إلى جانب غذاء الجسد الذي نقدمه لأطفالنا منذ ولادتهم، يجب علينا ألا نهمل غذاء النفس والروح وسماع الطفل للموسيقى والغناء منذ ولادته، وكذلك سماعه لصوت ترتيل القرآن الكريم يترك أثراً جيداً فيه من نواحٍ عديدة. وبناءً على اكتشاف هذه التأثيرات المهمة؛ فقد أصبح تعليم الموسيقى في المدرسة أو المنزل نوعاً من الاستثمار في مستقبل أبنائنا.
باتت الموسيقى أشبه بأداة ووسيلة تعليمية وتربوية، وقد التفت المربون والأمهات والآباء إلى أهميتها، وحيث إن الأطفال الذين يستمعون إلى أنغام موسيقية في مهدهم، أو يتلقون تدريبات موسيقية حتى لو كانت بسيطة وفي عمر مبكر؛ فهم يمتلكون تطوراً ملحوظاً ومميزاً في القدرات اللغوية وتحسين الذاكرة أيضاً، وفوائد أخرى كثيرة، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك"، في حديث خاص بها؛ الاستشارية والمدربة التربوية الدكتورة ديما سراج، حيث أشارت إلى تأثير الموسيقى في الأطفال بجميع مراحلهم العمرية بدءاً من سن سنة ونواحي هذا التأثير عقلياً ونفسياً وحركياً في الآتي:
تأثير الموسيقى في المواليد

- اعلمي أنه، بعد الولادة، المولود يستطيع أن يتذكر الموسيقى والأصوات الناعمة الرقيقة والهادئة التي استمعت إليها الأم في أثناء فترة الحمل؛ لذا يُمكن للأم أن تتذكر هذه الموسيقى جيداً وتقوم بتشغيلها بجوار المولود لتهدئته والتقليل من مدة بكائه، خاصة أنه في أيامه الأولى قد يبكى لمجرد الشعور بالوحشة بالإضافة إلى أن سماع الأم للموسيقى نفسها سوف يجعلها تشعر بالاسترخاء، وينعكس الشعور نفسه بالنسبة إلى المولود الجديد، فسوف تلاحظ الأم سريعاً رد فعل المولود المحتمل وهو التوقف عن البكاء فوراً وفتح عينيه بهدور ودون انزعاج وبالتدريج؛ حتى إنه سيبدأ بالقيام بحركات طفيفة، وكل ذلك نتيجة لسماع الموسيقى التي أفادته أيضاً في المراحل الأخيرة من الحمل؛ حيث تعمل بشكل فعَّال على تحفيز وزيادة نشاط دماغه.
- لاحظي أن نوع الموسيقى التي تستمع إليها الأم خلال فترة الحمل يؤثر بشكل لافت في شخصية الجنين بشكل كبير، ويجب أن تختاري نوع الموسيقى التي تستمعين إليها بعناية، فإذا كانت الأم تستمع كثيراً إلى الموسيقى الهادئة خلال الحمل؛ فمن المُرجح أن يكون الطفل متصفاً بشخصية هادئة، وعلى العكس من ذلك فإذا كانت الأم تستمع إلى الموسيقى الصاخبة والسريعة في أثناء الحمل وقد يحدث ذلك دون قصد منها؛ فمن المُرجح أن تُنمي هذه الممارسة لدى الطفل المستقبلي شخصية عدوانية وكثيرة الحركة.
- لاحظي أن سماع المولود للموسيقى في شهوره الأولى يوطد العلاقة بينه وبين الأم من خلال استعادته للذكريات مثلما تفعل أصوات الرحم التي يمكن أن تسمعيها له أيضاً، كما أن سماع المولود للموسيقى الكلاسيكية خصوصاً يُحسن من مستوى الذكاء المكاني لديه، خاصةً لو استمع إليها في أثناء فترة الحمل، وذلك لأن استماع الشخص إلى الموسيقى الكلاسيكية عموماً يعمل على تنشيط مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم الذكاء المكاني، وهو القدرة على فهم الفضاء والقدرات الرياضية، كما أن الأطفال الذين يستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية؛ يكونون أكثر قدرة على حل الألعاب التي تتطلب ذكاءً مكانياً، مثل الألغاز.
تأثير الموسيقى في الأطفال في سنتي المهد

- لاحظي أن استماع الطفل في أول عامين من عمره، وهما ما يُطلق عليهما "سنتا المهد"، إلى الموسيقى يحقق له فوائد ترتبط بتقوية ذاكرته وتحفيز قدراته العقلية، ويحدث ذلك عند الأطفال حتى سن ثمانية أشهر، وحيث تبدو على الطفل الرضيع في سنتي المهد علامات تدل على تعرفه إلى مقطوعة موسيقية قصيرة مألوفة بعد أن استمع إليها منذ أسبوعين مع ملاحظة أنه سوف يتعرف إليها في حال استمع إليها مرة ثانية في التوقيت نفسه مثل وقت القيلولة.
- اعلمي أن سماع الموسيقى عند الطفل في سنتي المهد وربطها بتجربةٍ مُحددة مثل أن يسمعها مع تناول وجبة جديدة من الطعام التكميلي، ثم تكرار سماعه لها مع الطقوس نفسها؛ سوف يؤدي ذلك إلى دعم التمييز لدى الطفل -أي ملاحظة الاختلافات- فمن خلال محاولة تجربة آلات موسيقية مختلفة على مسامع الطفل في هذه السن الصغيرة؛ سوف يُدرك تدريجياً الاختلافات في درجة الصوت، وجرسه، وشدته ونبرته.
تأثير الموسيقى في الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة "2-8 سنوات"

- اعلمي أن سماع الطفل للموسيقى فيما بعد عمر السنتين يدعم لدى طفلك قدرته على اللعب التخيلي، وكذلك التفكير الرمزي، ويعنيان أن يسقط الطفل خياله على أشكال ملموسة حوله مثل أن يتخيل أن مكعباً ملوناً صغيراً بين يديه هو عبارة عن سيارة، وهذه الطريقة في التخيل تبدأ في النمو لدى الطفل في عمر مبكر ولكنها تستمر لديه، والوصول إليها يُعد نقلة نوعية في أنواع مهارات التفكير لدى الطفل، وبالتالي يمكن للأم أن تستخدم الموسيقى لتنمية قدرات الطفل على اللعب التخيلي؛ أي استخدام الرموز، وذلك من خلال توفير أدوات تُرافق الأغاني، مثل العناكب القطينة عند غناء "Itsy Bitsy Spider" أو أشكال أنواع مختلفة من الفاكهة المقطوعة من الفلين أو البلاستيك المرن؛ لتتناسب مع أغنية الأطفال المفضلة "Fruit Salad".
- توقعي أن سماع الأطفال للموسيقي سوف يساعد على تقوية مهارات اللغة؛ أي زيادة المحصول اللغوي لديهم بسرعة، وكذلك زيادة مهاراتهم في القراءة والكتابة، كما تساعد الموسيقى في تعزيز هذه المهارت المهمة لدى الطفل؛ فالموسيقى تُعَدُّ محفزة لمهارات التعلم الأولية عند الطفل، وهي تعلم الحروف والأرقام، وغالباً ما يُستخدم الغناء والأناشيد في تعليمهما للطفل، حيث تبين، من خلال إحصاءات على عدد من الأطفال أُجريت من خلال جامعة مانشستر على مدى سنين متتالية؛ أن مشاركة هؤلاء الأطفال في أنشطة موسيقية خلال السنوات الأولى من عمرهم قد ساعد بشكل فعَّال على تطوير مهارات القراءة والحساب لديهم من خلال استخدام الإيقاع والعد والتسلسل، وذلك بنسبة تصل إلى نحو 20% أعلى، مقارنة بالأطفال الذين لم يشاركون في أنشطة موسيقية تعليمية.
- اعلمي أن الموسيقى تسهم في تعليم الطفل لغات أخرى غير لغته الأم بالإضافة لقدرة الموسيقى على تعليم الأطفال في سن المدرسة على تعلم وممارسة مهارات التفكير المنطقي والاستدلال، فعلى سبيل المثال إذا ما غنت المعلمة "كان لدى أمجد سمكة صغيرة"؛ فسوف يكمل الطفل وصفاً للسمكة التي تتميز بالزعانف فيقول: "زعانفها برتقالية زاهية" وهكذا.
- لاحظي أن تقديم تجارب موسيقية مبكرة وباللغة الأم للطفل يدعم تطوره اللغوي المزدوج في السنوات الثلاث الأولى من عمره وما بعدها، وحيث إن إتقان الطفل المبكر لأكثر من لغة يُعَدُّ تطوراً أكاديمياً رائعاً لا يحققه معظم الأطفال، ولكن يحدث ذلك عند الأطفال الذين يستمعون إلى الموسيقى ويتعلمونها، ويفيد في نجاح هذا النوع من التعليم أن تشترك العائلات في برامج تعليمية خاصة، حيث يمكنهم أن يشاركوا في تعليم الطفل لغة جديدة من خلال أغانيهم وخاصة أغانيهم الثقافية والفلوكورية.
- اعلمي أن تعليم الطفل للموسيقى في مرحلة طفولته المبكرة يسهم بشكل كبير في زيادة الوعي الصوتي لدى الطفل، وهو قدرة الطفل على سماع الأصوات المختلفة وتمييزها، ومن ثَم توظيفها واستخدامها، وبالتالي فالأطفال القادرون على تمييز الأصوات هم أكثر قدرة على تطوير مهارات قراءة وكتابة أقوى مع نمو عضلي جيد، ومع مرور الوقت، حيث تدعم الموسيقى هذه المهارات الأساسية؛ لأن معظم الأغاني المصحوبة بموسيقى تتضمن قافية تسهل التعلم والحفظ عند الطفل.
قد يهمك أيضاً: أنشطة لتعزيز المهارات الفكرية للطفل بعمر السنتين






