البحث المستمر عن دهشة الصوت الذي لم يصله "صانع النايّ" بعد، حلم يؤرق روح الفنان نفسه، يصيبه جنون الإحتمالات القريبة والبعيدة، هو يراه جيداً، ولكنه لم يسمعه بعد، يقدم كل حياته راكضاً وراء هذا الصوت الذي سيعيش طويلاً بعده، حتى لو مات الصانع ونسي العازفون والناس اسمه، لا يريد سوى أن يعيش الصوت فقط، فهل سيستطيع "صانع النايّ" هذا الوصول إلى الصوت..؟
هذا ما قدمه الفنان بلال زيتون بمسرحيته "هلّا تأتون قليلاً" التي أعدّها وأخرجها عن رائعة الأديب التركي "عزيز نيسين"، بثاني أيام مهرجان عمّون لمسرح الشباب بدورته الخامسة عشر على خشبة المسرح الدائري بالمركز الثقافي الملكي في العاصمة الأردنية عمّان.
مثّل في العمل كلاً من الفنانين الشباب "ثامر الخوالدة، إبراهيم نوابنة، محمد الإدريسي، آلاء حمّاد، سوزان البنوي، وعطيه المحاميد"، وكان التأليف الموسيقي للفنان نور أبو حلتم وبحضوره أيضاً على خشبة المسرح، وصمّم الإضاءة ربيع درويش، أما الديكور فكان للفنان يوسف محاسنة.
صراع الثنائيات وأحلام "صانع النايّ"..
يعرض العمل قصة صانع النايّات "موّال" الذي جسّد شخصيته ثامر خوالدة، ومساعده الأحدب "جميل" الذي جسده إبراهيم النوابنة، اللذان يحاولان صنع ناي يستطيعون من خلاله الوصول إلى ذلك الصوت الموسيقي الخالد الذي لن يموت أبداً، والذي سيذكرهم التاريخ بسببه إلى الأبد، صوت "النايّ" الذي يحتفي بالكمال، لكن هذا الإنشغال الطويل لتحقيق هذا حلمهما، يترك عائلة "المعلم موّال" تعيش بفقر شديد، وحياة صعبة، ناهيك عن إهمال موّال لهم.
في خضم كل هذا يظهر رجل ثري والذي يجسّد شخصيته محمد الإدريسي، ويعرف عن نفسه بأنه تاجر يشتري أي شيء وكل شيء، ويحاول إغراء "موّال" بصفقة كبيرة ومغرية، ستخرجه هو وعائلته من الفقر الذي يعيشونه، بأن يعرض عليه شراء كل النايّات التي صنعها، وذلك لأنه يفكر بصنع سور حديقة بها لـ"فيلته" الجديدة.
ويبدأ الصراع في هذه اللحظة، بين موال وعائلته وجميل والرجل الثري، الذي يرمز إلى الصراعات الجاهزة بين الفقير والغني، فكيف يبيع موّال حلمه وسبب حياته ليصير مجرد سور حديقة، وبالوقت ذاته هذه الصفقة الكبيرة سوف تنقل حياتهم إلى مستوى آخر، وبحبوحة مادية كبيرة، ويظل الصراع قائم عند موال حتى يتخذ قراره الأخير.
النص:
لا تزال الأعمال الفنية الأردنية تعاني من "أزمة نصّ" كبيرة، قليلون فقط من استطاعوا الهروب منها، وإنقاذ أعمالهم الفنية، والأمر يبدأ من قلة أعداد كتّاب النصوص الإبداعية التي تستحق الإشتغال عليها، وصولاً إلى مأزق "اللهجة المحلية" التي ما تزال عالقة بشكلها القديم، ولا تقدم حالة حقيقية ولا فنية تعكس هذه اللهجة الأردنية بشكلها المناسب والسليم.
وعانى العمل "هلّا تأتون قليلاً"، من نفس هذه الأزمات جميعها، فلم يكن زيتون موفقاً بإعداده للنص وكتابته، ولم يتقن الإنتقال بين اللغة الفصحى والعامية، فكانت معظم هذه الإنتقالات ثقيلة على السامع والمشاهد في آن، وكان واضحاً أيضاً أنها لم تكن مدروسة بالكثير من الأحيان.
وكان هناك الكثير من "الإقحامات" التي لا داعي لوجودها للهجة العامية، خاصة بمناطق حاول المخرج من خلالها صنع "كوميديا" تضحك الجمهور، لكنها بدت زائدة عن حاجة العرض، ولم تؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب بإضحاك الحاضرين.
السينوغرافيا:
خُلقت السينوغرافيا حتى تكمل مقولة العرض تخدمه بإيصال ما يريد المخرج إيصاله لجمهور المسرح، وفي حال لم تخدم العرض المسرحي فهي تتحول إما إلى ثقل زائد على العرض لا حاجة له ولا وظيفة، أو ستقتله تماماً، وهذا ما حدث في عرض "هلّا تأتون قليلاً".
أخفق الفنان ربيع درويش تماماً بصنع إضاءة تخدم العمل، وربما لم يكن يدري بأنه كان قد أصاب العرض في مقتل هائل بصنعه للإضاءة، فاعتمد على بهرجة كبيرة وانتقالات ضوئية مزدحمة وغير مفهومة ولا محسوبة بمجمل لحظات المسرحية، الكثير من الورود والأشكال الهندسية والزخرفة بالمؤثرات البصرية، كانت بعيدة تماماً عن العمل ومحتواه وحالاته الإنسانية والفكرية، وهذه المشكلة التي تعد كبيرة في العمل المسرحي سببها إما عدم فهم مصمّم الإضاءة لفكرة العمل، أو أنه كان يجرب تقنيات وأشكال جديدة من الإضاءة بمكان ووقت غيرا ملائمين أبداً.
الشخصيات:
على الشخصيات بأي عمل فني أن يكون لها مكانها المناسب ووظيفتها وهدفها، ومن أكبر المشاكل بما يتعلق بها أن يكون وجودها زائد عن حاجة العمل، فتتحول إلى "ثرثرة مسرحية" ويبدو أن زيتون وقع بهذه المشكلة، فكان هناك وجود لا داعي له لشخصيات العائلة "الزوجة والإبن والبنت"، فلم يكن لهم ضرورة درامية قد تؤثر على سير العمل أو تغير اتجاه الصراع القائم فيه.

Google News