في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح "الطاقة السلبية" بشكل واسع، وأصبح يُستخدم لتفسير المشاعر المتقلبة، كالتوتر الفجائي في المكان، أو حتى بكاء الرضيع بدون سبب؛ حيث تربط بعض الأمهات بين بكاء المولود وبين وجود شخص "طاقته غير مريحة"، أو بين اضطراب نومه وبين أجواء مشحونة في المنزل. وبطبيعة الحال كان للعلم قول آخر؛ فهناك تفسير عصبي ونفسي أكثر دقة لهذه الظاهرة.
اللقاء والدكتور حسين عثمان أستاذ التربية للتعرف على الشرح العلمي الذي يفصل بين المفهوم الشعبي للطاقة السلبية، والتفسير البيولوجي الحقيقي لما يشعر به المولود في أيامه الأولى تجاه بعض الأشخاص، والخوف المفاجئ من الصوت الغريب.
ما المقصود بـ"الطاقة السلبية"؟

مصطلح "الطاقة السلبية" ليس مصطلحًا علميًا في الطب أو علم النفس، ولا يوجد في المراجع الطبية تشخيص بهذا الاسم، أو أداة لقياسه، وغالبًا ما يُستخدم التعبير لوصف:
- التوتر في الجو العام.
- الغضب أو الصراخ.
- القلق الشديد.
- الحزن العميق.
- الشعور بعدم الارتياح تجاه شخص ما.
إذن الحديث يكون عن مشاعر بشرية وسلوكيات وانفعالات يمكن ملاحظتها، وليس عن طاقة غير مرئية بالمعنى الفيزيائي.
هل يشعر مولودك بالمشاعر المحيطة؟

الإجابة العلمية المختصرة: نعم، لكن ليس بالطريقة التي يتخيلها البعض؛ حديثو الولادة لا يفهمون الكلمات، لكن أدمغتهم مبرمجة لرصد الإشارات الحسية والانفعالية من حولهم؛ الجهاز العصبي لديهم حساس للغاية ؛ للنبرة، الإيقاع، تعبيرات الوجه، والتوتر الجسدي.هم لا يقرأون الوجوه ولا يفهمون دلالة ملامح الوجه ..لكنهم يلتقطون:
- ارتفاع نبرة الصوت.
- تسارع التنفس.
- شد عضلات الوجه.
- توتر الجسد عند الحمل.
وهذه تعد إشارات عصبية حقيقية.
دماغ حديث الولادة في حالة بناء مستمر

في الأيام الأولى بعد الولادة، يكون دماغ الطفل في مرحلة تكوين ملايين الوصلات العصبية بشكل يومي، والبيئة المحيطة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل هذه الوصلات. وعندما تكون البيئة هادئة ومستقرة، يفرز الجسم هرمونات مهدئة تساعد الطفل على النمو العصبي السليم، أما في البيئة المليئة بالتوتر والقلق والصراخ، فقد يرتفع هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر). إذن التأثير ليس "طاقة" بالمعنى الغامض، بل استجابة بيولوجية واضحة.
هل يتأثر الرضيع بتوتر الأم تحديدًا؟

نعم، وبشكل ملحوظ؛ فالأم هي المصدر الأساسي للأمان في الأسابيع الأول، بدليل ان الطفل حديث الولادة يستطيع تمييز رائحة أمه وصوتها من بين أصوات كثيرة؛ فإذا كانت الأم متوترة، قَلِقة، أو حزينة بشدة، فقد ينعكس ذلك على طريقة حملها لطفلها ، نبرة صوتها، إيقاع حركتها، كما ان الدراسات النفسية تشير إلى أن الرضع يمكن أن يلتقطوا التغيرات الدقيقة في تعبيرات وجه الأم ونبرة صوتها، ما قد يؤثر على مستوى استرخائهم.
أشخاص غير مريحين؟
بعض الأمهات يقلن: "طفلي يبكي كلما حمله شخص معين"، والسؤال: هل هذا دليل على أن الطفل يشعر بطاقة سلبية؟ هنا يقدم
العلم تفسيرات أبسط:
- اختلاف الرائحة.
- طريقة حمل غير معتادة.
- صوت أعلى أو أخشن.
- توتر الشخص نفسه أثناء حمل الطفل.
- الرضيع حساس جدًا للتغيرات الحسية.
- أي اختلاف مفاجئ في نمط الحمل أو الصوت قد يثير استجابة عدم ارتياح.
هل يمكن أن يبكي الطفل بسبب جو مشحون في المنزل؟
نعم، لكن ليس لأنه يدرك الخلاف فكريًا، بل لأن التوتر يغير البيئة الحسية:
- أصوات مرتفعة.
- حركات مفاجئة.
- توتر في العضلات.
- قلة اتصال بصري دافئ.
- هذه التغيرات تؤثر على الجهاز العصبي غير الناضج لحديث الولادة.
ماذا عن "العين" والطاقة؟
من المهم التفريق بين المعتقدات الشعبية وبين التفسير العلمي، الطب لا يعترف بمفهوم انتقال طاقة سلبية عبر النظر أو التفكير.
لكن التفسير النفسي يوضح أن:
القلق الشديد من الأم قد يجعلها أكثر حساسية لبكاء الطفل. تفسير كل بكاء على أنه نتيجة "طاقة" قد يزيد توترها. توتر الأم قد ينعكس على الطفل فعلًا. وهكذا تدخل الأسرة في دائرة مغلقة من القلق.
حديثو الولادة والعدوى العاطفية
هناك مفهوم علمي يُعرف بـ"العدوى العاطفي"، وحتى البالغين يتأثرون بمشاعر الآخرين من خلال الإشارات غير اللفظية.
الرضيع، رغم صغر سنه، يمتلك بدايات هذا النظام العصبي، هو لا يشارك في تحليل المشاعر، لكنه يتفاعل مع إشاراتها.
و إذا عاش الطفل في بيئة مليئة بالتوتر المستمر، فقد يؤثر ذلك على:
- نمط نومه.
- قابليته للتهدئة.
- استجابته للمؤثرات.
- مستوى يقظته العصبية.
لكن هذا لا يعني أن كل لحظة توتر ستسبب ضررًا دائمًا، المرونة العصبية عند الرضع عالية جدًا، خاصة مع وجود علاقة دافئة مستقرة.
التوتر العابر والتوتر المزمن
التوتر العابر: شجار قصير ، يوم مرهق، صوت مرتفع مؤقت، وغالبًا لا يترك أثرًا طويل الأمد. بينما التوتر المزمن: صراخ يومي، خلافات مستمرة، بيئة غير مستقرة.هنا قد يحتاج الأمر إلى تدخل لتحسين المناخ الأسري.
هل يشعر الطفل بالمشاعر الخفية؟
الطفل لا يملك قدرة إدراكية لقراءة النوايا أو المشاعر المكبوتة، لكنه يستجيب للعلامات الفيزيولوجية، وإذا حاول شخص إخفاء غضبه فسيشعر الطفل أن صوته متوتر وعضلاته مشدودة، فالرضيع سيلتقط هذه الإشارات، الأمر يتعلق بالحواس، لا بالطاقة الغامضة.
تأثير التوتر أثناء الحمل
حتى في الرحم، يتعرض الجنين لتغيرات هرمونية عندما تشعر الأم بضغط شديد، لكن التأثير يعتمد على شدة التوتر ومدته، وبعد الولادة، يصبح التأثير مباشرًا عبر السمع واللمس.
هل هناك دليل علمي على وجود "طاقة سلبية"؟حتى الآن، لا يوجد دليل علمي موثوق يثبت وجود طاقة سلبية وكل ما تم رصده علميًا يتعلق بـ: الإشارات العصبية، التوتر الهرموني، البيئة الحسية.
انتشار هذا المفهوم يرجع إلى:
كثيرون يميلون لتفسير الظواهر غير المفهومة بمفاهيم سهلة وسريعة.كما أن بكاء الرضيع لغز مرهق، خاصة للأم الجديدة، لهذا فإن إرجاع السبب إلى "طاقة سلبية بالبيت " قد يبدو تفسيرًا مريحًا، مقارنة بالبحث في عوامل النوم أو المغص أو الإرهاق.
طرق لحماية المولود من التوتر
- الحفاظ على نبرة صوت هادئة.
- تقليل الصراخ والخلافات أمامه.
- توفير روتين يومي مستقر.
- تعزيز التواصل البصري واللمس الدافئ.
- الاعتناء بصحة الأم النفسية.
متى يكون القلق؟
عندما يكون الرضيع: شديد التهيج بشكل دائم، يعاني من اضطراب نوم مستمر، يصعب تهدئته تمامًا، هنا الأفضل استشارة طبيب أطفال لاستبعاد الأسباب العضوية أولًا.

