تحيَّةً صامتةً لعبقريَّةٍ لا تُختزل. أمَّا على الجدران، فتنسابُ لوحاتُ Grisaille التي أُعدَّت للإصداراتِ المصوَّرةِ الضخمةِ لأعماله الكاملة، فتُعيد تذكيرنا بالمكانةِ الأدبيَّةِ التي بلغها هوغو حيث لم تعد كلماته مجرَّد نصوصٍ، بل أصبحت صروحاً فنيَّةً خالدةً. وفي زاويةٍ أكثر حميميَّةٍ، تطلُّ علينا لوحة بورتريه لحفيديه Le portrait de Georges et Jeanne مستحضراً روحَ كتابِ »فنّ أن تكون جدّاً» حيث تحوَّلَ حزنُ الفقدانِ إلى حنانٍ عميقٍ، أغدقه Hugo على أحفاده بعد أن اختطف القدرُ أبناءَه. هكذا، لا يبدو المكتبُ مجرَّد غرفةِ عملٍ، وإنما مسرحٌ داخلي لحياةٍ كاملةٍ، إذ يلتقي المجدُ بالفقدان، ويكتبُ الزمنُ آخرَ فصوله بحبرٍ من الذكريات.
الفصل الأخير

هنا، حيث يهمسُ الزمنُ بنبرةٍ أكثر هدوءاً، ندخلُ إلى الفصلِ الأخيرِ من حياةِ فيكتور هوغو. بين عامَي 1878 و1885، عاشَ الشاعرُ والكاتبُ في عنوانه الأخير 130, Avenue d’Eylau، وهو الشارعُ الذي سيحملُ اسمه لاحقاً عامَ 1881، ليُصبح Avenue Victor Hugo، وكأنَّ المدينةَ نفسها أرادت أن تُخلِّد خطواته. وبفضلِ وفاءِ حفيدَيه جانّ وجورج، أُعيد تشكيلُ هذه الغرفةِ كما كانت تماماً لا بوصفها مساحةً عاديَّةً، بل بوصفها ذاكرةً حيَّةً، تنبضُ بحضورِ صاحبها، فالأثاثُ يقفُ في أماكنه مثل حارسٍ صامتٍ للزمن، وتتكاملُ ملامحه مع مزهريَّات البورسلين Sèvres التي أهديت له من الحكومةِ في يومَي ميلاده الـ 79 والـ 80، إلى جانبِ بورتريهاتِ الحداد التي تروي بصمتٍ لحظاتِ الفقدانِ والتأمُّل. وفي قلبِ الغرفة، يستقرُّ السريرُ بوصفه شاهداً على النهاية. هنا، في 22 مايو 1885، أسلمَ فيكتور هوغو أنفاسَه الأخيرة، ومن هنا أيضاً، بدأ وداعُه الكبيرُ حيث سُجي جثمانه قبل جنازته الرسميَّة في 31 مايو و1 يونيو، وكأنَّ الغرفةَ احتضنت آخرَ فصولِ الأسطورةِ قبل أن تخرجَ إلى العالم، لكنَّ هذه الجدران لا تروي النهايةَ فقط، بل وتهمسُ أيضاً ببداياتٍ لا تُحصى، إذ، في هذا المكان، وُلِدَت أعماله الكبرى. غرفةٌ لا تنتمي إلى النومِ بقدرِ ما تنتمي إلى الخلودِ حيث تتقاطعُ النهايةُ مع الإبداع، ويُصبح السكونُ نفسه قصيدةً أخيرة.


Google News