في مكانٍ بعيد، وسْط غابةٍ صنوبرية، عاشت امرأة لها ابنةٌ وابنةٌ بالتبني. منذ ولادة ابنتها، منحتها أمها كل ما تمنّته، لكنها نشأت غاضبةً وبغيضة بقدر ما كانت قبيحة. أما أختها بالتبني؛ فقد أمضت طفولتها في العمل الجاد لتدبير شؤون منزل والدها، الذي تُوفي بعد زواجه الثاني بفترةٍ وجيزة. وكانت محبوبةً من الجيران لطيبتها واجتهادها بقدر ما كانت محبوبةً لجمالها. من هنا بدأت قصة الصندوقين. حكاية شعبية إسكندنافية للبنات في سن الـ10 سنوات
الفتاتان غير الشقيقتين

مع مرور السنين، ازداد الفارق بين الفتاتين وضوحاً، وأصبحت الأم تعامل ابنة زوجها أسوأ من أيّ وقت مضى، وكانت دائماً تبحث عن أيّة ذريعة لضربها أو حرمانها من طعامها. أيّ شيء، مهما كان سخيفاً، كان كافياً لذلك. وفي أحد الأيام، عندما لم تجد ذريعة أفضل، أمرت الفتاتين بالغزل وهما جالستان على الجدار المنخفض للبئر.
وقالت لهما: "ومن الأفضل أن تنتبها لما تفعلان لأن من ينقطع خيطه أولاً سيُلقى في القاع".
لكنها بالطبع حرَصت على أن يكون كتان ابنتها ناعماً وقوياً، بينما لم يكن لدى أختها غير الشقيقة سوى كتان خشن لا يصلح للاستخدام. وكما هو متوقَع، انقطع خيط الفتاة المسكينة بعد وقت قصير؛ فأمسكت الأم العجوز، التي كانت تراقب من خلف الباب، بابنة زوجها من كتفيها وألقتها في البئر. وقالت: "هذه نهايتك!" لكنها كانت مخطئة؛ فقد كانت هذه مجرد البداية.
نزلت الفتاة، نزلت، نزلت؛ حيث بدا وكأن البئر ستصل إلى أعماق الأرض؛ حتى وجدت نفسها في حقل أجمل حتى من مراعي جبالها الصيفية. تمايلت الأشجار في النسيم العليل، وتراقصت الأزهار بألوانها الزاهية بين الأعشاب. ورغم أنها كانت وحيدة تماماً، إلا أن قلب الفتاة كان يرقص فرحاً؛ فقد شعرت بسعادة لم تشعر بها منذ وفاة والدها. فواصلت سيرها عبْر المرج حتى وصلت إلى سياج قديم متداعٍ، وبدا وكأنه يعتمد في دعمه على لحية الرجل العجوز التي غطته بالكامل.
عيش الأطفال في بيئة خضراء يؤخر شيخوختهم في المستقبل
غرائب على الطريق

توقفت الفتاة للحظة وهي تصعد، ونظرت حولها باحثةً عن مكانٍ آمنٍ لعبوره. ولكن قبل أن تتمكن من التحرك، دوّى صوتٌ من السياج: "لا تؤذيني يا فتاة يا صغيرة؛ فأنا عجوز جداً، عجوز جداً، ولم يتبق لي الكثير من العمر". فأجابت الفتاة: "لا، لن أؤذيك، لا تخف من شيء". ثم رأت بقعةً ينمو فيها نبات متسلق بشكل أقل كثافة من الأماكن الأخرى؛ فقفزت فوقه بخفة.
قال السياج بينما كانت الفتاة تمضي في سيرها: "أتمنى لكِ كل التوفيق". وسرعان ما غادرت المرج واتجهت إلى ممر يمتد بين سياجين مزهرين. أمامها مباشرة كان هناك فرن، ومن خلال بابه المفتوح استطاعت أن ترى كومة من الأرغفة البيضاء. صاح الفرن: "كُلي ما شئتِ من الخبز، لكن لا تؤذيني يا صغيرتي". فأجابته الفتاة: لا تخف. فمنحها رغيفاً أبيض جميلاً. ولما انتهت منه، حتى آخر فتاتة، أغلقت باب الفرن وقالت: "شكراً لك". فقال الفرن بينما كانت الفتاة تمضي في طريقها: "أتمنى لكِ كل التوفيق".
وبعد فترة، شعرت بعطش شديد، وعندما رأت بقرة معلِقة على قرنها دلوَ حليب، التفتت نحوها، صاحت البقرة: "احلبيني واشربي قدْر ما تشاءين يا صغيرتي، لكن احرصي على ألّا تسكبي شيئاً على الأرض، ولا تؤذيني؛ لأنني لم أؤذِ أحداً قطُ".
أجابت الفتاة: "وأنا كذلك، لا تخشَي شيئاً". فجلست وحلبتها حتى امتلأ الدلو تقريباً. ثم شربته كله ماعدا قطرة صغيرة في القاع.
قالت البقرة: "الآن، أَلقي ما تبقى على حوافري، وعلّقي الدلو على قرنيّ مرة أخرى". ففعلت الفتاة ما طُلب منها، وقبّلت البقرة على جبينها، ومضت في طريقها.
مرت ساعات طويلة منذ أن سقطت الفتاة في البئر، والشمس تغرب. فقالت الفتاة الطيبة في نفسها: "أين سأقضي الليلة؟" فكرت. وفجأة رأت أمامها بوابة لم تكن قد لاحظتها من قبلُ، وامرأة عجوزاً جداً تتكئ عليها.
قالت الفتاة بأدب: "مساء الخير". فأجابتها المرأة العجوز: "مساء الخير يا بنتي. ليت الجميع كانوا مهذبين مثلكِ. هل تبحثين عن شيء ما"؟ أجابت الفتاة: "أنا أبحث عن مكان". فابتسمت المرأة وقالت: "مشّطي شعري، وسأدلكِ على مكان تستقرين فيه".
أجابت الفتاة: "بكل سرور يا أمي". وبدأت تمشّط شعر المرأة العجوز الطويل والأبيض؛ حتى
مرّ نصف ساعة على هذا الحال، ثم قالت العجوز: "سأريك المكان لكن عليك أن تكوني حكيمة وصبورة، وسيكون كلّ شيء على ما يرام".
فشكرتها الفتاة، وانطلقت إلى مزرعة على مسافة قصيرة؛ حيث تم توظيفها لحلب الأبقار وغربلة الذرة.
قصص هادفة للأطفال بين 6 و8 سنوات مع الدروس المستفادة
العمل في مزرعة لحلب الأبقار

ما أن أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي؛ حتى نهضت الفتاة ودخلت حظيرة الأبقار. قالت وهي تُربّت على كلّ بقرة على حدة: "أنا متأكدة أنكن جائعات". ثم أحضرت التبن من المخزن، وبينما كانت الأبقار تأكل، نظفت الحظيرة ونثرت القش النظيف على الأرض. كانت الأبقار مسرورة للغاية برعايتها لها، لدرجة أنها وقفت ساكنة تماماً أثناء حلبها، ولم تمارس عليها أيّاً من حيلها التي كانت تمارسها على عاملات الألبان الأخريات اللواتي كنّ قاسيات وفظات. وعندما انتهت، وهمّت بالنهوض من مقعدها، وجدت حولها دائرة كاملة من القطط، سوداء وبيضاء، مخططة وذات لونين، جميعها تصيح بصوت واحد: "نحن عطشى جداً، من فضلك أعطنا بعض الحليب"!
قالت: "يا قططي المسكينات، بالطبع ستنلن بعضاً". ثم دخلت إلى غرفة الألبان، وتبعتها جميع القطط، وأعطت كل واحدة منها صحناً أحمر صغيراً. ولكن قبل أن يشربن، حكّت كل واحدة منهن نفسها بركبتيها وأصدرت خرخرة تعبيراً عن شكرها.
كان على الفتاة بعد ذلك الذهاب إلى المخزن، وغربلة الذرة. وبينما كانت منهمكة في فرك الذرة، سمعت حفيف أجنحة، ودخل سرب من العصافير من النافذة.
وصرخت العصافير قائلة: "نحن جوعى، أعطينا بعض الذرة! أعطينا بعض الذرة". فأجابت الفتاة:
"يا طيوراً صغيرة مسكينة، بالطبع ستحصلون على بعضٍ منها". ونثرت حفنةً منها على الأرض. وعندما انتهت العصافير، طارت على كتفيها ورفرفت بأجنحتها تعبيراً عن شكرها.
المنخل وقطرات الماء

مرّ الوقت، ولم تكن هناك أبقار في الريف كله بمثل سمنة ورعاية أبقارها، ولم يكن هناك مزرعة ألبان تدرّ مثل هذا الكمّ من الحليب. كانت زوجة المزارع راضية للغاية، لدرجة أنها رفعت أجرها، وعاملتها كابنتها. وفي أحد الأيام، طلبت منها سيدتها أن تدخل المطبخ، وهناك قالت لها العجوز: "أعلم أنكِ تجيدين رعاية الأبقار وكتابة اليوميات. والآن دعيني أرَ ما يمكنكِ فعله أيضاً. خذي هذه المصفاة إلى البئر، واملأيها بالماء، وأحضريها لي إلى المنزل من دون أن تسكبي قطرة واحدة في الطريق".
انقبض قلب الفتاة عند سماع هذا الأمر؛ فكيف لها أن تُطيع سيدتها؟ مع ذلك، التزمت الصمت، وأخذت المنخل ونزلت به إلى البئر. توقفت على حافة البئر، وملأته حتى حافته، ولكن ما أن رفعته حتى تدفق الماء من ثقوبه. حاولت مراراً وتكراراً، لكن من دون جدوى، ولم يبقَ في المنخل قطرة ماء، وكادت أن تنصرف يائسة حين هبط سرب من العصافير من السماء. وقالوا: "املأي المنخل بالرماد".
فركضت الفتاة عائدة إلى المطبخ وملأت منخلها بالرماد. ثم غطست المنخل مرة أخرى في البئر، وإذا بها هذه المرة لم تتسرب قطرة ماء واحدة! وعادت حيث تجلس المرأة العجوز: "ها هو الغربال يا سيدتي". فأجابت: "أنتِ أذكى مما توقعت، أو ربما ساعدكِ شخصٌ ماهرٌ في السحر". لكن الفتاة التزمت الصمت، ولم تسألها العجوز المزيد من الأسئلة.
مرت أيام عديدة قامت خلالها الفتاة بعملها كالمعتاد، ولكن في أحد الأيام نادتها المرأة العجوز وقالت: "لديّ شيء آخر لكِ لتفعليه. هذان خيطان، أحدهما أبيض والآخر أسود. ما عليكِ فعله هو غسلهما في النهر حتى يصبح الأسود أبيض والأبيض أسود". فأخذت الفتاة الخيطين إلى النهر وغسلتهما جيداً لساعات، لكن مهما غسلتهما لم يتغير لونهما قيد أنملة.
وكانت على وشك الاستسلام لليأس عندما سمعت حفيف أجنحة في الهواء، وعلى كلّ غصن من أغصان أشجار البتولا التي تنمو بجانب الضفة كان يقف عصفور.
"الأسود في الشرق، والأبيض في الغرب!" غنوا جميعاً في آن واحد؛ فمسحت الفتاة دموعها وشعرت بالشجاعة من جديد. التقطت الخيط الأسود، ووقفت متجهة نحو الشرق، وغمسته في النهر، وفي لحظة أصبح أبيض كالثلج، ثم التفتت نحو الغرب، وأمسكت بالخيط الأبيض في الماء؛ فأصبح أسود كجناح غراب. نظرت إلى العصافير وابتسمت وأومأت لها، فرفرفت بأجنحتها رداً على ذلك، ثم حلّقت بعيداً بسرعة.
عند رؤية الخيط، أصيبت العجوز بالذهول؛ فسألت الفتاة عن الساحر الذي ساعدها على فعل ما لم يفعله أحد من قبلُ. لكنها لم تتلقَّ جواباً؛ لأن الفتاة كانت تخشى أن تُسبب المتاعب لأصدقائها الصغار.
7 قصص عن النوم للأطفال بين 4- 6 سنوات
رداء الملك

لأسابيع عديدة، انزوت السيدة في غرفتها، بينما واصلت الفتاة عملها كالمعتاد. كانت تأمل أن تنتهي المهام الصعبة التي كُلفت بها، لكنها كانت مخطئة؛ ففي أحد الأيام ظهرت العجوز فجأة في المطبخ، وقالت لها: "هناك اختبار أخير يجب أن أضعكِ فيه، وإذا لم تفشلي فيه؛ فسوف تُتركين في سلام إلى الأبد. هذه هي الخيوط التي غسلتِها. خذيها وانسجيها في نسيج ناعم كعباءة ملك، وتأكدي من غزلها قبل غروب الشمس".
ومع أن الفتاة كانت تجيد الغزل، ولكن عندما بدأت، وجدت أن الخيط يتشابك وينقطع في كل لحظة. فأسندت رأسها على النول وبكت، ولكن في تلك اللحظة فُتح الباب، ودخلت مجموعة من القطط، واحدة تلو الأخرى.
سألت القطط: "ما الأمر يا فتاة يا جميلة؟" فأجابت الفتاة: "لقد أعطتني سيدتي هذا الخيط لأنسجه في قطعة قماش، ويجب أن أنتهي منه قبل غروب الشمس، ولم أبدأ حتى الآن؛ لأن الخيط ينقطع كلما لمسته". ثم قفزت القطط على النول، ونسجت بسرعة ومهارة فائقة حتى أصبح القماش جاهزاً في وقت قصير جداً، وكان في غاية الروعة، كأنه من أجود ما ارتداه أيّ ملك. فرحت الفتاة كثيراً برؤيته، فقبّلت كل قطة على جبينها وهي تغادر الغرفة.
سألت العجوز، بعد أن مررت يديها مرتين أو ثلاثاً على القماش ولم تجد أيّة خشونة: "مَن علّمكِ هذه الحكمة؟" لكن الفتاة ابتسمت فقط ولم تُجب. لقد تعلمت مبكراً قيمة الصمت.
بعد بضعة أسابيع، استدعت العجوز خادمتها وأخبرتها أنه بما أن عام خدمتها قد انتهى؛ فبإمكانها العودة إلى منزلها، لكنها من جانبها، قد خدمتها الفتاة جيداً لدرجة أنها تأمل أن تبقى معها. لكن عند سماع هذه الكلمات، هزت الخادمة رأسها، وأجابت بلطف:
"لقد كنتُ سعيدة هنا يا سيدتي، وأشكركِ على لطفكِ معي؛ لكنني تركتُ خلفي أختاً غير شقيقة وزوجة أب، وأرغب بشدة في أن أكون معهما مرة أخرى". نظرت إليها العجوز للحظة، ثم قالت: حسناً، ولكن بما أنكِ عملتِ بإخلاص من أجلي؛ فسأكافئك. اذهبي الآن إلى العِلية فوق المخزن، وستجدين هناك العديد من الصناديق. اختاري الصندوق الذي يرضيك أكثر، ولكن احرصي على عدم فتحه حتى تضعيه في المكان الذي ترغبين في أن يبقى فيه.
قصص قبل النوم من التراث العالمي للأطفال تعلمهم الحكمة وحب الخير
اختيار الصندوق الأجمل

غادرت الفتاة الغرفة متجهةً إلى العِلية، وما أن خرجت حتى وجدت جميع القطط بانتظارها. سارت القطط في موكب، كما هي عادتها، وتبعتها إلى العلية المليئة بالصناديق الكبيرة والصغيرة، البسيطة والفاخرة. رفعت الفتاة صندوقاً ونظرت إليه، ثم أنزلته لتفحص صندوقاً آخر أجمل منه. أيّهما تختار، الأصفر أم الأزرق، الأحمر أم الأخضر، الذهبي أم الفضي؟ ترددت طويلاً، ثم اتجهت أولاً إلى صندوق ثم إلى آخر، حين سمعت أصوات القطط تنادي: "خذي الأسود! خذي الأسود!" فحملته إلى داخل المنزل: "هذا هو الصندوق الذي يُرضيني أكثر يا سيدتي". فابتسمت العجوز وأومأت برأسها، ثم سمحت لها بالانصراف. فانطلقت الفتاة بعد أن ودّعت الأبقار والقطط والعصافير، الذين بكوا جميعاً وهم يودعونها.
سارت وسارت وسارت حتى وصلت إلى المرج المزهر، وهناك، فجأة، حدث شيء ما، لم تعرف ما هو، لكنها كانت جالسة على جدار البئر في فناء زوجة أبيها. ثم نهضت ودخلت المنزل.
حدّقت المرأة وابنتها كما لو أنهما تحولتا إلى حجر؛ لكن في النهاية نطقت زوجة الأب بصوت متقطع: "إذن أنتِ على قيد الحياة في النهاية! حسناً، كان الحظ دائماً ضدي! وأين كنتِ طوال العام الماضي؟" ثم أخبرتها الفتاة كيف أنها عملت في العالم السفلي، وإلى جانب أجرها، أحضرت معها إلى المنزل صندوقاً صغيراً، ترغب في وضعه في غرفتها.
صرخت المرأة وهي في حالة غضب شديد: "خذي هذا الصندوق الصغير القبيح إلى المرحاض الخارجي". فأسرعت الفتاة وهي تعانق صندوقها الثمين.
كان المرحاض الخارجي في حالة قذرة للغاية؛ حيث لم يقترب منه أحد منذ أن سقطت الفتاة في البئر، لكنها قامت بفركه وكنسه حتى أصبح كل شيء نظيفاً مرة أخرى، ثم وضعت الصندوق الصغير على رف صغير في الزاوية.
فتحت الفتاة الغطاء بالمفتاح المعلق بمقبضه، لكنها تراجعت فزعةً، وكادت تُعمى من شدة الضوء الذي غمرها. من خواتم، تيجان، أحزمة، قلائد- كلها مصنوعة من أحجار كريمة رائعة، وكانت تتلألأ ببريقٍ أخّاذ؛ حتى أن زوجة الأب وابنتها؛ بل وكل مَن في الجوار، هرعوا ليروا إن كان المنزل يحترق. بالطبع، شعرت المرأة بغضبٍ شديدٍ من الطمع والحسد، وكانت ستستولي على كل الجواهر لولا خوفها من غضب الجيران، الذين كانوا يحبون ابنة زوجها بقدر ما يكرهونها هي.
قصة طويلة للبنات قبل النوم من سن التاسعة إلى عشر سنوات
تجرِبة الأخت غير الشقيقة

لكن، إن لم تستطع سرقة الصندوق ومحتوياته لنفسها؛ فعلى الأقل يمكنها الحصول على صندوق آخر مثله، وربما صندوق أغنى. فأمرت ابنتها بالجلوس على حافة البئر، وألقتها في الماء، تماماً كما فعلت بالفتاة الأخرى. وكما في السابق، استقر المرج المزهر في القاع.
سارت على الدرب الذي سلكته أختها غير الشقيقة في كل شبر من الطريق، ورأت ما رأته، لكن التشابه انتهى عند هذا الحد. عندما توسل إليها السياج ألا تؤذيه، ضحكت بوقاحة، ومزقت بعض الأوتاد لتتمكن من عبوره. وعندما قدّم لها الفرن الخبز، نثرت الأرغفة على الأرض وداست عليها. وبعد أن حلبت البقرة وشربت ما يكفيها، ألقت بالباقي على العشب، وركلت الدلو حتى حطمته. ومع حلول المساء، وصلت إلى المكان الذي كانت تتكئ فيه العجوز على عمود البوابة، لكنها مرت بها من دون أن تنبس ببنت شفة.
سألت العجوز: "ألا تملكون أيّ آداب في بلدكم؟"
أجابت الفتاة: "لا أستطيع التوقف والتحدث، أنا في عجلة من أمري. لقد تأخر الوقت، ويجب أن أجد مكاناً".
قالت العجوز: "توقفي ومشّطي شعري قليلاً، وسأساعدكِ في إيجاد مكان".
فما كان منها إلا أن أغلقت البوابة في وجه العجوز وانصرفت. وبعد حين، وصلت الفتاة إلى المزرعة، وكُلِّفت برعاية الأبقار وغربلة الذرة كما كانت تفعل أختها غير الشقيقة. لكنها تركت حظيرة الأبقار قذرة، والأبقار هزيلة ومضروبة، حتى أنها كانت تركل الدلو وتحاول نطحها. وكان الجميع يقولون إنهم لم يروا أبقاراً نحيلة كهذه أو حليباً رديئاً كهذا من قبلُ. أما القطط؛ فكانت تطردها وتسيء معاملتها؛ حتى أنها فقدت حتى الرغبة في مطاردة الجرذان والفئران التي تنتشر في كلّ مكان هذه الأيام. وعندما جاءت العصافير تطلب بعض الذرة، لم يكن حالها أفضل من حال الأبقار والقطط؛ فقد رمت الفتاة عليها حذاءها؛ حتى هربت مذعورة إلى الغابة، ولجأت إلى الأشجار.
قصص قصيرة للأطفال تمزج بين الخيال والمعرفة: من سن 4-7 سنوات
قصص أطفال قبل النوم للبنات الصغيرات
اختيار الصندوق

مرت شهور على هذا المنوال، إلى أن استدعت السيدة الفتاة إليها ذات يوم. قالت: "خذي هذا المنخل إلى البئر، واملأيه بالماء، وتأكدي من إعادته من دون أن تسكب منه قطرة واحدة".
أخذت الفتاة المنخل وحملته إلى البئر كما فعلت أختها، لكن لم تأتِ أيّ طيور صغيرة لمساعدتها، وبعد أن غمسته في البئر مرتين أو ثلاث مرات، أعادته فارغاً.
قالت العجوز بغضب: "مَن لا فائدة منه في شيء ما؛ فهو لا فائدة منه في شيء آخر".
وبعد قليل، استدعتها مرة أخرى، وأعطتها خيوط الصوف السوداء والبيضاء لتغسلها في النهر؛ فأعادتها كما هي. هذه المرة، نظرت إليها العجوز بنظرة قاتمة، لكن الفتاة كانت راضية عن نفسها لدرجة أنها لم تُعر اهتماماً لرأي أحد.
بعد بضعة أسابيع جاءت تجرِبتها الثالثة، وأُعطيت الخيوط لتغزلها، كما أُعطيت لأختها غير الشقيقة من قبلها. لكن لم يدخل موكب من القطط إلى الغرفة لنسج نسيج من القماش الناعم، وعند غروب الشمس لم تعد إلى سيدتها إلا بحزمة من الصوف المتسخ والمتشابك.
قالت المرأة العجوز: "يبدو أنه لا يوجد شيء في العالم يمكنك فعله"، ثم تركتها وشأنها.
وبعد ذلك بوقت قصير انتهى العام، وذهبت الفتاة إلى سيدتها لتخبرها بأنها ترغب في العودة إلى المنزل. أجابت العجوز: "لا أرغب في الاحتفاظ بكِ، لأنكِ لم تفعلي شيئاً كما ينبغي. مع ذلك، سأعطيكِ بعض المال؛ لذا اصعدي إلى العلية، واختاري لنفسكِ أحد الصناديق الموجودة هناك. لكن احرصي على عدم فتحه حتى تضعيه في المكان الذي ترغبين في بقائه فيه".
سر الصندوق الأحمر

كان هذا ما كانت الفتاة تأمله؛ ففرحت فرحاً عظيماً؛ حتى أنها ركضت بأقصى سرعة إلى العلية من دون أن تتوقف حتى لتشكر العجوز. هناك كانت الصناديق، زرقاء وحمراء، خضراء وصفراء، فضية وذهبية. وفي الزاوية كان يقف صندوق أسود صغير يشبه تماماً الصندوق الذي أحضرته أختها غير الشقيقة إلى المنزل. وقالت في نفسها: "إذا كان هناك الكثير من الجواهر في تلك القطعة السوداء الصغيرة؛ فإن هذه الحمراء الكبيرة ستحتوي على ضعف العدد". ثم انتزعتها وانطلقت في طريق عودتها إلى المنزل من دون أن تودّع سيدتها حتى.
صرخت الفتاة الشريرة وهي تدخل الكوخ حاملة الصندوق بكلتا يديها: "انظري يا أمي، انظري ماذا أحضرت!".
أجابت العجوز بفرح: "آه! لديكِ شيء مختلف تماماً عن ذلك الصندوق الأسود الصغير؛ فلنضعه في غرفة الضيوف".
فحملت الأم وابنتها الصندوق بفخر إلى الطابق العلوي ووضعتاه على رف فوق المدفأة، ثم فكتا المفتاح من المقبض وفتحتا الصندوق. وكما في السابق، انطلق ضوء ساطع فور رفع الغطاء، لكنه لم ينبعث من بريق الجواهر؛ بل من ألسنة اللهب الحارقة التي امتدت على طول الجدران وأحرقت المنزل وكل ما فيه، بما في ذلك الأم وابنتها.
وكما فعلوا عندما عادت ابنة الزوجة إلى المنزل، هرع الجيران جميعاً لمعرفة ما الأمر، لكنهم وصلوا متأخرين. لم يبقَ سوى قن الدجاج قائماً. وعلى الرغم من ثروتها، عاشت ابنة الزوجة هناك سعيدة حتى آخر أيامها.
حكايات لطيفة للأولاد قبل النوم من سن 5 حتى 9 سنوات


Google News