mena-gmtdmp

العرض الأردني "العرس الوحشي" صراع المتناقضات المؤلمة

من مشاهد العرض
نهاية العمل
شفيقة الطل بمنلوج من مرحلة الشباب للشخصية
الجمهور يحيي الفنانين بعد العرض
شفيقة الطلّ بشخصية الأم من العرض
زيد مصطفى بشخصية الإبن من العرض
شخصيتا الأم والأبن وهما يتحايلان للعثور على الحب بينهما
أحد مشاهد الصراع من المسرحية
شفيقة الطل بأحد منلوجاتها من العمل
9 صور
ضمن فعاليات أول أيام مهرجان الأردن المسرحي، قدم المخرج الأردني عبد الكريم الجراح، عمله "العرس الوحشي" الذي قدمه أداءاً كلٌ من شفيقة الطلّ، وزيد خليل مصطفى، وصمم ديكوراته يزن سلمان، وإضاءته خالد الخلايلة، وألف الموسيقى الحيّة ماهر الحلو، وقدمها عازف "تشيلو" خالد بلعاوي، عازفة "الفلوت" آلاء التكروري، وأصوات كل من أحمد الكردي، ياسمين أحمد، ريم جمو، وراما حسين، وساعد بالإخراج محمد الجراح، وذلك على خشبة المسرح الرئيسي بالمركز الثقافي الملكي بالعاصمة الأردنية عمان.

"العرس الوحشي".. تحايل على الحب
ويقدم المخرج الجراح حكاية أم مسجونة تم اغتصابها من قبل حراس السجن، وحملت بابنها الذي أنجبته وربته داخل الزنزانة، ولأنها اعتبرته "ثمرة خطيئة" لا يد فيها، لم تستطع أن تحبه إطلاقاً، وبالوقت نفسه ظل هو بدوره يحاول معها مطالباً بالقليل من حب الأم لطفلها.

يعرض العمل عقدة وجودية خالصة، لا حل لها رغم الكثير من الاحتمالات، فكلاهما لا ذنب لهما بحياتهما، وكلاهما لا يستطيعان حب بعضهما، رغم أنهما يعيشان بنفس المكان طوال سنوات، لكن فكرة أنه "ابن المُغتصب" تبعده عن أمه كثيراً، وأنها بدورها لم تعطيه أي نوع من الرعاية والحب، يجعله لا يحبها رغم مطالبته بهذا الحب، وتبقى هذه الحوارية المعقدة بين الأم والإبن بلا أي حلول حتى نهاية العمل.

أداءاً..
نجح بطلا العمل الوحيدان "مصطفى والطلّ"، بتقديم أداء تمثيلي محترف، وتمكنا من الحفاظ على إيقاع العمل طوال مدة العرض، فخبرة "الطلّ" الطويلة مكنتها من الانتقال بين المراحل العمرية للشخصية نفسها والشخصيات الأخرى التي جسدتها، بحرفية عالية، مقدمة الكثير من التفاصيل الجسدية والصوتية بالأداء التي خدمت مكانها على المسرح من جهة، ومن جهة أخرى خدمت العمل كوحدة كاملة.

أما مصطفى فكعادته كان قادراً على أن يحمل الكثير من المنولوجات المسرحية الطويلة التي غالباً ما يثق به المخرجين، وبقدرته وحرفيته التمثيلية العالية، بتقديمها بالشكل الأمثل على الخشبة، كما تمكن هو الآخر من الانتقال عبر المراحل العمرية للشخصية، والقفز بينها واللعب بها بشكل أذهل الحاضرين تماماً، مثبتاً أنه أحد أعمدة المسرح الأردني الجديدة.

سينوغرافيا وديكور..
استطاع مصمم الإضاءة يزن سلمان أن ينقذ الرؤية الإخراجية للجراح بالكثير من الحلول عبر استخدامه الحبال كمادة أساسية لديكورات العرض، فمن خلالها استطاع إيصال فكرة السجن والقضبان والمساحات الضيقة، بدون الاضطرار إلى الاستعانة بالقضبان الحقيقة أو المواد المعدنية، ما ساعد الممثلين بتقديم أداء أكبر لسهولة ومرونة التعامل معها.

ومن جهة أخرى كان هناك اشتغالات تتعلق بالمراحل العمرية للشخصيات، استطاعت هذه الحبال والأرجوحات أن تبينها، فمثلاً حين بدأت الطلّ بتقديم مرحلة الشباب العمرية بأحد المشاهد، قامت بتجديل مجموعة من الحبال المتدلية للخروج برمزية "الجدائل والسن المبكرة وطيش الشباب"، وحين استعان مصطفى بها كثيراً بمراحل اللعب لدى الشخصية في طفولته، إضافة إلى الإحساس بالفكرة المرتبطة بالحبال دائماً وهي القيود والأغلال، ومن جهة أخرى السفينة التي كانت متخيلة عند المؤلف ببعض المشاهد.

بينما لم يفلح مصمم الإضاءة خالد الخلايلة كثيراً بإعطاء الأجواء المناسبة للعرض، حيث كان الممثلين يختفون بالعتمة أحياناً ضمن مشاهد يجب أن يظهروا فيها بشكل واضح، خاصة بما يتعلق بإظهار الأداء الجسدي وتعابير الوجه ببعض الأحيان، لكن بالوقت نفسه نجح بالكثير من الأحيان بخلق إضاءة تنسجم تماماً مع المشاهد، وأفكار مبتكرة أغنت المخرج عن ثرثرات زائدة كان من الممكن أن تظهر بالديكور، فمثلاً استطاع الاستغناء عن "نافذة السجن" الصغيرة والمرتفعة، بحركات إضاءة عرضية أظهرت دخول الشمس من هذه النافذة.

موسيقياً..
أن تصنع موسيقى حيّة لعرض مسرحي، من الأمور الصعبة، والتي تحتاج إلى الكثير من الفهم لطبيعة العمل من جهة، ولرؤية المخرج من جهة أخرى، وطبيعة النص ولغة المؤلف من جهة ثالثة، وأداء الممثلين من الرابعة، واستطاع المؤلف الموسيقي ماهر الحلو، برفقة الفرقة الموسيقية أن يحيطوا بكل هذا الجهات لإخراج حالة موسيقية متكاملة، قادرة ليس فقط على خدمة العرض، وإنما أيضاً على الوصول به إلى المتلقي بالشكل المطلوب تماماً.

إخراجاً..
استطاع المخرج الأردني الجراح أن يقدم رؤية إخراجية مميزة في عمله "العرس الوحشي"، رغم مضامين العرض الوجودية والمعقدة، والتي غالباً ما تكون صعبة التقديم على المخرج والممثل وباقي كادر العمل، وذلك بطرح قضية الحب بين الأم وابنها تحت هذه الظروف وبهذا الشكل غير المعتاد، أثبت وجود اشتغال طويل على العمل، وبحث متواصل عن الحلول الإخراجية بشكل عام.
كما أن تمكنه من العمل على نحت شخصيات الممثلين بما يتناسب مع رؤيته، والسيطرة على إيقاع عرض غاية بالصعوبة كـ"العرس الوحشي"، وعلى إيقاع عمل فنانين كبيرين مثل "مصطفى والطلّ".