إذا كنتِ تحرصين على تربية أطفالك وفق أسس التربية الإيجابية الحديثة، فقد تقعين في خطأ كبير؛ وهو أنكِ سوف تسعين للمثالية والكمال في طريقة تعاملك مع أطفالك، وسوف تكتشفين أن هناك نتائج عكسية لكل ما تحاولين بناءه فيهم، بل إن اطفالك أصبحوا ينظرون إليكِ نظرة الموظف إلى مديره، بحيث ينتظرون العقاب في كل لحظة ولا يشعرون معك بالأمان والسلام والهدوء والطمأنينة.
في طريقة تربيتك لطفلك، يجب أن تنجحي في الحفاظ على هدوئك النفسي والتماسك وعدم الغضب بسرعة؛ لأن السلام النفسي للأم ينعكس على الأبناء، حتى لو كان المنزل غير مرتب دائماً، فالمهم أن يكون هناك أطفالٌ سعداء على الدوام، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك"، وفي حديث خاص بها، بالمرشدة التربوية المعتمدة والموجهة سلسبيل العاصي، حيث أشارت إلى الإجابة عن سؤال مهم؛ وهو هل يحتاج طفلك إلى الأم المثالية أم الأم المستقرة نفسياً؛ لأن المثالية في التربية مطلب كل أُمّ، وذلك في الآتي:
طفلك يحتاج إلى أم هادئة متماسكة الأعصاب

- اعلمي أن الصراخ الدائم على الطفل ليس وسيلة تربوية مناسبة ولا صحية للتعامل معه؛ لأن الطفل يحتاج في الأساس إلى أم هادئة ومتماسكة الأعصاب وغير سريعة الغضب والانفعال، ويجب أن تعرفي أن بحثك الدائم عن المثالية، وفي أن تقدمي لطفلك أقصى ما تملكين من رعاية واهتمام؛ يحولك إلى أم مجهدة ومتعبة ودائماً تلقي اللوم على نفسها وتشعر بالتقصير، مما يجعلها أيضاً أماً عصبية ومتوترة؛ بسبب شعورها بأنها لم تقدم ما يجب لأطفالها.
- توقعي أن تكوني أماً فاشلة في حال كنتِ منهارة على الدوام؛ لأن الصراخ على الطفل لأنكِ تتوقعين منه الأفضل، ولأنك تتعاملين معه على أساس أنه روبوت؛ أي إنسان آلي؛ هو خطأ تربوي جسيم، وسوف ينعكس عليه بشكل كبير، حيث إن الطفل هو إنسان حساس وذكي في الوقت نفسه، ولكنه يخطئ لكي يتعلم. وفي حال كنتِ عصبية ومنهارة وسريعة الغضب؛ فهو لن يكرر التجربة ولن يتعلم، بل سيصبح طفلاً يخاف من أمه التي لا تحتويه، ولذلك فسعيك للكمال في طفلك هو أول طريق الفشل في تربيته.
طفلك لا يحتاج إلى بيت مرتب ومنظم دائماً
- لاحظي أن هناك دراسات عديدة قد نبّهت إلى أن المنزل المرتب دائماً ليس من الضروري أن يكون بيتاً سعيداً؛ لأن حرص الأم الدائم على ترتيب وتنظيم المنزل، بحيث أن أي شخص يفد إليه من الخارج ويجده هادئاً وساكناً ويعمّه الهدوء؛ فهو لا يعني أن الأطفال ينعمون بالهدوء والسلام، ولا يعني ذلك أن الأم هي مربية صالحة، أو قد استطاعت تربية الأطفال بطريقة جيدة، بحيث يكونوا مؤدبين ومطيعين، فالمنزل الهادئ والمنظم على الدوام غالباً ما يعيش فيه أطفالٌ لا يمارسون طفولتهم كما يجب، ويتعرضون للقمع على الدوام.
- اعلمي أن الأم المثالية ليست الأم التي يتحدث الجميع عن بيتها المرتب والمنظم والنظيف، ولكن الأم المثالية فعلاً هي الأم التي يكون أطفالها متزنين نفسياً، ولا يعانون من مشاكل وعقد نفسية تنعكس على المجتمع، فلن يفرح الناس بمنزلك المرتب لدرجة لا توصف، ولكنهم سوف يكونون سعداء ويحبون اللقاء بكِ وزيارتك حين يكون أطفالك هادئين ومطيعين ومؤدبين ويحسنون التعامل مع أطفالهم ومعهم؛ لأن الطفل السوي نفسياً هو نتاج أمّ نفسية ومتصالحة مع نفسها، ومتقبلة لأي حالة طارئة قد يمرّ بها طفلها.
طفلك يحتاج إلى ملاذ آمن وليس ناظر مدرسة

اعلمي أنه يجب أن تكوني الملاذ الآمن لطفلك، بحيث تقبلين مشاعر طفلك في كل الحالات التي يمرّ بها؛ لأن هناك بعض الأمهات لا يتقبلن مشاعر الطفل، ويقلن له مثلاً "أنت صغير ولا تفهم"؛ بمعنى أن شعوره لا يكون متقبلاً منها، ويعتقدن أن الصغير لا يعرف الفرح أو الحزن، رغم أن الجنين منذ أن يكون في رحم أمه؛ أي في عالم آخر غير هذا العالم، فهو يتأثر بمشاعرها؛ فيفرح ويبتسم ويبكي، أما حين يصبح خارج الرحم فعلياً؛ فهو يكون طفلاً حساساً ومرتبطاً في الوقت نفسه بالأم، التي يجدها ملاذه الآمن، بحيث لا تؤنبه ولا تعاقبه باستمرار، ويجب أن تحرص على أن تكون كذلك، بحيث تتقبله في كل حالاته؛ لأنه في النهاية هو إنسان ويمرّ ويعيش بكل المشاعر، فإذا بكى؛ فلا يجب أن تقولي له بقسوة "أنت رجل والرجال لا يبكون"، ويجب أن تشاركيه مشاعر مضادة للحزن؛ وهي مشاعر إيجابية تشمل الشعور بالبهجة والفرح والسرور.
طفلك يحتاج لوقت مخصص تقضينه معه
- اعلمي أن المثالية في التربية ليس أن تكوني مع طفلك طيلة الوقت، فيجب أن تتركي له وقتاً، لكي يكوّن شخصيته المستقلة بعيداً عنكِ، ويجب أن تعرفي أن شخصية الطفل لا تتشكل في وجود رقابة مستمرة من الأم، بل عليك أن تتركيه لكي يخوض الحياة بمفرده، وأن تسمحي له بأن يجرب ويخطئ ويصيب، ولكن في النهاية فهناك وقتٌ مخصصٌ للحديث معه لكي تتحدثي ويسمع، ولكي يتحدث وتستمعين إليه.
- خصصي وقتاً لطفلك لكي تستمعي له، ولكي تكوني بالقرب منه ويشعر فعلياً أنه مهم بالنسبة لكِ، وذلك لكي تكوني الأم الصالحة في التربية، فيجب أن تخصصي لكل طفل وقتاً مقتطعاً من يومك لا يقل عن ربع ساعة؛ لكي تستمعي للطفل، ويمكن أن تجلسي مع كل الأولاد جلسة واحدة، مع حرصك على خصوصية كل واحد، وأن تستمعي لكل واحد بنفس المعدل والاهتمام؛ لكي لا تثيري الغيرة بين الأبناء، حيث إن نجاحك في الاستماع للطفل منذ سن مبكرة أفضل بكثير من أن تكوني فوق رأسه طيلة الوقت، ولكنك تكتفين بإلقاء الأوامر فقط× لأنكِ بذلك لا تساعدينه على فهم الحياة وكشف مشاكله ومشاعره وإحباطاته، فكلما كبر الطفل فهو يواجه صعوبات التعلم وصعوبات في التأقلم، ودورك هو مساعدة الطفل على تجاوزها.
طفلك يحتاج إلى جو أسري متماسك
- اعلمي أن من علامات السلامة النفسية للأم أن تبعد أطفالها عن أي مشاكل تدور بينها وبين الأب، وتحييد الأطفال عن المشاكل الأسرية هو أول طريق التربية الصحيحة للأطفال؛ لأن الطفل ليس ذنبه أن ينشأ في بيئة فيها المشاكل والمشاجرات، ومن حقه أن يعيش في بيت محب وهادئ، وأن يشعر بالاحتواء، كما أن أصعب سؤال قد يوجّه للطفل، هو من تحب أكثر الأب أم الأم، لأن الطفل فعلياً يحب كلاً والديه، وهو بحاجة لهما طيلة الوقت.
- لاحظي أن طفلك يتأثر بالمناخ العاطفي السائد في البيت من حوله، وهو يلاحظ نبرة الصوت للأم إذا كانت سعيدة أو حزينة ويراقب تعابير الوجه، وطريقة التعامل معه مع الضغوط الأسرية والاجتماعية حتى عندما لا يفهم الطفل تفاصيل ما يحدث أو ما يدور حوله، فهو يتأثر بذلك، ودورك كأم مستقرة نفسياً أن تراعي لغة جسدك في التعامل معه، وأن تلقي بكل مشاكلك جانباً عندما تتعاملين مع طفل حساس ويريد أن يستمتع بطفولته ويعيش براءة سنواته الأولى.
قد يهمك أيضاً: 6 أسباب تؤدي إلى خسارة الأب لعلاقته مع أطفاله


Google News