فترة الحمل من أكثر مراحل الحياة امتلاءً بالمشاعر والدفء والتقارب، بينما تفاجأ بعض النساء الحوامل بإحساس مختلف تماماً، ما بين فتور عاطفي، تراجع في علاقتها تجاه الشريك، أو حتى شعور بالانسحاب الداخلي غير المفهوم. هذا التغير قد يثير القلق، ويولد تساؤلات صامتة داخل المرأة: هل تغيّرت مشاعري؟ هل علاقتي في خطر؟ هل هذا طبيعي؟
هنا يؤكد الدكتور أحمد الجزار استشاري أمراض النساء والولادة: أن الفتور العاطفي أثناء الحمل ليس أمراً نادراً، بل قد يكون انعكاساً مباشراً لتغيرات هرمونية ونفسية عميقة يمر بها الجسم أثناء فترة الحمل، ويوصي بفهم هذه التغيرات لتقليل الشعور بالذنب أو الخوف، ويمنح المرأة الحامل أدوات للتعامل معها بوعي وطمأنينة.
الحمل عاصفة هرمونية شاملة

منذ اللحظة الأولى لحدوث الحمل، يبدأ الجسم في إعادة ترتيب كيميائي داخلي فترتفع مستويات هرمونات مثل:
الأستروجين، البروجستيرون، هرمون الحمل، البرولاكتين. هذه الهرمونات ضرورية لتثبيت الحمل ودعم نمو الجنين، لكنها تؤثر أيضاً على المزاج، والنوم، والشهية، والرغبة العاطفية.
الاستروجين على سبيل المثال، يرتبط غالباً بتحسين المزاج وزيادة الحساسية العاطفية. لكن ارتفاعه الشديد والمتقلب قد يؤدي إلى تقلبات مزاجية حادة.
البروجستيرون يميل إلى إحداث شعور بالهدوء أحياناً، أو الكسل والانسحاب أحياناً أخرى. هذه التغيرات ليست مجرد أرقام في تحليل دم، بل انعكاسات حقيقية على الحالة النفسية.
أسباب ظهور الفتور العاطفي

الإرهاق الجسدي
الغثيان، القيء، آلام الظهر، اضطرابات النوم، كلها أعراض شائعة في الحمل، خاصة في الثلث الأول. حين يكون الجسد مرهقاً، قد تتراجع الطاقة المخصصة للتفاعل العاطفي.
تغير صورة الجسد
تغير شكل الجسم قد يؤثر على ثقة المرأة بنفسها. بعض النساء يشعرن بعدم الجاذبية أو القلق من نظرة الشريك، مما يؤدي إلى انسحاب عاطفي لا شعوري.
التركيز الداخلي
الحمل يجعل المرأة في حالة تركيز عميق على جسدها وجنينها، هذا التركيز قد يقلل من الانتباه للتفاصيل العاطفية الخارجية تجاه شريكها مؤقتاً.
القلق والخوف
الخوف من فقدان الحمل أو من مسؤولية الأمومة القادمة قد يخلق حالة من الانغلاق الداخلي.
هناك جانب إيجابي غير مرئي في تلك التغيرات العاطفية؛ وهي أنها قد تعزز لاحقاً ارتباط الأم بالطفل؛ حيث تبدأ الأم في إعادة توجيه الطاقة العاطفية نحو الجنين كجزء من آلية بيولوجية طبيعية.
هل الفتور يعني ضعف الحب؟

الأطباء النفسيون يشددون على أن الفتور العاطفي المؤقت أثناء الحمل لا يعني تغيراً جذرياً في المشاعر تجاه الشريك، إذ غالباً ما يكون حالة عابرة مرتبطة بالمرحلة البيولوجية.
الدماغ خلال الحمل يتغير أيضاً. الدراسات العصبية تشير إلى أن مناطق معينة مسؤولة عن الاستجابة العاطفية قد يعاد تنظيمها لدعم غريزة الأمومة. هذا التغيير قد يجعل بعض النساء أقل تفاعلاً مع المحيط لفترة مؤقتة.
الفتور العاطفي والاكتئاب
من المهم التمييز بين الفتور الطبيعي المرتبط بالهرمونات، وبين الاكتئاب أثناء الحمل.
الاكتئاب قد يترافق مع:
- حزن مستمر.
- فقدان الاهتمام بكل الأنشطة.
- اضطرابات شديدة في النوم.
- شعور دائم بالذنب أو انعدام القيمة.
الفتور : بسب الهرمونات فيكون غالباً متقلباً، يتحسن في بعض الأيام ويشتد في أخرى.
في أي مرحلة يكون أكثر شيوعاً؟
- الثلث الأول من الحمل يشهد أعلى تقلب هرموني، لذلك قد يكون الفتور العاطفي أكثر وضوحاً.
- في الثلث الثاني، تستقر الهرمونات نسبياً، وقد تعود المشاعر إلى توازنها.
- في الثلث الثالث، فقد يظهر نوع آخر من الانشغال النفسي المرتبط بالاستعداد للولادة.
تأثير الفتور العاطفي على الجنين وأهل البيت
الفتور العاطفي الشديد أو المستمر ، والاكتئاب والقلق أثناء الحمل قد يؤثر سلباً على الجنين، مما يسبب مضاعفات، نتيجة لإفراز مستويات عالية من الكورتيزول الذي يؤثر على نموه وتطوره، وأحياناً يؤثر على نظامه العصبي، فيحدث:
- زيادة خطر الولادة المبكرة قبل الأسبوع الـ37.
- ولادة أطفال بوزن منخفض (أقل من 2.5 كجم).
- يؤثر التوتر المستمر على نمو الجنين وتطوره.
مشاكل صحية
قد يسبب الفتور المستمر مشاكل مثل: ارتفاع ضغط الدم أو سكري الحمل، مما يؤثر على الجنين، وقد يربك التوتر العاطفي الشريك إذا لم يفهم طبيعته، لذلك هناك ضرورة للتواصل الصريح، والتعبير عن المشاعر بوضوح، وشرح أن التغير مؤقت ومرتبط بالحمل، ما يجنب سوء الفهم.
الحمل لا يؤثر على جميع النساء بالطريقة نفسها، بعضهن يشعرن بزيادة في الفتور والانسحاب، بينما أخريات يعانين من انخفاض واضح، هذا التباين يعود لاختلاف الاستجابة الهرمونية والنفسية.
الفتور قد يكون انعكاساً لتغيرات جسدية مؤقتة، و بطبيعة الحال ينعكس هذا الجو المشحون بالتوتر على أهل البيت والأطفال وخصوصاً الزوج.
دور الشريك في هذه المرحلة

الدعم العاطفي من الشريك يلعب دوراً كبيراً في تخفيف الشعور بالانسحاب. الاهتمام، التفهم، وعدم الضغط، كلها عوامل تساعد المرأة على الشعور بالأمان. أحياناً يكفي أن تشعر الحامل بأن شريكها يدرك ما تمر به من دون مطالبة فورية بتغيير سلوكها.
متى يجب طلب المساعدة؟
إذا استمر الفتور لمدة طويلة بعد الولادة، أو ترافق مع أعراض اكتئاب واضحة، ينصح باستشارة مختص نفسي. التغيرات الهرمونية بعد الولادة قد تؤدي أيضاً إلى اكتئاب ما بعد الولادة.
أهمية الدعم العاطفي بين الزوجين تعرفي إلى التفاصيل
خطوات بسيطة للتخفيف من الفتور :
- تنظيم النوم قدر الإمكان.
- ممارسة نشاط بدني خفيف.
- تخصيص وقت للحوار الهادئ مع الشريك.
- تجنب الضغط على النفس.
- طلب دعم عائلي عند الحاجة.
- الوعي بأن ما يحدث طبيعي ومؤقت يخفف كثيراً من القلق.
*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.

