يرى الدكتور رشيد بوطربوش عضو علماء المغرب بأنه من إحسان العبادة تحري مواسم الخير والإتيان بما يناسبها من الأعمال وأن لشهر رمضان أعماله الخاصة والمتفردة التي جاء بها الشارع حاضًا وحاثًا عليها وموص بها وأولها:
1ـ قراءة القرآن: فرمضان شهر القرآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وكان جبريل عليه السلام ينزل من السماء في رمضان ليتدارس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، الصيام والقرآن حبيبان متلازمان في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فيشفعان) حسنه الألباني، ولأجل اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم فقد كان صلى الله عليه وسلم يخصه بالإكثار من تلاوة القرآن وتدارسه، فكان يختم في كل رمضان مرة أو مرتين، قراءة على جبريل، عدا قراءته لنفسه، في كل ليلة من ليالي رمضان، يأتيه جبريل عليه السلام، فيتدارسان القرآن كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وكان الإمام مالك إذا دخل شهر رمضان يفر من إقراء الحديث ويتفرغ لقراءة القرآن من المصحف، وكان بعض السلف يقول عن شهر رمضان: إنما هو لقراءة القرآن وإطعام الطعام. والقرآن الكريم هو الذي يملأ قلب المسلم رجاءً إذا أصابه يأس أو قنوط، وهو الذي يملأ قلبه حذرًا وخوفًا إذا أصابه أمن من مكر الله وعُجْب وغرور، لقد وصف الوليد بن المغيرة وهو عدو لدود هذا الكتاب لما سمعه فقال: ما هو بكلام الإنس، وما هو بكلام الجن، وإن فيه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، لقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقال: من سرّه أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف. رواه البيهقي في الشعب عن ابن مسعود وحسنه الألباني.
2ـ قيام رمضان، والفضل فيه ظاهر، وقد كاد أن يكون قسيم الصيام لولا أن الصيام فرض، ومن أجل تسهيل القيام على الناس شرعت صلاة التراويح جماعة، ومن فضل الله تعالى أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة كاملة، فعن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء»، وقرأ صلى الله عليه وسلم في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة (البقرة) و(آل عمران) و(النساء) و(المائدة) و(الأنعام) و(الأعراف) و(التوبة). وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة واحدة (البقرة) ثم (النساء) ثم (آل عمران)، وكان يقرؤها مترسلاً متمهلاً، وثبت أن عمر رضي الله عنه لما أمر أبيّ بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أبيّ يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر.
3ـ الصدقة وإطعام الطعام فإن ذلك من أجل الأعمال في رمضان، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة صدقة في رمضان) [أخرجه الترمذي عن أنس]. وكان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)
وكان كثير منهم يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء) أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
4ـ الدعاء. فهو من أعظم عبادات الشهر، ولذلك ذكرت آية الدعاء في ثنايا آيات الصيام وهي قوله تعالى (وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان.. ) وقال صلى الله عليه وسلم: (للصائم دعوة مستجابة وذلك عند فطره) وأعظم ما تدعو به غفران الذنوب والعتق من النيران، فإن العتق من النار هو جائزة رمضان الكبرى، ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وزاد مسلم في روايته: «وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه».
5ـ العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت من حديث أبي معقل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان، تعدل حجة) رواه أحمد وابن ماجة، والمعنى كما ذكر العلماء: أنها تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء؛ فإنه لو كان عليه حجةً فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن حج الفريضة. والمضاعفة الحاصلة للأجر سببها كما يقول الإمام ابن الجوزي: «ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت»؛ ولذلك كان للعمرة في رمضان ثوابٌ مضاعف كما لغيرها من الحسنات، وللحديث السابق روايةٌ أخرى أكثر تفصيلاً، تبين المساواة بين الرجال والنساء في طلب الخير من الله تعالى، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: (ما منعك أن تحجين معنا؟) قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان وابنه، زوجها وابنها، وترك ناضحاً ننضح عليه، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرةً في رمضان حجة) رواه البخاري، و(الناضح) هو البعير الذي يُستقى عليه، وهنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المرأة التي فاتها الحج إلى القيام بعمرةٍ في رمضان، كي تتحصّل على أجرٍ يُضاهي أجر تلك الحجّة التي فاتتها، ولا عجب في ذلك، فالشهر شهر الخير، وأيامه أيام بركة، وفضل الله لا يُحَدّ، وإحسانه لا يُعدّ.
وحول أحسن طريقة يمكن استقبال رمضان بها قال الدكتور بوطربوش بأنه من أوجب الواجبات التي يستقبل بها شهر رمضان: التوبة النصوح والعزم على عدم العود، لأن الذنوب والمعاصي سبب للحرمان من كل خير. جاء رجل إلى الحسن البصري - رحمه الله - وقال له يا أبا سعيد: إني أبيت معافى، وأحبّ قيام الليل، وأعدّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيّدتك. نرى من أنفسنا كثيرًا من التفريط وإضاعة الوقت، والتغافل عن اهتبال مواسم الخيرات كرمضان، مع علمنا بفضله وجزيل عطاء الله فيه، ولاشك أن من الأسباب الرئيسة لذلك قيود الذنوب وأغلال المعاصي، إن من حُرم خير هذا الشهر فهو المحروم، ومن خُذل في مواسم البر فهو المخذول، نعوذ بالله من ذلك.
وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر ويحذرهم من تضييع مواسم الخير فيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، قَدْ حُرِمَ». رواه أحمد والنسائي، وهو في صحيح الجامع. وعنه رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، ثُمَّ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ». رواه الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني. وعنْ جابر بن سمرةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ: قُلْتُ آمِينَ وَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ: آمِينَ». قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ آمِينَ. رواه الطبراني وابن حبان وهو في صحيح الجامع.
1ـ قراءة القرآن: فرمضان شهر القرآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وكان جبريل عليه السلام ينزل من السماء في رمضان ليتدارس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، الصيام والقرآن حبيبان متلازمان في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فيشفعان) حسنه الألباني، ولأجل اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم فقد كان صلى الله عليه وسلم يخصه بالإكثار من تلاوة القرآن وتدارسه، فكان يختم في كل رمضان مرة أو مرتين، قراءة على جبريل، عدا قراءته لنفسه، في كل ليلة من ليالي رمضان، يأتيه جبريل عليه السلام، فيتدارسان القرآن كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وكان الإمام مالك إذا دخل شهر رمضان يفر من إقراء الحديث ويتفرغ لقراءة القرآن من المصحف، وكان بعض السلف يقول عن شهر رمضان: إنما هو لقراءة القرآن وإطعام الطعام. والقرآن الكريم هو الذي يملأ قلب المسلم رجاءً إذا أصابه يأس أو قنوط، وهو الذي يملأ قلبه حذرًا وخوفًا إذا أصابه أمن من مكر الله وعُجْب وغرور، لقد وصف الوليد بن المغيرة وهو عدو لدود هذا الكتاب لما سمعه فقال: ما هو بكلام الإنس، وما هو بكلام الجن، وإن فيه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، لقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقال: من سرّه أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف. رواه البيهقي في الشعب عن ابن مسعود وحسنه الألباني.
2ـ قيام رمضان، والفضل فيه ظاهر، وقد كاد أن يكون قسيم الصيام لولا أن الصيام فرض، ومن أجل تسهيل القيام على الناس شرعت صلاة التراويح جماعة، ومن فضل الله تعالى أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة كاملة، فعن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء»، وقرأ صلى الله عليه وسلم في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة (البقرة) و(آل عمران) و(النساء) و(المائدة) و(الأنعام) و(الأعراف) و(التوبة). وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة واحدة (البقرة) ثم (النساء) ثم (آل عمران)، وكان يقرؤها مترسلاً متمهلاً، وثبت أن عمر رضي الله عنه لما أمر أبيّ بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أبيّ يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر.
3ـ الصدقة وإطعام الطعام فإن ذلك من أجل الأعمال في رمضان، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة صدقة في رمضان) [أخرجه الترمذي عن أنس]. وكان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويقدمونه على كثير من العبادات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)
وكان كثير منهم يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء) أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
4ـ الدعاء. فهو من أعظم عبادات الشهر، ولذلك ذكرت آية الدعاء في ثنايا آيات الصيام وهي قوله تعالى (وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان.. ) وقال صلى الله عليه وسلم: (للصائم دعوة مستجابة وذلك عند فطره) وأعظم ما تدعو به غفران الذنوب والعتق من النيران، فإن العتق من النار هو جائزة رمضان الكبرى، ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وزاد مسلم في روايته: «وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه».
5ـ العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت من حديث أبي معقل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان، تعدل حجة) رواه أحمد وابن ماجة، والمعنى كما ذكر العلماء: أنها تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء؛ فإنه لو كان عليه حجةً فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن حج الفريضة. والمضاعفة الحاصلة للأجر سببها كما يقول الإمام ابن الجوزي: «ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت»؛ ولذلك كان للعمرة في رمضان ثوابٌ مضاعف كما لغيرها من الحسنات، وللحديث السابق روايةٌ أخرى أكثر تفصيلاً، تبين المساواة بين الرجال والنساء في طلب الخير من الله تعالى، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: (ما منعك أن تحجين معنا؟) قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان وابنه، زوجها وابنها، وترك ناضحاً ننضح عليه، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرةً في رمضان حجة) رواه البخاري، و(الناضح) هو البعير الذي يُستقى عليه، وهنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المرأة التي فاتها الحج إلى القيام بعمرةٍ في رمضان، كي تتحصّل على أجرٍ يُضاهي أجر تلك الحجّة التي فاتتها، ولا عجب في ذلك، فالشهر شهر الخير، وأيامه أيام بركة، وفضل الله لا يُحَدّ، وإحسانه لا يُعدّ.
وحول أحسن طريقة يمكن استقبال رمضان بها قال الدكتور بوطربوش بأنه من أوجب الواجبات التي يستقبل بها شهر رمضان: التوبة النصوح والعزم على عدم العود، لأن الذنوب والمعاصي سبب للحرمان من كل خير. جاء رجل إلى الحسن البصري - رحمه الله - وقال له يا أبا سعيد: إني أبيت معافى، وأحبّ قيام الليل، وأعدّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيّدتك. نرى من أنفسنا كثيرًا من التفريط وإضاعة الوقت، والتغافل عن اهتبال مواسم الخيرات كرمضان، مع علمنا بفضله وجزيل عطاء الله فيه، ولاشك أن من الأسباب الرئيسة لذلك قيود الذنوب وأغلال المعاصي، إن من حُرم خير هذا الشهر فهو المحروم، ومن خُذل في مواسم البر فهو المخذول، نعوذ بالله من ذلك.
وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر ويحذرهم من تضييع مواسم الخير فيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، قَدْ حُرِمَ». رواه أحمد والنسائي، وهو في صحيح الجامع. وعنه رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، ثُمَّ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ». رواه الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني. وعنْ جابر بن سمرةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: «آمِينَ»، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ: قُلْتُ آمِينَ وَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ: آمِينَ». قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ آمِينَ. رواه الطبراني وابن حبان وهو في صحيح الجامع.

Google News