mena-gmtdmp

التعلم مدى الحياة: لماذا يبتعد جيل زد عن القوالب التعليمية الجامدة؟

طرق التعلم المستمر لجيل زد - الصورة من magnific
طرق التعلم المستمر لجيل زد - الصورة من magnific

يشهد مفهوم "التعلم مدى الحياة" تحولاً جذرياً مع جيل زد، الجيل المولود بين عامَي 1997 و2012، ليس لأن هذا الجيل يزهد في المعرفة، بل لأنه يرفض استهلاكها كقوالب جاهزة ومعلبة لا تأخذ في الحسبان هويته وطموحاته وقيمه الفردية.
وللحديث عن هذا الاتجاه، التقت "سيدتي" سهى موسى، مدربة قيادة وإدارة الأفراد، والتي استهلت حديثها بالقول "بدلاً من اعتبار التعليم مساراً موحداً ومفروضاً يسير فيه الجميع باتجاه واحد؛ كقطار لا يتوقف إلا في محطات محددة سلفاً، أعاد هذا الجيل صياغته ليكون رحلة شخصية يحركها الهدف، وتدور حول المعنى والقيم الفردية. وبين هذا التحول وذاك، تتشكل ملامح ثورة تعليمية صامتة لا تزال تتسع دوائرها".

إعداد: إيمان محمد

لماذا تغيرت رؤية جيل زد للتعليم؟

هناك عدة أسباب شاركتنا بها مدربة قيادة وإدارة الأفراد سهى موسى، وراء تغير مفهوم التعليم لدى جيل زد، أبرزها:

التعليم الرقمي بات يتفوق على التعليم التقليدي لدى جيل زد - المصدر freepik

التعليم العابر للحدود

تقول موسى: "في الماضي، كانت الطموحات تُصنع في حدود المحيط الجغرافي والاجتماعي الضيق؛ يرى الشاب مهن أقاربه أو ما هو متاح في مجتمعه، فينسخ مساره المهني بناءً على تلك النماذج المحدودة، غالباً لأنها الخيار الوحيد الذي يمكنه تخيله أو تصوره. الطبيب يُلهم ابنه أن يصبح طبيباً، والمعلم يُقنع بناته بمهنة التعليم، والتاجر يُحضر ورثته لإدارة المتجر لا لأن هذه المهن أفضل بالضرورة، بل لأنها ببساطة الأوضح أمامهم".
وتضيف: "أما اليوم، فقد انكسرت هذه الحدود تماماً. العالم بأكمله أصبح شاشة مفتوحة أمام الأجيال الجديدة؛ يطالعون من خلالها آلاف النماذج المهنية وقصص النجاح العابرة للقارات. مطور تطبيقات في إندونيسيا يبني منتجاً يستخدمه ملايين حول العالم، وفنان رقمي في الأرجنتين يبيع أعماله لمقتنين في أوروبا، ومعالج نفسي عبر الإنترنت يخدم عملاء من عشرين دولة كل هذا صار مرئياً ومتاحاً ومحتذى به".
وتؤكد: “هذا التوسع في خريطة الممكن غير طريقة تفكير الجيل في التعلم جذرياً؛ فحين تتسع خياراتك، تضيق ثقتك في أن مساراً واحداً يناسب الجميع. ومن هنا بدأ الابتعاد المنهجي النموذج القالب التعليمي الجاهز”.

الشهادة الواحدة لا تكفي

ترى موسى أن مفهوم التعلم قديماً ارتبط بغاية واضحة ومحدودة: "كيف سأكسب رزقي من هذه الشهادة؟". ووفقاً لتلك المعادلة، كان قطار التعلم يتوقف تماماً بمجرد نيل الوظيفة والانغماس في دوامة الحياة والتزاماتها. وظيفة واحدة، شركة واحدة، مهارات واحدة ربما طوال العمر، وكان هذا كافياً، أما اليوم، فقد سقطت هذه المعادلة سقوطاً مدوّياً. وتشير: "وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن %85 من الوظائف التي سيشغلها أطفال اليوم لم تُخترع بعد. وفي عصر يتسم بالسرعة الفائقة والتحولات التقنية المتلاحقة من الذكاء الاصطناعي إلى الأتمتة والبيولوجيا التركيبية وغيرها لم تعد المواكبة المستمرة مجرد خيار ترفي، بل غدت شرطاً أساسياً للبقاء المهني".
وتؤكد مدربة الوعي الذاتي أن جيل زد أدرك مبكراً أن المعرفة صلاحيتها مؤقتة، وأن الركود يعني التراجع الفوري. ولعل هذا ما يفسر ما يعرف بالتعلم التراكمي المتعدد: حيث يدمج الفرد معارف من مجالات متنوعة البرمجة والتصميم والتسويق الرقمي مثلاً ليبني ميزة تنافسية فريدة تصعب على الآلة محاكاتها.

الوعي المبكر والاهتمام بالقيم

تٌرجع موسى سبب رغبة جيل زد في التعلم المستمر إلى أن هذا الجيل لديه وعي ذاتي في سن مبكرة. وبدلاً من إهدار سنوات طويلة في تجربة مسارات لا تشبههم، أصبحوا يقضون وقتاً أطول في تفكيك اهتماماتهم وقيمهم الشخصية قبل الانطلاق. وتوضح: "الدافع هنا لا يقتصر على النجاح المادي الفج، بل يمتد إلى البحث عن التشبع المعنوي والرضا الداخلي".
تُشير دراسة أجرتها مؤسسة ديلويت إلى أن %49 من جيل زد يرفضون وظائف ذات راتب مرتفع إذا تعارضت مع قيمهم الشخصية، وأن %44 منهم يفضلون العمل في مجال يمنحهم شعوراً بالمعنى حتى لو عنى ذلك دخلاً أقل في البداية.

سهى موسى مدربة قيادة وإدارة الأفراد

الاستقلالية

وبحسب موسى فإن جيل زد، بنزعتهم الاستقلالية، يفضلون غالباً خوض التجربة المباشرة واكتشاف الدروس بأنفسهم، فلا يسيرون على خطى السابقين. يرون أن الخطأ الشخصي أعمق أثراً من التحذير النظري، وأن المعرفة المبنية على التجربة الحية تترسخ في العقل والذاكرة بشكل لا تفعله القراءة المجردة. قد يكون هذا الطريق أكثر مشقةً وتكلفةً من ناحية الوقت والجهد، لكنهم يرونه الطريق الأبقى لبناء الخبرة الحقيقية وصقل المعرفة الفردية.

التعلم الاجتماعي الرقمي

جانب آخر يميز جيل زد في رحلتهم التعليمية هو استثمارهم العميق للتعلم الاجتماعي الرقمي. الفصل الدراسي لم يعد أربعة جدران وسبورة ومعلماً واحداً بل أصبح مجموعة منشورات يتبادلها المتخصصون، ونقاشات تكسر فيها المفاهيم المعقدة إلى محتوى قابل للفهم. وترى سهى موسى أن ظاهرة التعلم الرقمي باتت واحدة من أبرز سمات هذا الجيل؛ حيث يُشاركون ما يتعلمونه بشكل مستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويبنون سمعتهم المهنية وهم لا يزالون في مرحلة التعلم. هكذا يتحول التعلم من تجربة خاصة مغلقة إلى رحلة جماعية مرئية، يُلهم فيها كل فرد الآخرين ويستلهم منهم في آنٍ واحد.
اقرئي أيضاً كيف يصطدم جيل ألفا بالواقع بعد حياة مثالية في الألعاب الافتراضية؟