بلس /ثقافة وفنون

مسابقة القصة الفكاهية: ماذا حدث لصبحي

صورة تعبيرية

ماذا حدث لصبحي
اعلم يا سيادة القاضي، أن اسمي صبحي وأني كنت شابًا في السادسة عشرة من عمري، أعيش في بلدة لي فيها أقرباء وأصحاب. كنت غير معوز، لا شيء أخشى أو أحد أهاب، إلا اللهم خشيتي خشية الموت من الكلاب. وكانت هذه نقطة ضعف فريدة جلبت لي الصعاب. وصدف في يوم من الأيام أن تعرّض لي في السوق كلب عظيم الجثة أسود اللون. فلم يفلح في أن يعضني ولكنه بالنباح أرعبني وفاجأني وركض إليّ يهاجمني. ولولا أن أوقفه صاحبه بالنداء عليه لسفك مني الدماء، ولسلخ لحمي عن عظامي وأنهى سنيني وأيامي. فلما كنت قبلها قد أكثرت من شرب الماء وكنت في طريقي إلى دار الخلاء، لم أتمالك نفسي وفقدت الإحساس، فخرجت بولتي تفضحني بين الناس. فصارت فضيحتي، كما يقول المثل «فضيحة بجلاجل». فغممت وهممت وحزنت وألمت ولكني سلوت نفسي بأن الزمان لكل الآلام شاف ولكل غمّ عاف، ولا بدّ أن أمرًا سيأتي في قريب الآجال لينسي الناس قصة صبحي البوّال.

ولكن هيهات، فما أن يراني الناس حتى يتذكروا تلك القصة، فيكاد يميتهم الضحك وتكاد تقتلني الغصة. حتى صرت أدعو الله أن يلم بهذه البلدة خطب عظيم، كزلزال أوحرب أو وباء سقيم، لا يبقي على الأخضر واليابس، فينسى الناس أمري وتعود البسمة إلى وجهي العابس. ولكن لم يجر للبلدة أي من تلك المصائب ولم يبق لي إلا الأمل الخائب، حتى قررت يومًا هجرة البلدة والناس أجمعين، عازمًا البعد إلى يوم الدين.

ففعلت وهجرت واستقررت في بلاد بعيدة، وصار لي أهل وأطفال وأملاك مديدة. فلما مرت عليّ عقود وسنون غمرني الشوق لبلدتي القديمة وقبر أمي الحنون. فالغربة قاتلة الوجدان وإن كنت تعيش في أجمل البلدان، وصرت أتفكر في العودة والاستقرار، وقد مضت عشرون سنة منذ أن قررت الفرار. ولكني لا أجرؤ على العودة علنًا إلى بلدتي المليحة، لعل أحدًا لا زال يذكر تلك القصة القبيحة، فقلت لنفسي لألجأ إلى حيلة أصيب منها غرضي، وآتي بخبر يقين يشفي مرضي. فعدت إليها يومًا ما متنكرًا بزيّ تاجر غريب يحمل سلعًا من عالم بعيد عجيب. فدخلتها وقد تغيرت معالمها فسألت أحد الصبية عن ساع بريد اسمه مرزوق كنت أعرفه. فأخبرني الصبي أن مرزوقًا صاحب البريد قد مات منذ زمن بعيد. فلما سألته مذ متى كانت منية الساعي مرزوق أجاب: بعد سنتين من بولة صبحي في السوق. فعلمت عندها ألا عودة لي إلى هذا المكان وأن أمنيتي صارت في خبر كان. فتصوّر يا سعادة القاضي، من السنين فاتت عشرون ولا يزال القوم لذاك القبح "ذاكرون". فكيف لي العودة إلى بلادي هانئًا سالمًا والقوم يعيّرونني ولم أكن في بولتي مجرمًا ولا آثمًا؟ حتى سمعت بخبر قاض عادل صاحبُ شِدَد، لا يُظلم عنده أحد. فجئتك شاكيًا باكيًا طالبًا منك أن تحرّم عليهم ذكر ذلك الأمر أبد الدهر، أو تأمر من الفطاحل الأطباء، من يصنع من الدواء ما يمحو من ذاكرتهم تلك القصة النكراء.

 

X