تحكي الأم سلمى: (تجربتي في التواصل مع أطفالي الثلاثة لم تكن عملية سهلة، ولم تكن صعبة أيضاً، والسبب أنني شعرت بعدم تواصلهم معي وابتعادهم عني كأمّ منذ فترة، وبعد محاولاتي معهم أحسست بالإنجاز والسعادة أمام كل خطوة خطوتها، بل كنت أطير فرحاً وفخراً عندما كنت أراهم يتطورون نفسياً وسلوكياً يوماً بعد يوم. وللوصول لهذه النتيجة لم أبخل عليهم بالبحث والسؤال ممزوجين بالحب والرغبة في أن يكونوا في أحسن حال. وما التواصل بين الأم وأبنائها إلا أخذ وعطاء مستمر للمشاعر، الأفكار، والخبرات، بلغة الكلام ولغة الجسد، ولكن لا أنكر ما واجهته من صعوبات اختلفت وفقاً لأعمارهم. وتداركي لكل هذا كان خطوتي الأولى لتجاوزها؛ لتصبح (تجربتي في كيفية التواصل بين الأم وأطفالها).
مفهوم التواصل وطرق تحقيقه

تقول الأم سلمى: تفهّمت أن التواصل حجر أساس لبناء علاقة صحية، وتكوين بيئة آمنة تضمن استقرار الطفل نفسياً، وتطور قدراته الذهنية والاجتماعية.
إن التواصل يعتمد على التفاعل الإيجابي والمستمر بين الأم وطفلها بهدف فهم كل طرف للآخر، وهو التحدث المباشر وطرح الأسئلة من جانب الطفل، واستخدام كلمات دافئة من الأهل تعزز من ثقة الابن بنفسه.
طرق تحقيق التواصل وإدراك أهميته:
وتتابع الأم: قدمت لأطفالي الدعم العاطفي والنفسي كأول خطوة، بعدها شاهدت قدر الاستقرار والأمان والرغبة في التواصل الذي بدأ يسكن قلوبهم.
أصبحوا أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة الصعبة، ما جعل كل ابن يشعر بأنه مسموع ومقدر، وكان يلجأ لي في كافة مشاكله.
تجربتي في التواصل معهم ساعدتهم على اكتساب الكثير من مهارات الحياة، وتسهيل اندماجهم في المجتمع الدراسي أو العملي.
استمعت لطفلي باهتمام وانتباه كامل أثناء حديثه وترك الأجهزة الإلكترونية لضمان التركيز.
تعاطفت مع كل طفل قبل التوجيه، مُحاوِلة فهم مشاعره وتقبلها (سواء كان حزيناً أو غاضباً) قبل البدء في تقديم النصائح أو اللوم.
والجميل أنني بدأت في تخصيص وقت يومي محدد للجلوس مع كل ابن على حدة ومشاركته تفاصيل يومه.
أبرز صعوبات التواصل التي واجهتني مع الأبناء تمثلت في:

تحديات المرحلة العمرية
في الطفولة المبكرة: ضعف الحصيلة اللغوية يمنع الطفل من التعبير عن مشاعره، فيلجأ للبكاء أو العناد.
في مرحلة المراهقة: رغبة الابن في الاستقلال تخلط بين التوجيه والسيطرة، فيميل إلى الانعزال أو الصمت.
أخطاء الحوار الشائعة
كثرة اللوم والانتقاد: التركيز على الأخطاء فقط يجعل الابن يتجنب الحديث خوفاً من المحاكمة أو التوبيخ.
إلقاء المحاضرات الطويلة: الأسلوب التلقيني بدلاً من الحوار التفاعلي يُشعر الابن بالملل ويدفعه لتجاهل الكلام.
المقارنة بالآخرين: مقارنته بأخوته أو أقرانه تدمر ثقته بنفسه، وتخلق حاجزاً دفاعياً يمنعه من التواصل.
8 خطوات تُغير أسلوب تواصلك مع طفلك للأفضل..أرجوكِ لا تتجاهليها
العوامل النفسية والبيئية
الخوف من رد الفعل: إخفاء المشاكل عن الوالدين يحدث خوفاً من الغضب العنيف أو العقاب القاسي.
انشغال الوالدين: غياب الوقت النوعي المخصص للحوار بسبب ضغوط الحياة، يجعل الابن يشعر بعدم الأهمية.
المشتتات الرقمية: إدمان الهواتف والشاشات من الطرفين، يقلل من فرص التواصل البصري والحديث المباشر.
صعوبات ناتجة عن طبيعة نمو الابن والوالدين

نعم! تجربتي لم تكن سهلة بل تحوي صعوبات: أولاها ترتبط بالابن الذي يرغب في الاستقلالية؛ حيث يرى الابن أن كثرة الأسئلة أو النصائح هي محاولة للسيطرة عليه وفرض القيود، فكان يلجأ إلى الصمت أو العناد لحماية خصوصيته.
كما أن التقلبات المزاجية بسبب التغيرات الهرمونية السريعة تجعل ردود أفعال الأبناء باختلاف أعمارهم غير متوقعة، مثل الغضب المفاجئ أو الرغبة في الانعزال.
كنت أعرف أن خوف الطفل أو المراهق من الأحكام المسبقة، تجعله يتجنب الصراحة إذا شعر أن كلامه سيواجه باللوم، العقاب، أو السخرية من مشاكله البسيطة.
وصعوبات أخرى ترتبط بأخطاء الوالدين؛ حيث تيقظت للخطأ الذي نقع فيه نحن الآباء، فلم أركز على التوجيه فقط، حتى لا يتحول كل نقاش إلى "موعظة" أو "محاضرة تربوية" بدلاً من حوار عفوي ممتع.
ركزت معهم وأنصت لكلامهم، فقد يكون انشغال الوالدين بالهواتف أو العمل أثناء حديث الابن، يرسل له رسالة غير مباشرة بأن كلامه غير مهم.
اختلاف طرق التواصل وفقًا لعمر كل ابن:

مرحلة الطفولة المبكرة (2 - 6 سنوات): اعملي على النزول لمستوى نظره والحديث بعبارات قصيرة ومباشرة، وفي أسلوب التواصل، استخدمي لغة بسيطة، وتجنبي إلقاء جمل طويلة. وبدلاً من "اذهب ونظف غرفتك الآن"، قولي: "من فضلك، ضع الألعاب في الصندوق".
التعامل مع المشاعر، فإذا عبّر عن مشاعره بكلمات غاضبة، أخبريه بوضوح: "أنا أعلم أنك زعلان لأن اللعبة انكسرت".
مرحلة الطفولة المتأخرة (7 - 12 سنة): اعملي على طرح الأسئلة المفتوحة والابتعاد عن التلقين والمواعظ.
استبدلي الأسئلة التقليدية (مثل: كيف كانت المدرسة؟) بأسئلة تفاعلية (مثل: ما هو أكثر موقف مضحك حدث معك اليوم؟). مع تعاملك مع مشاعره، أشركيه في حل المشكلات وعززي ثقته بنفسه بسماع رأيه، مثل: "ماذا تقترح أن نفعل لحل هذه المشكلة؟".
مرحلة المراهقة (13 - 18 سنة) المفتاح الأساسي: الاحترام، منح المساحة الشخصية، والتحول من دور "الموجه" إلى دور "الصديق المستشار".
أسلوب التواصل يكون بتجنب أسلوب التحقيق والأسئلة المتطفلة، واعتمدي على الإنصات دون إصدار أحكام سريعة أو لوم.
التعامل مع المشاعر، بتقبّل حاجته للاستقلال والانعزال أحياناً، وأكدي له دائماً أنكِ متاحة للدعم في أي وقت يطلبه دون فرض نفسكِ عليه.
مرحلة الشباب والطلب (فوق 18 سنة): المفتاح الأساسي هو التعامل معه كشخص ناضج ومكافئ لك في المسؤولية. أسلوب التواصل بالاعتماد على المشورة المتبادلة، وطلب رأيه في أمور تخص العائلة؛ ليشعر بقيمته ومكانته.
التعامل مع المشاعر بأن تقدمي النصيحة فقط عندما يطلبها منكِ، واحترمي قراراته الشخصية حتى وإن كنتِ تختلفين معها جزئياً.
بحث طال عن الموضوعات الحيوية المشتركة للحديث

نعم أخذت هذه الفكرة وقتاً وبحثاً طويلاً، وأسئلة مباشرة لصديقاتي الأمهات، والتي تمركزت في اتجاه واحد: ما الموضوعات التي تطرحينها على ابنك للحديث والتواصل معه؟ فكانت الإجابة:
الاهتمامات الشخصية والهوايات
الألعاب الإلكترونية والتكنولوجيا: ورغم عدم خبرتي بها، كنت أسأله عن اللعبة التي يفضلها، وكيف تُلعب، أو أطلب منه أن يعلمني طريقة لعبها.
الرياضة والفرق المفضلة: متابعة مباريات فريقه المفضل، مناقشة أداء اللاعبين، أو ممارسة رياضة خفيفة معاً كالمشي أو كرة القدم.
الاهتمامات الفنية والترفيهية: التحدث عن صناع المحتوى المفضلين لديه، أو مشاهدة فيلم سينمائي معاً ومناقشة أحداثه وفكرته بعد الانتهاء.
الطموحات والمستقبل (دون ضغوط)
الحديث عما يتمنى تحقيقه أو الأماكن التي يرغب في زيارتها يوماً ما، والمهن التي تثير فضوله، ولا مانع من مناقشة مهارة يرغب في تعلمها (مثل: الجرافيك، لغة جديدة، البرمجة، أو العزف) وكيف يمكنني دعمه لتطويرها.
قصص وتجارب الحياة الواقعية
حدثته عن ذكريات طفولته؛ الأبناء يعشقون سماع مواقف مضحكة أو غريبة حدثت معهم وهم صغار، فهذا يعزز شعورهم بالانتماء والأمان.
وحكيت له عن تجاربي في الصغر، وشاركته قصصاً من طفولتي وشبابي، خاصة المواقف التي فشلت فيها وكيف تجاوزتها؛ ليعلم أن الخطأ جزء من النمو وأنه بشر يُخطئ ويُصيب.


Google News