شهدت الشركات في الأعوام الماضية تغييرات جذرية، فلم يعد الشكل التقليدي للدوام هو السائد، فثمة جيل جديد يرفض التقيّد بساعات الدوام في المكتب، أو ترقيات تسير فقط وفقاً للائحة متجمدة.
ويعود ذلك إلى بصمة جيل زد؛ ذلك الجيل الذي ولد في مطلع الألفية، لكن نجح في إحداث تغييرات اجتماعية ومهنية متسارعة، مقارنة بالأجيال السابقة، حيث فرض هذا الجيل سماته على أصحاب الأعمال، ثم جاءت جائحة كورونا لتفرض أيضاً واقعاً جديداً داخل أروقة الشركات.
إعداد: إيمان محمد
سمات جيل زد في العمل
جيل زد قارب على عمر الثلاثين، ما يعني أن جزءاً كبيراً منه الآن يمارس العمل، سواء داخل الشركات أو العمل الحر، ولكن الأهم أن هذا الجيل فرض بعض التغييرات التي رصدتها الدراسات.
المرونة تعزز الإنتاجية
أبرز ما يميز جيل زد هو رغبتهم في عدم التقيّد، ليس بغرض الرفاهية دائماً، بينما في مرات عديدة يكون لديهم منطق محدد. فحسب بحث تحليلي نشرته منصة Deloitte، فإن جيل زد يضع المرونة أولوية عند اختيار جهة العمل. وحسب التقرير، يشير إلى أن قرابة 75% من أبناء هذا الجيل يعتبرون العمل عن بُعد أو النموذج الهجين ضرورة وليس ميزة إضافية. ويبرر جيل زد رغبتهم هذه بأن التكنولوجيا التي هي أساس في يومهم قد أزالت الحواجز المكانية، حتى بات التواجد في المكتب لا يعني أبداً إنجاز العمل، بل إن التمسك بنظام الحضور والانصراف التقليدي (من 9 ص لـ 5 م) هو نظام بيروقراطي؛ لا يضيف قيمة حقيقية للإنتاجية.

تقدير الوقت
جيل زد يقدّر وقته الشخصي للغاية، ومن هنا هو يرفض إهدار ساعات في التنقل المكتبي، بينما يفضّل استغلال هذا الوقت في العناية بنفسه، مثل تطوير مهارات جانبية أو العناية بصحتهم البدنية والذهنية. ومن هنا لاحظ التقرير السابق أن جيل زد يفضّل اقتصاد العمل الحرّ على الوظيفة التقليدية الثابتة، حيث توفر منصات العمل المستقل دخلاً قد يتجاوز الرواتب الثابتة، مع ميزة التحكم الكامل في الجدول الزمني.
ظاهرة الاستقالة الصامتة
وفقاً لدراسة موسعة أجرتها مؤسسة McKinsey & Company، يولي جيل زد اهتماماً خاصاً بالصحة النفسية، لكنه يواجه ضغوطاً ومشاكل متلاحقة في العمل. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال يؤدي مهامه الأساسية، لكنه يتبنى مفهوم "الاستقالة الصامتة"؛ أي القيام بالوظائف المطلوبة فقط من دون بذل جهد إضافي يتجاوز ساعات العمل الرسمية.
العناية بالصحة النفسية
استكمالاً للسابق، فإن جيل زد لديه مستويات من القلق والتوتر أعلى من المعدلات الطبيعية في الأجيال السابقة، وهذا يدفعهم لوضع حدود واضحة في العلاقات المهنية، وحتى الشخصية، والشركات التي لا تحترم هذه الحدود، أو التي تروج لثقافة العمل المتواصل؛ يتجنبها جيل زد، وبالتالي تفقد المواهب الشابة التي تعتبر هذا النمط الوظيفي ساماً.
الاهتمام بالقيمة
على عكس ما يبدو، إلا أن الأبحاث أشارت إلى أن جيل زد مهتم بالقيم، ويشير الخبراء إلى أن الشباب اليوم يبحثون عن إجابة لسؤال: "لماذا أفعل هذا؟". إذا كانت قيم المؤسسة تجاه قضايا مثل التغير المناخي، العدالة الاجتماعية، أو التنوع والشمول، لا تتوافق مع مبادئ الموظف الشخصية، فإن الولاء للشركة يصبح منعدماً.

تغير مفهوم الأمان الوظيفي
الأجيال السابقة كانت تبحث عن مسمى "الأمان الوظيفي"، والذي قد يتحقق من خلال التقاعد المريح والوعود المؤجلة، غير أن جيل زد لا يرى في هذه المزايا قيمة حقيقية يبحث عنها، بينما أصبح هذا الجيل يشغله أكثر تكاليف المعيشة الراهنة، وبما أن الوظيفة التقليدية في كثير من الأحيان لا توفر الدخل الكافي لتملُّك سكن أو بناء مستقبل مالي مستقر، اتجه هؤلاء لابتكار مسارات بديلة. صناعة المحتوى، التجارة الإلكترونية، والاستثمار في العملات المشفرة أو الأسهم؛ أصبحت مسارات واقعية تجذبهم بعيداً عن مكاتب الشركات التي تقدم زيادات سنوية لا تواكب معدلات التضخم.
الفجوة بين الأجيال
واحدة من الأسباب التي تدفع جيل زد لرفض الوظيفة بظروفها التقليدية؛ هي الفجوة بينهم وبين الأجيال السابقة، والذين عادة ما يكونون مديريهم. وتكمن الفجوة في القيم والمفاهيم، ففي حين يرى المديرون أن الالتزام المكتبي دليلٌ على الجدية، يراه الموظف الشاب دليلاً على عدم الثقة وسوء الإدارة.
ويؤكد الخبراء أن الشركات التي نجحت في تجاوز هذه الفجوة هي التي تبنّت نموذج "الإدارة بالنتائج"، هذا يتطلب تحولاً في عقلية القيادة من المراقبة إلى التمكين. جيل زد يقدّر الثقة ويفضّل الشفافية في علاقات العمل، ولا يهتم بمفاهيم مثل التسلسلات الهرمية المعقدة التي تعطل اتخاذ القرار.
الأسباب التي دفعت جيل زد نحو رفض الشكل التقليدي للوظيفة لم تكن عابرة، بينما هي محددات لتغيّر وضحت ملامحه وتأثيراته بالفعل على بيئات العمل، ويمكن القول إن كثيراً من رواد الأعمال باتوا يتبنون بالفعل نماذج العمل التي يحددها هذا الجيل؛ بسبب انعكاساتها الإيجابية على العمل.
اقرئي أيضاً: التحديات التي تواجه الشباب في سوق العمل العالمي
