هناك حملٌ يبدأ بخبر سعيد، وبكلمات قليلة تقولها الطبيبة أو تظهر على شاشة الفحص، فتشعر المرأة للحظات بأنها دخلت أجمل مرحلة في حياتها، لكنَّ هناك حملاً آخر يبدأ بالطريقة نفسها تماماً، ثم يأتي معه شيء لا يراه الآخرون بسهولة؛ خوفٌ صامت يجلس إلى جوارها منذ اللحظة الأولى، يرافقها إلى موعد الطبيب، وينتظر معها أمام غرفة الأشعة، ويستيقظ في منتصف الليل عندما تشعر بوخزة صغيرة في بطنها، ثم يهدأ قليلاً عندما تسمع نبض الجنين، قبل أن يعود من جديد بعد ساعات أو أيام، وكأن الطمأنينة في هذه الحالة لا تستطيع البقاء طويلاً.
بالنسبة إلى المرأة التي فقدت جنيناً في حمل سابق، قد لا يكون الحمل الجديد مجرد بداية جديدة، بل قد يكون أيضاً مواجهة يومية مع ذاكرة قديمة لم تنتهِ بمجرد انتهاء التجربة السابقة، ولذلك يمكن أن يتحول مرور الأسابيع من مناسبة للاحتفال إلى سلسلة من المحطات التي تحسبها المرأة بدقة، فتقول في داخلها: «وصلت إلى الأسبوع الثامن، وهو الأسبوع الذي حدث فيه الأمر في المرة السابقة»، ثم يأتي الأسبوع التالي فتتنفس قليلاً، قبل أن تبدأ في التفكير بما سيحدث في الأسبوع التاسع والعاشر والحادي عشر، وكأن كل أسبوع يحمل امتحاناً جديداً عليها أن تعبره، حتى تصل إلى الأمان الذي تتخيله في نهاية الحمل.
عندما يصبح الحمل الجديد مرتبطاً بذاكرة الحمل القديم

من أكثر الأمور إيلاماً في هذه التجربة أن العقل لا يتعامل دائماً مع الحمل الجديد باعتباره قصة مستقلة، بل قد يستدعي تفاصيل التجربة السابقة تلقائياً، فالتاريخ الذي حدثت فيه الخسارة، والأعراض التي سبقتها، ومكان العيادة، وحتى بعض الكلمات التي قالتها الطبيبة في ذلك الوقت، قد تبقى محفورة في الذاكرة بطريقة تجعل أي إحساس مشابه في الحمل الجديد يبدو للمرأة وكأنه إنذار بالخطر.
وقد تستيقظ المرأة ذات صباح وتشعر بألم بسيط في أسفل البطن، وهو أمر قد يحدث لأسباب كثيرة أثناء الحمل، لكنها لا تسمعه كإحساس جسدي عابر، وإنما تسمعه من خلال تجربتها السابقة، فتبدأ الأسئلة بالتدفق بسرعة: هل هذا ما شعرت به في المرة الماضية؟ هل هناك شيء غير طبيعي؟ هل يجب أن أذهب إلى المستشفى؟ هل سأسمع نبض الجنين إذا ذهبت؟ وماذا لو كانت النتيجة سيئة؟
وهنا تكمن صعوبة الخوف بعد تجربة فقدان سابقة؛ لأن المرأة لا تخاف دائماً من شيء يحدث الآن، بل قد تخاف من احتمال تكرار شيء حدث في الماضي.
أسبوع يمرّ وآخر يبدأ معه القلق
قد تبدو عبارة «أنا الآن في الأسبوع العاشر» بسيطة جداً بالنسبة إلى امرأة أخرى، لكنها بالنسبة إلى امرأة عاشت فقداناً سابقاً قد تكون جملة محملة بقدر كبير من المشاعر؛ لأنها تعرف بالضبط كم بقي حتى تصل إلى الأسبوع الذي تجاوزته في الحمل السابق، أو لأنها تقترب من موعد الفحص الذي تتذكره جيداً.
ولهذا قد تتحول متابعة الحمل إلى نوع من العد التنازلي النفسي، حيث لا تقول المرأة لنفسها: «أنا سعيدة لأنني أصبحت في الأسبوع الثاني عشر»، وإنما تقول: «لقد نجحت في تجاوز الأسبوع الحادي عشر»، وكأنها تعبر جسراً طويلاً، خطوة وراء خطوة، وهي لا تعرف إن كان بإمكانها أن تسترخي أم أن عليها أن تبقى مستعدة لخبر سيئ.
وقد تكون المفارقة المؤلمة أنه كلما اقتربت المرأة من مرحلة كانت تعتبرها في السابق آمنة، ظهر خوف جديد؛ ففي البداية تخاف من عدم ظهور الحمل داخل الرحم، ثم تخاف من عدم ظهور النبض، ثم تخاف من توقف النمو، وبعد ذلك تخاف من نتائج الفحوصات، ثم من الفحص التفصيلي، ثم من حركة الجنين، ثم من الولادة، وقد تشعر في لحظة ما أنها لن تستطيع الاستمتاع بالحمل؛ لأن عقلها مشغول باستمرار بما يمكن أن يحدث.
«لماذا لا أشعر بالفرح مثل الأخريات؟»

قد تحمل المرأة نتيجة إيجابية في اختبار الحمل، وتبكي من شدة الفرح، ثم تجد نفسها بعد ساعات تبحث عن أعراض الحمل وتتساءل إن كانت طبيعية، وقد تسمع نبض جنينها في الفحص فتشعر بسعادة عارمة، لكنها بمجرد خروجها من العيادة تبدأ في التفكير: «وماذا لو تغير شيء قبل موعد الفحص المقبل؟».
وهذا التناقض قد يجعلها تشعر بالذنب، لأنها ترى نساء أخريات يتحدثن عن الحمل بحماس، ويشترين الملابس الصغيرة، ويخترن الأسماء، ويصورن بطونهن مع مرور الأسابيع، بينما هي تتردد قبل أن تشتري قطعة واحدة، أو تخشى أن تخبر عدداً كبيراً من الأشخاص بالحمل، أو تتجنب التعلق الشديد بالجنين؛ خوفاً من أن يكون الفقد القادم أكثر إيلاماً.
لكن عدم قدرتها على الاستمتاع بالحمل بالطريقة التي تتوقعها لا يعني أنها لا تحب طفلها، بل قد يكون العكس تماماً؛ أحياناً يكون الخوف نفسه نتيجة للحب الشديد والرغبة العميقة في حماية هذا الطفل، إلى جانب الذاكرة المؤلمة التي جعلتها تدرك أن بعض الأشياء التي تبدو مضمونة يمكن أن تتغير فجأة.
الفحص الطبي يصبح مصدر طمأنينة وقلق في الوقت نفسه
قد يكون موعد فحص الحمل من أكثر اللحظات تعقيداً في حياة هذه المرأة، لأنها تنتظره بفارغ الصبر كي تسمع أن كل شيء بخير، وفي الوقت نفسه قد تخشاه بشدة؛ لأنها تعرف أن غرفة الفحص يمكن أن تحمل خبراً يطمئنها أو خبراً تخشى سماعه.
وفي الأيام التي تسبق الموعد، قد تجد نفسها تفكر في كل تفصيل يتعلق بجسمها، وتراجع الأعراض التي شعرت بها، وتراقب أي تغير، ثم تصل إلى العيادة وهي تحاول أن تبدو هادئة أمام الآخرين، بينما قلبها يعيش سيناريوهات متعددة في الوقت نفسه.
وبعد أن تسمع عبارة «كل شيء بخير»، قد تشعر براحة حقيقية، لكنها قد لا تستمر طويلاً؛ لأن عقلها الذي تعلم من التجربة السابقة أن الاطمئنان قد يكون مؤقتاً يبدأ سريعاً في طرح سؤال جديد: «وماذا عن الأسبوع المقبل؟».
وهكذا قد تصبح الحاجة إلى الطمأنينة متكررة، وليس لأن المرأة ضعيفة أو مبالغة، وإنما لأن التجربة السابقة جعلت عدم اليقين أكثر صعوبة بالنسبة إليها.
البحث عن الأعراض على الإنترنت

ومن السلوكيات التي قد تظهر لدى بعض النساء في هذه المرحلة مراقبة الأعراض بشكل مبالغ فيه، وربما البحث المتكرر على الإنترنت عن معنى كل ألم أو إفراز أو تغير في الشهية أو مستوى الغثيان، وقد تبدأ المرأة بقراءة تجارب نساء أخريات، ثم تقارن نفسها بهنّ، فتقرأ قصة عن امرأة شعرت بعرض معين وانتهى حملها، فتبدأ بالخوف حتى لو لم يكن هناك أي دليل طبي على أن ما يحدث لها يعني النتيجة نفسها.
وقد يمنح البحث الإلكتروني شعوراً مؤقتاً بالسيطرة؛ لأن المرأة تشعر بأنها تجمع المعلومات وتحاول حماية نفسها، لكنه قد يتحول بسهولة إلى دائرة من القلق، حيث يؤدي كل بحث إلى سؤال جديد، وكل سؤال إلى بحث آخر، حتى يصبح الهاتف نفسه مصدراً للتوتر، بدلاً من أن يكون وسيلة للمعرفة.
ولهذا يكون من المفيد أن تعتمد المرأة على مصدر طبي موثوق، وأن تسأل طبيبتها عن الأعراض التي تستدعي التواصل الفوري معها، بدلاً من محاولة تفسير كل إحساس جسدي بمفردها.
لماذا لا يختفي الخوف بمجرد سماع نبض الجنين؟
قد يتخيل المحيطون بالمرأة أن سماع نبض الجنين سيضع حداً لخوفها، لكن الأمر ليس بهذه البساطة دائماً؛ لأن الخوف الذي نشأ بعد تجربة فقدان سابقة لا يعتمد فقط على المعلومات الطبية، وإنما يتأثر أيضاً بالذاكرة والمشاعر والتجربة الشخصية.
فحتى عندما يكون الفحص مطمئناً، قد تحتاج المرأة إلى وقت حتى تصدق أن هذه المرة يمكن أن تكون مختلفة، وقد تشعر بالراحة ساعات أو أياماً ثم يعود القلق، خصوصاً عند اقتراب موعد الفحص التالي أو عند حدوث تغير طبيعي في أعراض الحمل.
ومن هنا تأتي أهمية ألا يقال لها ببساطة: «لا تفكري كثيراً»؛ لأن التفكير ليس مفتاحاً تستطيع إغلاقه متى شاءت، كما أن عبارة «كوني إيجابية» قد تجعلها تشعر بأن خوفها خطأ يجب أن تخفيه، بينما ما تحتاج إليه غالباً هو شخص يستطيع الاستماع إليها من دون أن يحاول إلغاء مشاعرها.
دور الزوج والعائلة: لا تحوّلوا الطمأنة إلى ضغط

تحتاج المرأة في هذه المرحلة إلى دعم حقيقي، لكن الدعم لا يعني تكرار جمل مثل «أكيد كل شيء سيكون بخير» في كل مرة تشعر فيها بالخوف؛ لأن هذه العبارة، رغم حسن نيتها، قد تجعلها تشعر بأن الآخرين لا يفهمون حجم ما تعيشه.
الأفضل أن يقول الزوج أو أحد المقربين: «أعرف أن التجربة السابقة جعلتك تخافين، وأنا موجود معك، وإذا احتجتِ إلى التواصل مع الطبيبة سنفعل ذلك»؛ لأن هذه الجملة لا تنكر الخوف، ولا تؤكد في المقابل أن شيئاً سيئاً سيحدث، وإنما تمنح المرأة إحساساً بأنها ليست وحدها في مواجهة عدم اليقين.
كما أنه من المهم ألا تُلام المرأة إذا تأخرت في إعلان الحمل، أو إذا لم ترغب في شراء مستلزمات الطفل مبكراً، أو إذا لم تستطع الحديث عنه طوال الوقت؛ لأن لكل امرأة طريقتها الخاصة في بناء الشعور بالأمان بعد الفقد.
كيف تعيش المرأة كل أسبوع من دون أن يتحول الحمل إلى سلسلة من المخاوف؟

قد يساعدها أولاً أن تتوقف عن محاولة الحصول على ضمان كامل بأن كل شيء سيستمر بخير؛ لأن الحمل بطبيعته يحمل قدراً من عدم اليقين، وأن تستبدل ذلك بفكرة أكثر واقعية، وهي: «اليوم، أنا أتابع حملي وأعتني بنفسي وألتزم بتعليمات الطبيبة، ولا أحتاج إلى معرفة المستقبل كله الآن».
وقد يكون من المفيد أيضاً تقسيم الحمل إلى مراحل صغيرة بدلاً من التفكير في الأشهر التسعة دفعة واحدة، فإذا كان التفكير في نهاية الحمل يسبب القلق، يمكن التركيز على الموعد الطبي القادم، وعلى ما تستطيع المرأة فعله اليوم، وعلى الراحة والتغذية والمتابعة التي أوصى بها الطبيب.
ومن المهم كذلك وضع حدود للبحث عن الأعراض، والابتعاد عن تجارب الفقد المتكررة إذا كانت تزيد القلق، مع الاحتفاظ بمعلومات واضحة عن الأعراض التي تستدعي التواصل الطبي؛ لأن المعرفة المنظمة تختلف كثيراً عن البحث العشوائي الذي يجعل كل عرض صغير يبدو كأنه علامة خطر.
وماذا لو أصبح الخوف أقوى من القدرة على الحياة؟
هناك فرق بين القلق المفهوم بعد تجربة مؤلمة وبين القلق الذي يبدأ في السيطرة على الحياة اليومية، فإذا كانت المرأة لا تستطيع النوم، أو تعجز عن أداء أعمالها المعتادة، أو تبكي باستمرار، أو تعيش في حالة مراقبة دائمة لجسدها، أو تشعر بأنها غير قادرة على الارتباط بالحمل بسبب الخوف، فمن المهم أن تتحدث مع طبيبتها، أو اختصاصية نفسية لديها خبرة في دعم النساء أثناء الحمل وبعد فقدان الحمل.
طلب الدعم النفسي هنا ليس اعترافاً بالضعف، ولا يعني أن المرأة «تبالغ»، بل يمكن أن يكون خطوة واعية لمساعدتها على حمل الذاكرة القديمة بطريقة أقل قسوة، وعلى الفصل تدريجياً بين ما حدث في الماضي وما يحدث في الحمل الحالي.
وقد يكون من المفيد أن تتعلم المرأة بعض تقنيات التنفس والاسترخاء، وأن تكتب مخاوفها بدلاً من أن تتركها تدور في رأسها طوال اليوم، وأن تتفق مع شخص تثق به على أن يكون إلى جانبها في مواعيد الفحوصات، وأن تمنح نفسها مساحة للحزن على ما فقدته سابقاً من دون أن تشعر بأن عليها أن تنسى التجربة، كي تكون سعيدة بالحمل الجديد.
ليس مطلوباً منها أن تنسى الطفل الذي فقدته
ربما يكون من أكثر الأمور حساسية أن المرأة قد تشعر أحياناً بأن فرحتها بالحمل الجديد تخون الطفل الذي فقدته سابقاً، أو أنها تخاف من أن تتعلق بهذا الجنين كثيراً، وكأن الحب الجديد يجب أن يأتي على حساب الحزن القديم. لكن القلب لا يعمل بهذه الطريقة؛ يمكن للمرأة أن تحزن على طفل فقدته، وأن تتذكره، وأن تتمنى لو كانت قصته مختلفة، وفي الوقت نفسه تحب جنينها الحالي وتفرح بوجوده، ولا يلغي أحد الشعورين الآخر.
الحمل الجديد لا يمحو التجربة السابقة، لكنه يمكن أن يكون قصة مختلفة، بظروف مختلفة، ومتابعة مختلفة، ونهاية لا يمكن لأحد أن يتنبأ بها من خلال ما حدث في الماضي وحده.
قي يهمك أيضًا.. الحمل بعد الإجهاض.. 7 نصائح للاستعداد لحمل صحي
بين الخوف والأمل
إن المرأة التي تعيش كل أسبوع بقلق بعد فقدان حمل سابق، لا تحتاج إلى من يخبرها بأن خوفها غير منطقي، بقدر ما تحتاج إلى من يفهم أن بعض المخاوف تولد من تجارب حقيقية، وأن العقل أحياناً يحاول حمايتنا من الألم عن طريق توقعه قبل حدوثه.
وقد لا تصل إلى اليوم الذي تختفي فيه كل المخاوف تماماً، لكنها تستطيع مع الوقت أن تتعلم ألا تجعل الخوف يقود كل لحظة من حملها، وأن تترك مساحة صغيرة للفرح، حتى لو بقي القلق موجوداً في الخلفية.
فربما لا يكون الهدف أن تقول لنفسها: «لن أخاف أبداً»، وإنما أن تقول: «أعرف أنني خائفة، لكنني سأعيش هذا اليوم كما هو، وسأعتني بنفسي، وسأتابع حملي طبياً، وسأطلب المساعدة عندما أحتاج إليها، ولن أسمح لتجربة الأمس بأن تكتب وحدها قصة اليوم».
تابعي أيضًا.. متى تنتهي فترة الخطر في الحمل؟


Google News