إن المهارات الصلبة تعد بلا شك أساسية في بناء حياة مهنية ناجحة والترقي في السلم الوظيفي والوصول لمناصب قيادية وأدوار رئيسة، إلا أن هذه المهارات تبقى محدودة الأثر إذا لم تقترن بمهارات ناعمة تبرزها وتعزز فعاليتها.
فالتكامل بين هذين النوعين من المهارات، يخلق توازناً ليس فقط في شخصية المرء وإنما أيضاً في أدائه الوظيفي وبيئة العمل المحيطة به. ووفقاً لمختلف التقارير الاقتصادية العالمية، فإن نحو ثلثي الوظائف ستتطلب قدراً مكثفاً من المهارات الناعمة بحلول عام 2030.
لذا دعونا اليوم نبحر في عالم المهارات الناعمة لنتعرف إليها أكثر وكيف يمكننا تنميتها على أفضل وجه؟
ما هي المهارات الناعمة؟

تعرف منصة Investopedia المختصة بتطوير الأعمال ومناقشة المواضيع الاقتصادية، المهارات الناعمة بأنها "سمات شخصية ومهارات تفاعلية تتيح للمرء التواصل بفعالية مع الآخرين".
وتشير المنصة إلى أن "علماء النفس يستخدمون مصطلح "المهارات الناعمة" لوصف معامل الذكاء العاطفي (EQ) للشخص في مقابل معامل الذكاء العقلي (IQ)"، وتؤكد: "في سوق عمل تنافسي، غالباً ما يتمتع الأفراد الذين يظهرون مزيجاً جيداً من المهارات الصلبة والناعمة بطلب أعلى على خدماتهم".
وتقول: "إن مدى حسن تعامل الشخص مع الآخرين وسلوكه تجاههم أمر بالغ الأهمية للنجاح المهني. فالثقة تتطور من خلال التفاعلات والعلاقات الإيجابية، وتزداد الإنتاجية في البيئات التي تزدهر فيها المهارات الناعمة".
أما فيما يخص القيادة فـ "غالباً ما يكون قادة الشركات أكثر فاعلية عندما يمتلكون مهارات ناعمة قوية. على سبيل المثال، يُتوقع من القادة أن يتمتعوا بقدرات جيدة في التحدث، ولكن القادة العظماء ماهرون أيضاً في الاستماع إلى الموظفين والقادة الآخرين في مجالهم".
ما هو الفرق بين المهارات الصلبة والمهارات الناعمة؟
تشير Investopedia إلى أن "المهارات الصلبة هي المهارات القابلة للقياس والتي تكتسب من خلال التدريب والتعليم والممارسة، وهي القدرات اللازمة لأداء مهمة أو وظيفة محددة. أما المهارات الناعمة فهي مهارات سلوكية وتفاعلية ترتبط بمدى فعالية تعامل الأشخاص مع الآخرين وإدارتهم للمواقف".
وهو ما أكدته أيضاً، كلية أكسفورد للتعليم Oxford Learning College، وهي مؤسسة بريطانية رائدة تقدم برامج للتعليم عن بُعد، وذلك في مقال خاص عن "المهارات الناعمة عبر موقعها الإلكتروني، تقول فيه إن "المهارات الناعمة تتعلق أكثر بنقاط القوة الشخصية وقدرتك على التكيف والمرونة في المواقف المختلفة، فيما تركز المهارات الصلبة على القدرة التقنية، وهي محددة للغاية بنوع الوظيفة"، ويتضمن المقال مثالاً على الاختلاف ما بين المهارتين بالقول: "لنفترض على سبيل المثال أنك تقوم بتوظيف مصمم ويب وجرافيك لشغل وظيفة ما. قد تشمل المهارات الصلبة اللازمة للدور استخدام برامج تصميم الجرافيك ولغات البرمجة لبناء المواقع الإلكترونية أو إنشاء الأصول الرقمية. أما المهارات الناعمة التي قد تبحث عنها أيضاً في المرشح فستشمل حل المشكلات، وإدارة الوقت، والمهارات الشخصية مثل التعاون والعمل الجماعي".
ويضيف المقال: "بغض النظر عن مدى براعتك في مهارات تقنية ومهنية محددة، إذا كنت لا تستطيع الانسجام مع زملائك، أو كنت ضعيفاً في التواصل، أو غير مستعد للمشاركة والمساعدة عند الحاجة، فلن تُعتبر عاملاً موثوقاً ومرناً يمكنه حل المشكلات".
ما هي أبرز المهارات الناعمة التي يجب عليك تعلّمها؟

وفقاً لمقال كلية أكسفورد للتعليم Oxford Learning College، هذه قائمة بسبع مهارات ناعمة يجب أن تعمل على تطويرها لترقية مهاراتك والتميز أمام أي صاحب عمل محتمل:
العمل بروح الفريق:
تكون الفرق أكثر إنتاجية عندما تعمل معاً بشكل جيد. وبهذه الطريقة، تتشكل علاقات عمل قوية، ويتم الالتزام بالمواعيد النهائية في الوقت المحدد، ويصبح الفريق أقوى من خلال تبادل المعرفة. إذا كنت تعمل بشكل جيد كعضو في فريق، يمكنك إثبات قدرتك على أن تكون جزءاً من أهداف مشتركة ودعم نقاط القوة لدى الآخرين.
حلّ المشكلات:
بغض النظر عن القطاع الذي تعمل فيه، ستواجه دائماً مشكلات تطرأ في حياتك المهنية. والأشخاص الذين يستمتعون بالتحدي وعملية حل المشكلات سيكونون دائماً في الصدارة في نظر أصحاب العمل لأنهم يستطيعون تحويل المشكلة إلى نتيجة ناجحة.
مهارات التواصل:
ربما تكون هذه هي المهارة الناعمة الأهم على الإطلاق، وهي تنطبق على أي مكان عمل. إذا كنت تمتلك مهارات تواصل جيدة، فأنت قادر على فهم وجهات نظر الآخرين، والاستماع بنشاط (الإنصات)، ومشاركة أفكارك وآرائك مع الآخرين بفعالية.
التكيّف والمرونة:
عندما تواجه تحدياً، لا تحتاج فقط إلى أن تكون بارعاً في حلّ المشكلات، بل يجب أن تكون قابلاً للتكيف وسريع الاستجابة، خاصة إذا كنت في دور سريع الوتيرة داخل المنظمة. لا يتمتع الجميع بالقدرة الطبيعية على التعامل مع التغيير والتحلي بالمرونة، لذا فإن القدرة على التأقلم والتكيف بسرعة هي مهارة رائعة يحظى أصحابها بإعجاب العديد من أصحاب العمل.
إدارة الوقت:
إن القدرة على تخطيط وإدارة يومك وحجم عملك بفعالية أمر مهم للمساعدة في تقليل مستويات التوتر وضمان الحفاظ على إنتاجيتك. أولئك الذين يبرعون في إدارة الوقت قادرون على ترتيب أولوياتهم بسرعة لمعرفة ما هو مهم، وجدولة الوقت للاهتمام بالمهام الأكثر أهمية في دورهم الوظيفي. ويمكنهم أيضاً تغيير الأولويات عندما تتحول الظروف، من دون الشعور بالارتباك.
التفكير النقدي:
تحظى مهارات التفكير النقدي بتقدير كبير في مكان العمل. إذا كنت مفكراً نقدياً، فيمكنك أخذ المعلومات المقدمة إليك وتحليلها بعناية لاتخاذ قرارات مدروسة بناءً على ما تعلمته. هذا يعني أنه يمكنك التصرف بعقلانية وهدوء في المواقف المختلفة، وتنفيذ المهام بكفاءة. كما يساعدك امتلاك مهارات التفكير النقدي على النظر إلى الأمور بموضوعية وبدون تحيز، حتى تتمكن من اتخاذ القرارات بشكل أكثر فعالية.
العلاقات والمهارات الشخصية:
أولئك الذين يتمتعون بمهارات جيدة في بناء العلاقات والتواصل مع الآخرين قادرون على التواصل بفعالية والحفاظ على علاقات عمل إيجابية مع زملائهم. يمكن للمتواصلين الجيدين حل النزاعات والمشكلات، والتعاون بشكل جيد، والإنصات للآخرين بنشاط.
إنهم يتمتعون بذكاء عاطفي قوي ويمكنهم قراءة الإشارات ولغة الجسد، ونبرة الصوت وطبقتها، وإقامة علاقات مثمرة مع من حولهم، حتى يتمكنوا من إخراج أفضل ما لدى زملائهم.
إليك هنا: أسرار تعرفك كيف تبني نقاط قوتك بذكاء
كيف تدرك إذا ما كانت مهاراتك الناعمة بحاجة للتطوير؟

وفقاً للمقال المذكور، فقد تحتاج مهاراتك الناعمة إلى بعض العمل والتطوير، إذا لاحظت بعض العلامات التحذيرية التالية:
- تكافح للتعامل مع ضغط العمل المتغير والالتزام بالمواعيد النهائية.
- تفشل في تطوير شبكة علاقاتك المهنية.
- تعقد اجتماعات مع عملاء محتملين، لكن هذه الاجتماعات نادراً ما تنتقل إلى المرحلة التالية.
- تتجنب فرص بناء العلاقات وفرص التحدث إلى الناس.
كيف تطوّر مهاراتك الناعمة؟

قبل أن تخضع لأي نوع من التدريب على المهارات الناعمة، عليك التعرف إلى المجالات التي تحتاج فيها إلى تحسين، هذا ما أكدته الكلية في مقالها، ويأتي هذا من خلال التفكير والتقييم الذاتي. ويشير المقال إلى أنك "بعد أن تصبح أكثر وعياً بنقاط ضعفك والمجالات التي تحتاج إلى تحسين، يمكنك وضع خطة عمل لمساعدتك على التطوير. قد يشمل ذلك العمل مع موجه (Mentor) يمكنه تقديم ملاحظات توجيهية، أو ممارسة هواية أو دورة تدريبية تمنحك المزيد من الثقة، أو حضور جلسات توجيه شخصي (Life Coaching) أو استشارات لمساعدتك على تغيير العقلية السلبية، وهذا أمر مهم لأن العديد من المهارات الناعمة متجذرة في الإيمان بالذات والثقة بالنفس".
وبالعودة إلى منصة Investopedia، فلا توجد طريقة واحدة مثلى لتطوير المهارات الناعمة، ومع ذلك، فإن الجمع بين الأساليب الواردة أدناه، قد يساعدك في اكتساب مهارات اجتماعية وتفاعلية يمكن أن تفيدك في مجموعة متنوعة من الوظائف أو الصناعات:
- ممارسة الإنصات الفعال.
- طلب الملاحظات بانتظام.
- العمل على تطوير الذكاء العاطفي.
- تحسين إدارة الوقت.
- المشاركة في المشاريع الجماعية.
- تعزيز مهارات الاتصال.
- تطوير قدرات حل المشكلات.
- تنمية التعاطف.
- ممارسة التحدث أمام الجمهور.
- تعلم تقنيات إدارة التوتر.
ميزة تنافسية..

في الختام نعود لمقال مفصل بعنوان "المهارات الناعمة: الميزة التنافسية"، نشرته وزارة العمل الأميركية عبر موقعها الالكتروني الرسمي، قالت فيه إنه "وفقاً لقادة الأعمال، في حين أن المهارات الأساسية الثلاث (القراءة، والكتابة، والحساب) لا تزال جوهرية لقدرة كل موظف على أداء عمله، إلا أن أصحاب العمل يرون أن المهارات الناعمة (الشخصية) أكثر أهمية لجاهزية العمل".
ومن الأمثلة التي يذكرها المقال حول واحدة من أبرز المهارات الناعمة وهي مهارة بناء العلاقات والتواصل، إذ يقول المقال إنه "وفقاً لمركز التطوير المهني بجامعة كورنيل، فإن 80% من الوظائف المتاحة لا يتم الإعلان عنها. لذلك، إذا لم تكن متواصلاً مع الآخرين، فمن المرجح أن تفوتك العديد من الفرص الوظيفية".
كما يتحدث المقال عن أهمية الحماس، إذ يعد عنصراً أساسياً للنجاح. ومثالاً على ذلك يقول المقال: "عند إجراء المقابلات الشخصية، ستترك انطباعاً مميزاً لدى صاحب العمل إذا أظهرت شغفاً بالوظيفة، وعند التوظيف، استمر في إظهار الحماس من خلال المبادرة والسعي وراء مهام جديدة وأكثر تحدياً".
ومن المهارات التي يذكرها المقال أيضاً المهنية، ويعطي مثالاً على ذلك "السيرة الذاتية"، ويقول: "إن امتلاك سيرة ذاتية منظمة أمر أساسي لترك انطباع أول إيجابي".
ويتحدث المقال عن مختلف المهارات التي ذكرناها سابقاً، كمهارات حلّ المشكلات والتفكير النقدي والعمل الجماعي، ليؤكد أن المهارات الناعمة باتت فعلاً ميزات تنافسية تجعلك محط تقدير في أي بيئة مهنية تتواجد فيها. وبدورنا نقول إن هذه المهارات لا تفيدك فقط في الحياة المهنية وإنما في مختلف مجالات الحياة، حتى في علاقاتك الشخصية والاجتماعية، لذا لا بد وأن تكون حريصاً على اكتسابها.
وبالحديث عن السير الذاتية، اقرأوا: تقييم السير الذاتية: أفضل ممارسات التوظيف وهيكلة الكفاءات

Google News