القراءة من أجمل العادات التي يحبها الطفل وتحرص غالبية الأمهات والجدات على القيام بها، نظراً لما تحمله من فوائد للطفل؛ فهي تطور لغته، وتزيد من معرفته، وتنمي عاطفته، وتحفزه على مزيد من الخيال، كما أنها تنمي لديه التركيز والتعاطف، وتعزز الروابط الأسرية، وتمهد للنجاح الدراسي، ولن نغفل بطبيعة الحال أهمية حكاية قبل النوم في تنمية مشاعر الطفل وغرس القيم الأخلاقية.
قصة "عاليا وكأس الفتاة المثالية" التي اختارتها الأم تحفز الأطفال ليحاكوا صفات الطفل المحبوب، وكيف يكسب من حوله بالأعمال الطيبة والخيّرة التي يقوم بها فينفع غيره.. ما يقربهم من بعضهم البعض.
كتبت خيرية هنداوي
تبدأ الحكاية بصفات عاليا وجهاد

في قرية هادئة بعيدة عن صخب المدن.. حيث يعرف الناس بعضهم بعضاً بالاسم والملامح، حيث المدرسة الوحيدة التي تجمع كل الأطفال تحت سقف واحد، عاشت فتاتان في العمر نفسه- 9سنوات-، تدرسان في الصف نفسه، وتسيران في الطريق نفسه كل صباح.. لكن للأسف المسافة بين قلبيهما كانت بعيدة!
الأولى: عاليا فتاة معروفة في القرية كلها، جميلة لكنها تتصف بالغرور، شعرها مصفف دائماً بعناية، معصماها ممتلئان بالأساور اللامعة، ولكنها دائماً ما تتفاخر بها بين صديقاتها، ملابسها تغيرها كل أسبوع، أهلها يحبونها كثيراً، يغدقون عليها الهدايا وكلمات الحب المفرط والثناء على جمالها، ظناً منهم أن هذا هو الطريق إلى سعادتها.
كبرت عاليا على هذا الحال، وكثيراً ما كانت تسمع عبارات مثل: "أنتِ الأجمل"، "أنتِ الأفضل"، "لا أحد مثلك، ولا مثيل لك"، صدّقت عاليا وأصبحت ترى نفسها فوق الجميع!
الثانية: جهاد فتاة مختلفة تماماً؛ بسيطة، ملابسها عادية نظيفة، تمشي بهدوء، وتبتسم كثيراً، لا تميل للفت الأنظار، لكنها كانت حاضرة في كل موقف يحتاج إلى مساعدة؛ إذا تعثرت طالبة في درس، كانت أول مَن يشرح لها، وإذا غابت إحداهن بسبب المرض، كانت جهاد أول من يسأل عنها.
ورغم أن الفتاتين تعيشان في القرية نفسها، وتدرسان في المدرسة نفسها، وتخضعان للظروف ذاتها، إلا أن القيم التي نشأتا عليها وأسلوب التربية التي تلقته كل واحدة منهما كان مختلفاً تماماً.
تعرفي على أساليب تربوية إيجابية تساعد الطفل على بناء شخصية واثقة..
مارأيك في التعرف إليها؟
العلاقة بين المظهر والجوهر

وتكمل الأم الحكاية: عاليا محاطة دائماً بعدد من الصديقات والبعض الآخر كن يتنافسن على صداقتها؛ يلتصقن بها طمعاً في استعارة أقلامها الملوّنة أو لهداياها الكثيرة، كن يضحكن على كل ما تقول، ويوافقنها في كل رأي تنطق به، حتى لو كان خاطئاً، وفريق صغير من الصديقات الحقيقيات، يحاولن - مرات قليلة- تنبيهها.
"عاليا: لا داعي للتفاخر، عاليا: كلامك جرح صديقتنا"، لكن عاليا لا تنصت لهنّ.. لم تكن تحب النصيحة، وكانت ترد دائماً بثقة زائدة وبرفض كامل: أنا على حق وهن يغرن مني فقط.. وأنتن أيضاً تغرن مني!
بينما جهاد لطيفة مهذبة، شاطرة بالمدرسة، تلتف الصديقات من حولها؛ لأنها معطاءة ومحبة تبذل مجهوداً لتقديم الخير ما دامت قادرة، أحبها بصدق كل مَن عرفها، فكانت صداقاتها هادئة، عميقة، مبنية على المشاركة والدعم. وللعلم: جهاد لم تكن تقدّم الهدايا، لكنها على استعداد تام لتقديم وقتها، وجهدها، وقلبها لكل مَن يحتاجها. لهذا ومن دون أن ينتبه أحد، كان الفرق الحقيقي بينها وبين عاليا يتشكل في عيون المحيطين.
قصص أطفال قصيرة عن النظافة والنظام في البيت والمدرسة..هل تودين مطالعتها؟
"كأس الفتاة المثالية" واللحظة الفارقة

في يوم ما من أيام الدراسة ومع بداية الفصل الدراسي الأخير، أعلنت إدارة المدرسة خبراً ينتظره الجميع في كل عام وهو: كأس الفتاة المثالية، وكانت الجائزة تُمنح لطالبة واحدة فقط، وفق معايير واضحة علّقتها المدرسة على لوحة الإعلانات، وتضم مواصفات الطالبة المثالية، شرط أن تؤكدها شهادة الطالبات والمعلمات والمعلمين بالمدرسة وهي:
مساعدة الآخرين- الاجتهاد الدراسي- الأخلاق- خدمة المجتمع المدرسي-
وحدث أن وقفت عاليا أمام اللوحة، وقرأت الشروط بسرعة، ثم ابتسمت بثقة وقالت لصديقاتها: مَن غيري يستحق هذه الجائزة؟ -وفي داخلها، لم يخطر ببالها لحظة أنها قد لا تفوز-.
أجمل قصص الصداقة للأطفال من عمر 5 - 8 سنوات ..تعرفي إليها
عاليا وصدمة غير متوقعة

مع مرور الأسابيع، بدأت أسماء المرشحات تتردد، وكان اسم جهاد يتكرر كثيراً على ألسنة المعلمات، في البداية لم تهتم عاليا، لكنها في يوم ما، سمعت معلمتها تقول: جهاد مثال يُحتذى بها. هنا توقف قلب عاليا للحظة أو شعرت بذلك وهي تكرر بداخلها، جهاد! تلك الفتاة البسيطة! ولأول مرة شعرت بشيء غريب لم تعهده من قبل؛ كانت مشاعر غيرة ممزوجة بالدهشة والاستنكار والرفض البات، كيف يمكن لفتاة لا تملك ما تملكه أن تتقدم عليها؟
الصراع الحقيقي
بعد فترة بدأ الصراع الحقيقي العلني داخل عاليا، خاصة بعد أن اصطدم تصوّرها عن نفسها فجأة بمعايير المسابقة التي لا تعتمد على المظهر أو كثرة الصديقات اللواتي يلتففن حولها أينما كانت!
وبدأت عاليا تراقب جهاد دون أن تشعر؛ حتى تكتشف ما كان مخفياً عنها؛ رأتها تزور طالبة مريضة وتحمل لها الدفاتر،
لاحظت أنها تساعد المعلمة في ترتيب الفصل، ومن الجارات سمعت أن جهاد تساعد والدتها في البيت دون شكوى
في كل مرة، ووسط كل هذه المشاهد كانت عاليا تتساءل في صمت: هل هذا هو السبب؟!
لأول مرة أدركت عاليا أن محبة الناس لا تُشترى، بل هي كلمة ومضمون كبير، لا يرتبط بمظاهر خارجية، بقدر ما ينطلق من صفات الشخص ودخائله الذي يحكي عن قدر إنسانيته.
وفي أحد الأيام، جمعت عاليا شجاعتها، واقتربت من جهاد بعد انتهاء الدوام، وسألتها بصوت خافت سؤالاً صريحاً واضحاً، رغم أنها عرفت جزءاً كبيراً من الإجابة.
جهاد.. لماذا يحبك الناس كل هذا الحب؟ هنا رفعت جهاد رأسها، وابتسمت ابتسامة صادقة، وقالت بهدوء: لأن الحب يُكتسب بالأفعال الصادقة فقط. كانت الجملة بسيطة، لكنها هزّت قلب عاليا.. وطال صمتها، وفي الحقيقة لم تتغير عاليا في يوم واحد، التغيير كان بطيئاً، متردداً، لكنه صادق؛ حيث بدأت تحترم صديقاتها أكثر، توقفت عن التفاخر.. ساعدت زميلة في درس لم تفهمه، وشاركت والدتها في ترتيب المنزل لأول مرة دون تذمر، وفي كل مرة، شعرت بشعور جديد أغلبه شعور بالرضا.
نهاية العام.. وبداية جديدة

ومع نهاية العام كانت بداية عاليا الجديدة، وفي الحفل الختامي، تُوجت جهاد بـ كأس الفتاة المثالية وسط تصفيق الجميع.. وحينها ولأول مرة وقفت عاليا تصفق بصدق، ثم جاءت المفاجأة الثانية؛ نادت المديرة اسم عاليا، وقدّمت لها شهادة بعنوان: أكثر طالبة تحسّناً.
بكت عينا عاليا بغزارة؛ فقد كان هذا أول فخر حقيقي تشعر به.. وفهم أهلها أخيراً أن الحب لا يعني الدلال فقط، بل التربية على القيم الإنسانية التي تقربها من كل مَن حولها طالبات ومعلمات.
الهدف التربوي من القصة
- القيم والأخلاق لا المظهر هما السعادة الداخلية، والشخصية المثالية تُبنى بالأفعال اليومية الصغيرة.
- الأخلاق الطيبة تمنح الإنسان قيمة حقيقية دائمة، بينما المال قد يزول، والأخلاق تبقى وتُخلد ذكرى الإنسان.
- الأخلاق الحميدة تضمن نظاماً اجتماعياً سليماً وغيابها يؤدي للفوضى حتى مع وجود المال.
- السكينة والسعادة الداخلية الحقيقية تأتي من الإيمان والأخلاق، وليست من امتلاك المال.
- المال والمظاهر لا يخلقان الحب، والأخلاق تحفظ المال، أما المال فلن يشتري يوماً خلقاً ضاع.






